الرئيسية » هاني المصري »   10 تشرين الثاني 2007

| | |
عتب وزير الداخلية على الكتّاب
هاني المصري

فاجأني أبو أنس وزير الداخلية اللواء عبد الرزاق اليحيى بتوجيه العتاب لي وكتاب الأعمدة والمقالات لعدم قيامهم بالكتابة حول الخطة الأمنية التي بدأت في نابلس وحققت، باعتراف الجميع، نجاحات ملموسة أدت إلى ارتياح أهل جبل النار الذين اكتووا أكثر من غيرهم بنيران حالة الفوضى والفلتان الأمني التي عصفت داخل أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية بسبب عدة عوامل أولها حرص الاحتلال على اعتماد سياسة "فرّق تسد" وإشاعة الفوضى للبرهنة على أن الفلسطينيين لا يستحقون الحصول على حقهم بتقرير المصير وانهم بحاجة إلى وصاية وإلى احتلال لضبط حركتهم ومحاربتهم حتى يكفّوا كونهم جزءاً من الإرهاب العالمي.


ورغم أنني حمّلت الحكومة ووزير الداخلية قدراً مهماً من المسؤولية عن عدم كتابة الكتاب حول الخطة الأمنية، نظراً لأن الخطاب الإعلامي للحكومة متخلف بصورة ملموسة عن أعمالها، والدليل أن وزير الداخلية لم يعقد مؤتمراً صحافياً واحداً حتى الآن، ولم يلتق بالصحافيين والكتّاب لوضعهم بخلفية الخطة الأمنية وتزويدهم بالمعلومات التي تحفّزهم على الكتابة من موقع العلم بالشيء، إلا أن عتب وزير الداخلية ينطوي على قدر من الوجاهة والصحة لا يمكن إنكاره. أبو أنس رغم مرور خمسة أشهر على توليه وزارة الداخلية لا يزال يؤمن بالعمل بصمت وبعيداً عن الإعلام. وكان يصرّ على ذلك رغم أنه يعرف أن الغالبية حتى من داخل الحكومة كانوا يستخفون بأقواله عن إمكانية تحقيق الأمن الداخلي وتوفير النظام العام خلال فترة قياسية. فهو والجميع يعرف حالة التداخل ما بين الأمن والسياسة والاقتصاد، وحالة التأثير المتبادل ما بين الانقسام الداخلي والمقاومة للاحتلال.

ولا يستطيع المرء أن ينكر أن هناك تحسناً في الوضع الأمني الداخلي بما في ذلك في مدينة نابلس التي اختارتها الحكومة لتكون أولى المدن التي تطبق فيها الخطة الأمنية، وعلى أساس القناعة بأن النجاح في نابلس سيؤدي إلى النجاح في مختلف المناطق، والفشل فيها سيقضي على الخطة الأمنية وهي في المهد. وهذا التحسن لم يكن ممكناً لولاً وضع مسألة المقاومة جانباً لأن الصراع الداخلي طغى على كل شيء وأضاع ضمن ما أضاع المقاومة.

الفرحة بالتحسن الأمني ناقصة، ومهددة لأن الخطة الأمنية قامت حتى الآن على رجل واحدة وهي بحاجة إلى رجلين اثنتين حتى تنجح وتقف على رجليها وتسير بثبات بثقة وبشكل دائم ومستمر. فهناك العديد من الخطط الأمنية التي نجحت في الأيام الأولى على تطبيقها، واستمرت لأسابيع ثم عادت الأمور إلى سيرتها الأولى، وكأن شيئاً لم يكن. الثغرة تكمن بأن السلطة تتصرف أحياناً وكأن الاحتلال غير موجود، أو كأنه عامل مساعد، أو يمكن أن يكون عاملاً مساعداً. وبالتالي لم تعط الاهتمام اللازم لمسألة ضرورة أن تسبق الخطة الأمنية أو على الأقل أن تسير معها بشكل متزامن ومتبادل خطة إعادة المسؤولية الأمنية للسلطة على الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرتها قبل 82 أيلول عام 0002، بحيث لا تقوم قوات الاحتلال باقتحام المدن أو بالاغتيالات والاعتقالات. فالحكومة عالجت ملف "المطلوبين" على مراحل وفي عدة أشهر، ورغم أن إسرائيل أبقته مفتوحاً حتى الآن. وحيث لم توافق على الكفّ عن ملاحقة أعداد كبيرة من "المطلوبين" وقامت في أحيان عديدة باعتقال أو حتى اغتيال بعض "المطلوبين" الذين التزمت بالكفّ عن مطاردتهم. ولم نسمع احتجاجاً يذكر من السلطة على ذلك. ولم نر ردة فعل تناسب حجم الفعل الإسرائيلي.

البديل ليس الكفّ عن الخطة الأمنية لحين موافقة إسرائيل، ولكن خوض معركة سياسية وإعلامية ودولية لكشف مسؤولية الاحتلال الأساسية حتى عن حالة الفوضى والفلتان الأمني الداخلي. من غير المعقول أن لا تحدث السلطة أزمة على التعامل القطّاعي مع "المطلوبين"، ورفض الكفّ عن ملاحقة العديد منهم وملاحقة من شملهم الكفّ عن الملاحقة، يمكن الاحتجاج عن طريق الامتناع عن لقاء، كما يمكن تنظيم زيارة للدبلوماسيين أو حملات إعلامية، وكل ذلك مع وضع الأمم المتحدة بصورة ما يجري، ومن غير المعقول السماح باستمرار حالة تكون فيها السلطة مسؤولة عن الأمن الداخلي (النظام العام) في النهار، بينما تبقى المسؤولية الأمنية داخل أراضي السلطة، خصوصاً في الليل في يد قوات الاحتلال. يجب أن نفكر إلى أين سنصل إذا استمر الحال على هذا المنوال؟ وهذا ما حرص جنرالات الجيش الإسرائيلي ومسؤولون أمنيون إسرائيليون على الإعلان عنه علنياً ورسمياً. وما حرصت قوات الاحتلال على ممارسته ميدانياً وعلى الأرض. فبعد تنفيذ الخطة الأمنية في نابلس قامت قوات الاحتلال باقتحام المدينة ليلاً وعاثت فيها خراباً واعتقالاً لدرجة أن دوريات الاحتلال عادت للقيام بلعبة قديمة كفت عن استخدامها منذ فترة، وهي إلقاء قنابل دخانية وصوتية على مركز شرطة المدينة في إشارة بالغة الدلالة على من السيد هنا، وعلى حقيقة النوايا الإسرائيلية من فرض الأمن والنظام داخل الأراضي الفلسطينية. والأخطر من ذلك، قيام قوات الاحتلال بمداهمة مخيم بلاطة وهدم منازل وشن حملة اعتقالات واسعة بعد يوم واحد على حملة أمنية واسعة وناجحة شنتها السلطة في المخيم، في محاولة واضحة لتخريب الخطة الأمنية، عبر الإيحاء بأن السلطة متعاونة مع الاحتلال وتنفذ شروطه ومطالبه وإملاءاته. لقد تكرر عدد لا يحصى من المرات أن قوات الاحتلال تسارع لاعتقال بعض من تحاول السلطة اعتقالهم لأسباب تتعلق بالجرائم المختلفة لتوحي بأنهم من المقاومين الذين تستهدفهم إسرائيل. هذا مع العلم أن الأيدي الإسرائيلية واضحة في أن العديد من المسببين والحريصين على استمرار حالة الفوضى والفلتان الأمني تحركهم سلطات الاحتلال.

أبو أنس يرد بأنه كان منذ سنوات يدافع عن ضرورة قيام الشرطة بمسؤولياتها حتى لو استمرت قوات الاحتلال باقتحام المدن، وأن أفراد الشرطة ليسوا مسؤولين عن مقاومة الاحتلال وإنما عن فرض النظام العام. ويبرهن على رأيه بأن اتفاقية جنيف الرابعة ومجمل القانون الدولي ينص على ضرورة استمرار الخدمات المدنية بما فيها الشرطة تحت الاحتلال.

ويتساءل: مَن الأفضل، شرطة تلاحق المجرمين والمخالفين للنظام العام حتى لو كانت تحت الاحتلال، أم فوضى داخلية كاملة تحت الاحتلال؟

إن ما يجب الالتفات له هو أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية لا تقتصر على الشرطة وإنما هناك على سبيل المثال لا الحصر، الأمن الوطني الذي من المفترض أن يقوم بمهمات الجيش الذي تناط به مهمة الدفاع عن الشعب والوطن، ولا يمكن السماح باستمرار حالة تتجول فيها دوريات الاحتلال في أراضي السلطة وتعتقل من تشاء وتقتل من تشاء وتدمر البيوت والشوارع والسيارات والممتلكات الخاصة والعامة بينما أفراد الأمن الوطني يتجولون بسلاحهم أو يسارعون للاختباء، فإما حل الأمن الوطني وإما أن يقوم بواجبه بحماية المواطن والوطن.

إن الاحتلال مسؤول عن الفوضى الأمنية الداخلية، ويحرص على استمرارها، ويجب أن يعرف العالم كله هذه الحقيقة، بما في ذلك الإسرائيليون أنفسهم. استمرار حالة الفوضى يمكن إسرائيل من تقديم الأعذار للتهرب من التزاماتها السياسية والأمنية. ويمكنها من ترداد مقولة عدم وجود شريك فلسطيني تارة، أو مقولة ضعف الشريك الفلسطيني وحاجته إلى فترة تأهيل واختبار تارة أخرى.

أبو أنس يعتقد أن الاقتحامات الإسرائيلية محاولة لتعطيل الخطة الأمنية كما أنها محاولة لتضليل الإسرائيليين بالإيحاء لهم أن الأمن في أراضي السلطة سيبقى في يد جيش الاحتلال، رغم الخطة الأمنية التي بدأت السلطة بتنفيذها. ولكن هذا التقدير ينطوي على حسن نية وكأن جيش الاحتلال قرر الانسحاب من المدن ويريد أن يمرر الأمر على دفعات. الحقيقة المرّة تفيد بأن هناك اتجاهين داخل المؤسسة السياسية والأمنية والعسكرية الإسرائيلية: الاتجاه الأول يريد أن يقوي ولو نسبياً السلطة ويعقد اتفاقاً معها بحيث تتحول إلى كيان فلسطيني (يمكن أن يأخذ اسم دولة) كي يعفي إسرائيل من مسؤولياتها عن الفلسطينيين كدولة احتلال، ويجنّبها خطر انفجار القنبلة الديمغرافية، وهذا الاتجاه يريد أن يدعم ما يسمى المعتدلين الفلسطينيين في مواجهة المتطرفين!!

أما الاتجاه الثاني وهو الأقوى، فهو يعتبر أن من مصلحة إسرائيل استمرار وتعميق الانقسام في صفوف الفلسطينيين، على أساس "فخّار يكسّر بعضه"، وأن هذا الانقسام يمكّن إسرائيل من استكمال مشاريعها الاستيطانية والعنصرية في خلق حقائق على الأرض تجعل أكثر وأكثر الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد الممكن والمطروح عملياً.

وبعض أنصار هذا الاتجاه يعتبر أن المعتدلين الفلسطينيين أخطر على إسرائيل من المتطرفين لأنهم قادرون على الحصول على تأييد أميركي ودولي، بينما المتطرفون يجعلون إسرائيل قادرة على شن الحرب ضد الفلسطينيين بدعم دولي أو دون إدانة دولية واسعة.

الخلاصة: إن السلطة يجب أن تفعل كل ما تستطيعه لتوفير الأمن الداخلي، ولكن عليها أن تدرك أن الاحتلال والعدوان والاستيطان والجدار والإغلاق والحواجز والاعتقالات هي العوامل الكبرى التي تهدد الأمن الفلسطيني الداخلي والخارجي. وأنه دون وضع الخطط الأمنية في سياق خطة وطنية كبرى واقعية وقابلة للتنفيذ تهدف إلى إنهاء الاحتلال سرعان ما تجد نفسها قد تحولت إلى "إدارة مدنية" تحت الاحتلال، أو وكيلة أعمال تهدف إلى تحسين شروط الاحتلال. فلا يمكن تأجيل استحقاق مقاومة الاحتلال ما دامت لا توجد عملية سلام جادة قادرة على إنهاء الاحتلال. صحيح أن السؤال هو أي مقاومة نحتاج؟ أي مقاومة نريد؟ وأن المقاومة المثمرة القادرة على إحراز مكاسب على طريق إنهاء الاحتلال هي التي يجب أن تعتمد، ولكن دون مقاومة ولا خطة وطنية متكاملة تصبح الخطط الأمنية معلّقة في الهواء ويمكن أن تسقط سقوطاً مدوّياً على الأرض وتكسر عنقها!

 

 

مشاركة: