الرئيسية » هاني المصري »   05 كانون الأول 2007

| | |
شهر كانون الثاني حاسم
هاني المصري

شهر كانون الثاني من العام 2008، حافلٌ بالأحداث والتطورات، التي يمكن أن تكون حاسمة في الشأن الفلسطيني، ومن شأنها أن تؤثّر بشدّة، وقد تعيد خلط الأوراق على صعيد العلاقات الفلسطينية - الفلسطينية والفلسطينية - الاسرائيلية.


ففي مستهل هذا الشهر، سيقوم الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بأول زيارة الى منطقة الشرق الأوسط، وهي في ظاهرها تبدو كانعكاس وترجمة للتعهد الشخصي الذي قطعه بوش على نفسه بالاهتمام المباشر بإنجاح المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية، وفي باطنها يختفي: أولاً محاولة من البيت الأبيض لتجميل وجه السياسة الأميركية، الذي بات أقبح من أية فترة سابقة، بعد الحروب الوقائية واحتلال أفغانستان والعراق واعتماد سياسة "الفوضى الخلاّقة" التي تهدّد بإغراق المنطقة ببحور من الحروب والفوضى الهدّامة، التي نعرف متى وكيف تبدأ، ولا نعرف أين ومتى تنتهي..

وثانياً؛ زيارة بوش تعتبر عملية انقاذ لمنع سقوط حكومة أولمرت تحت تداعيات صدور تقرير فينوغراد النهائي، المتوقع أن يصدر في المنتصف الثاني لهذا الشهر الجاري، وسيحمل، حتماً، في طيّاته، إدانة واضحة للحكومة الإسرائيلية، على تقصيرها وهزيمتها في حرب لبنان الأخيرة.

وفي هذا الشهر، أيضاً، هناك إمكانية متزايدة لإتمام صفقة تبادل الأسرى، التي ستشمل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت مقابل مئات الأسرى الفلسطينيين، الذين يمكن أن يكون من ضمنهم عدد من القادة الأسرى، على رأسهم مروان البرغوثي، المنافس الأكبر على منصب الرئاسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، والنوّاب المعتقلون، والذين سيعني إطلاق سراحهم تغيّراً حاسماً في النظام السياسي الفلسطيني، وسيترك بصماته على الأزمة التي تعصف بالقضية الفلسطينية، بعد الانقسام الجغرافي والسياسي الذي حدث بعد الانقلاب على الشرعية في شهر حزيران من العام الماضي.

فإذا تمّت صفقة تبادل الأسرى، التي يحرص أولمرت على إتمامها في نفس توقيت صدور تقرير فينوغراد، وشملت النواب المعتقلين، والذين في غالبيتهم العظمى ينتمون الى كتلة التغيير والإصلاح، ويدينون بالولاء لحركة "حماس"، فهذا يعني أنّ بمقدور "حماس" أن تدعو لعقد جلسة قانونية للمجلس التشريعي تحظى بنصاب فائض، عجزت عن توفيره كافة الجلسات التي عقدها المجلس منذ سقوط حكومة الوحدة الوطنية وحتى الآن.

وإذا عقد المجلس التشريعي جلسة قانونية، سيتمكن نوّاب "حماس"، بالأغلبية التي يملكونها، إذا لم يحدث وفاق وطني قبل الجلسة، من سحب الثقة من حكومة سلام فياض، ومطالبة الرئيس بتكليف الكتلة الأكبر بتشكيل حكومة جديدة، وإبطال مفعول كافة المراسيم التي أصدرها الرئيس وفقاً للمادة 43 من القانون الأساسي، التي تتيح للرئيس إصدار مراسيم لها قوة القوانين في فترة غياب المجلس التشريعي. وعند انعقاد المجلس، يستطيع أن يصادق على هذه المراسيم، أو يلغيها.

في سياق هذه التطورات المحتملة وغير المؤكدة، نستطيع أن نفهم التغيّر في موقف الرئيس الفلسطيني، المتمثّل بدعوته الى فتح صفحة جديدة في العلاقات الداخلية، والى دراسة خيار الانتخابات المبكرة.. فالرئيس أبو مازن يريد أن يضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهو يريد أن يلوّح لإسرائيل وللولايات المتحدة الأميركية بأنه سيلجأ الى المصالحة الوطنية، ما دامت إسرائيل لم تلتزم بما تم الاتفاق عليه في أنابوليس، حيث تمضي في الاستيطان، خصوصاً في القدس، حتى بعد لقاء القمة الأخير بين أبو مازن وأولمرت، وتواصل العدوان العسكري والمجازر والحصار، خصوصاً ضد قطاع غزة، والاعتقالات واستكمال بناء جدار الفصل العنصري وتعميق الاحتلال في الأغوار، وتصعيد العمليات في الضفة، خصوصاً في نابلس، وسط إعلان وزير الحرب باراك بأن العمليات العسكرية الاسرائيلية لن تتوقف أو تُخفَّف عشيّة زيارة بوش، وأن الحواجز ستبقى، لأنها أثبتت جدواها.. وأبو مازن يريد، أيضاً، أن يستبق احتمال خروج النوّاب الأسرى، وما يمكن أن يؤدّي إليه ذلك، من إسقاط حكومته وإلغاء مراسيمه.. وإذا لم تتجاوب "حماس" مع دعوته لفتح صفحة جديدة، فهو واللجنة التنفيذية سيدعون المجلس المركزي للانعقاد في أواخر هذا الشهر لاتخاذ موقف قد يصل الى حلّ المجلس التشريعي والدعوة الى الانتخابات المبكرة، وقطع الطريق على انعقاد المجلس التشريعي، الذي تسيطر عليه "حماس".

تأسيساً على ما تقدّم، نحن أمام أيام وأسابيع ساخنة جداً، وقد تكون حاسمة، وقد يتقرر على أساسها مصير النظام السياسي الفلسطيني، وهل سيتجه نحو الوحدة أم تعميق الانقسام الى حدّ القطيعة الى إشعار آخر.

لا شك في أنّ "حماس" في مأزق شديد تحت وطأة الحصار السياسي والمقاطعة الاقتصادية، ولكنها تراهن، أولاً: على الوقت والصفقة الشاملة التي يمكن أن تعقدها مع حكومة أولمرت، والتي لا تقتصر على تبادل الأسرى، بل قد تشمل الهدنة وفك الحصار وفتح المعابر والاعتراف الواقعي الاسرائيلي بسلطة "حماس".

ثانياً: تراهن "حماس" على أن المسار السياسي الذي سارت به السلطة بعد أنابوليس، مسار مغلق وسيضعف السلطة ورئيسها، لأن الاحتلال يريد أن يجمع ما بين الاستيطان والعدوان والجدار والحصار والمفاوضات.. وهذا لن يحقّق أيّ تقدّم.

والسلطة تراهن على الدعم المالي والاقتصادي من الدول المانحة، وعلى سقوط سلطة الأمر الواقع في غزة تحت ضربات الحصار والعزلة، وفي ظل تعاظم المعارضة السياسية والشعبية لها.. وما لا تحسب حسابه السلطة، أن الحصار والعدوان، رغم كل آثاره، يجعل "حماس" تبدو كضحية، وهذا يساعدها على الصمود.. أما إسرائيل فتراهن على استمرار الانقسام الفلسطيني وتعميقه، لأنه يعفي الاحتلال من مسؤولياته والتزاماته، ومن التقدم في المفاوضات.. فالذريعة جاهزة، وهي عدم قيام السلطة باجتثاث "الإرهاب" في الضفة وغزة.. ولهذا السبب، صعّد الجيش الاسرائيلي حربه، بفرض الأمن على أجندة زيارة بوش، ويجعله يضغط، كالعادة، على أبو مازن والفلسطينيين، بدلاً من أن يضغط على أولمرت والاسرائيليين.. وحجة بوش جاهزة؛ ساعدوا أولمرت بعلاّته، قبل أن يأتي نتنياهو!!

 

مشاركة: