الرئيسية » هاني المصري »   06 كانون الأول 2006

| | |
توصيات لجنة بيكر... إشارة إلى التغيير القادم
هاني المصري

من الطبيعي ان تشعر اطراف "محور الشر" وجبهة الممانعة في الشرق الاوسط وكل الاطراف والبلدان المعارضة والمتضررة من السياسة الاميركية في عهد بوش بالسعادة بعد نشر توصيات لجنة بيكر-هاملتون. فهذه اللجنة مكونة من عشرة اشخاص (5 من الحزب الجمهوري و5 من الحزب الديمقراطي)، وهم يشكلون نخبة من أهم الخبراء في السياسة الخارجية الاميركية. واللجنة مشكّلة بقرار من الرئيس الاميركي. ويكفي للبرهنة على أهمية اللجنة ان نذكر ان روبرت غيتس وزير الدفاع الاميركي الجديد، كان الى أن تم اختياره خلفاً لدونالد رامسفيلد، عضوا في اللجنة. توصيات اللجنة اذا تم الاخذ بها، تشكل تغييرا، بل انقلاباً، في السياسة الاميركية الشرق أوسطية فعلى الرغم من ان التوصيات رأت ان لا حل سحريا لازمة العراق، فإنها تشكل محاولة اميركية جديدة للبحث عن شيء من النجاح في العراق حتى لو جاء ذلك عبر تحقيق انسحاب مشرف بديلا عن نصر صار من المستحيلات. واذا لم يأخذ الرئيس الاميركي بهذه التوصيات بسرعة، فهو سيتحمل المسؤولية، كما قال بيكر وهاملتون، عن تفاقم خطورة الوضع في العراق. فالوقت يضيق والوضع يتدهور، انها ليست مسألة اشهر وانما مسألة اسابيع وربما ايام. التوصيات اعلان عن فشل سياسة القوة والحروب الاستباقية واستبعاد الاطراف الدولية و الاقليمية، ودعوة لمسار جديد يعتمد الحوار والتفاوض والمؤتمرات الدولية. فالتقرير اعتبر اقامة دولة فلسطينية شرطاً لتحقيق اهداف واشنطن، وجعل حل النزاع العربي-الاسرائيلي حجر الزاوية لحل الازمة في العراق. واشار التقرير لاول مرة في تقرير اميركي الى حق العودة عند تطرقه لقضية اللاجئين، وطالب بالانسحاب من الجولان، وعقد مؤتمر دولي على غرار مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد عام 1991.

ودعا الى انسحاب اميركي متدرج من العراق وفتح حوار مع ايران وسورية، والى عقد مؤتمر دولي تشارك فيه كافة الدول المجاورة للعراق. التقرير اعلان مدوّ عن فشل السياسة الاميركية منذ انتهاء الحرب الباردة وحتى الآن. تأسيسا على كل ما تقدم تشعر الان اطراف جبهة الممانعة بالثقة، فايران طالبت باتخاذ قرار الانسحاب فالوقت حان للانسحاب وليس للحوار. وسورية اعتبرت التقرير ايجابياً ودعت ادارة بوش الى اخذ العبرة من هذه التوصيات. المقاومة، والصمود، والممانعة، والخسائر البشرية والمادية الاميركية، هي العامل الاساسي الذي ادى الى هزيمة السياسة الاميركية في العراق، بل وفي المنطقة برمتها من افغانستان، مرورا بسورية ولبنان، وانتهاء بفلسطين. واستمرار المقاومة هو العامل الذي يمكن ان يجعل توصيات بيكر -هاملتون تتحول الى سياسة اميركية جديدة، اما سياسة الاستجداء و المطالبة فلم تحقق شيئاً. رغم ما تقدم، على جهة الممانعة ان لا تسبح في شبر ميه، فهناك مسافة كبيرة بين التوصيات وبين تحولها الى سياسة اميركية. فالتوصيات ليست ملزمة للرئيس الاميركي. وبوش رغم قوله بأنه سيأخذ التوصيات بجدية، وأنها قاسية، وانه سيصدر قراره النهائي بشأنها بعد عدة اسابيع بعد التشاور مع الجهات الاميركية المعنية خصوصاً في وزارتي الدفاع والخارجية، الا ان البوادر الاولية تشير الى أنه سيرفض هذه التوصيات او في أحسن الاحوال سيتعامل معها بانتقائية، بحيث يقبل بعضها ويرفض معظمها. فها هو الرئيس الاميركي لا يزال يتحدث عن امكانية تحقيق النصر وان ما يجري في العراق مصاعب وليس هزيمة، وان النجاح في العراق يعتمد على مدى القدرة على تحقيق انتصار على المتطرفين في الشرق الاوسط الاوسع، وذلك بعد ساعات من صدور التوصيات، في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع طوني بلير الذي سارع الى لقائه بعد تسلمه التقرير لتدارس احتواء تداعياته قبل فوات الاوان. بوش اعلن رفضه للتفاوض المباشر مع ايران قبل وقفها تخصيب اليورانيوم، ولا حوار مع سورية قبل وقفها دعم الارهاب، وشدد على عدم الحاجة لأن تحضر سورية وإيران المؤتمر الدولي. كما رفض الربط ما بين الصراع العربي-الاسرائيلي والازمة العراقية، ورغم ان هذه التصريحات تعاكس ما قاله، وزير الدفاع الاميركي الجديد، الذي صرح اثناء جلسه استجوابه قبل تعيينه، بأن لا حديث عن نصر في العراق، وانه منفتح على كافة الاقتراحات (في تلميح إلى توصيات لجنة بيكر) الرامية لتغيير السياسة الاميركية، الا ان هذا يدل على فوضى وارتباك تعاني منه الادارة الاميركية وسيلاحقها حتى أيامها الأخيرة. ردة فعل الرئيس الاميركي متوقعة، فالولايات المتحدة الاميركية في عهده، لن تستطيع ان تستسلم بسهولة وسرعة أنها هزمت في العراق، وفي منطقة الشرق الاوسط برمتها، لذلك سيعاند، وسيحاول استنفار طاقات بلاده الضخمة، والاستنجاد بكل من له مصلحة او علاقة مع الولايات المتحدة الاميركية في المنطقة، لاقامة جبهة من "المعتدلين" في مواجهة "المتطرفين" ومنعهم من تحقيق الانتصار الكبير. في هذا السياق، علينا ان نتوقع ان يركب الرئيس الاميركي رأسه، خصوصاً عندما رصد ردود الفعل الاسرائيلية على التقرير، التي تراوحت بين القلة التي طالبت بالأخذ بها، وكف اسرائيل عن دفن رأسها بالرمال، وبين من اعتبرها زلزالاً بدرجة 7 ريختر، وبين الرفض الرسمي لها الذي عبر عنه اولمرت بصراحة بقوله إنه ليس مقتنعا بأن الولايات المتحدة الاميركية ستأخذ بهذا التقرير الذي يلقي بكل المشكلات الاميركية على كاهل اسرائيل، ولكن اولمرت يعول على حصافة بوش وواثق بأنه سيتخذ القرار المناسب برفض توصيات التقرير. ان الرفض المتوقع من بوش للتقرير، او التعامل معه بانتقائية تفرغه من مضمونه الاساسي، سيشكل محاولة بوشية جديدة لانكار الواقع وعدم رؤية المتغيرات الحاصلة وتلك التي يمكن ان تحصل، كما يفرض على الفلسطينيين والعرب رؤية ما يجري والتعامل معه بدون الانكار ولا المبالغة، فمن المؤكد الان ان هناك اتجاهات متزايدة في الولايات المتحدة الاميركية تطالب بتغيير السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، لكن هذا الاتجاه سيواجه بمقاومة شرسة من بقايا المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني، وهذا يعني ان الفترة القادمة من هنا وحتى الانتخابات الرئاسية الاميركية القادمة ستكون انتقالية وستشهد محاولات للاحتواء وإدارة الازمات وأشكالاً من التخبط والارتباك الاميركي أكثر مما تشهد من اطلاق مبادرات فعالة قادرة على احداث الاختراقات سواء في العراق أو فلسطين. فالرئيس الاميركي لن يعترف بهزيمته ولكنه لن يكون قادراً على الحركة بحرية بعد نجاح الحزب الديمقراطي في الحصول على الاغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وبعد توصيات لجنة بيكر-هاملتون التي تعبر عن اتجاه عام وسط الاميركيين فهي لجنة جمهورية ديمقراطية يهمها اولاًً واساساً انقاذ الولايات المتحدة الاميركية من ورطتها في العراق، ولا يهمها كثيراً مصالح شعوب وبلدان المنطقة. فلن يعمل بوش وفقاً لتوصياتها لكنه لا يستطيع تجاهلها كلياً. على الفلسطينيين الحذر من تشدد مبالغ فيه او مرونة تصل حد التفريط، كما عليهم الاستعداد لاحتمال ان تحاول اسرائيل استغلال الفترة القادمة الانتقالية لفرض المزيد من الحقائق الاحتلالية والاستيطانية في الضفة والقدس، وشن عدوان عسكري شامل ضد قطاع غزة يستهدف تصفية البنية التحتية للمقاومة ومنع تهريب السلاح وكسر ارادة الفلسطينيين على الصمود والمقاومة وتغيير وعيهم، مستفيدة من الدعم الدولي لاسرائيل بعد قرارها قبول التهدئة رغم "الخروقات" الفلسطينية. ان المتغيرات الحاصلة، والمتوقعة في السياسة الاميركية والدولية، تفرض على الفلسطينيين التوجه نحو الوحدة أكثر من السابق. لأن استمرار الخلاف والانقسام وتعميقه من شأنه ان يزيد المخاطر والخسائر، بينما الوحدة على اساس برنامج وطني واقعي، يحفظ الحقوق وقادر على الاقلاع، تستطيع انتهاز الفرصة الجديدة التي لاحت او تلوح في الافق لحل القضية الفلسطينية حلا عادلا بتحقيق الحرية والاستقلال والعودة.

 

 

مشاركة: