الرئيسية » هاني المصري »   31 تشرين الأول 2010

| | |
شبكة الشباب الفلسطيني: نموذج يحتذى
هاني المصري

عندما تلقيت الدعوة لالقاء محاضرة حول المفاوضات وعملية السلام في مدرسة صيفية تنظمها شبكة الشباب الفلسطيني، وتعقد هذه السنة في اسبانيا، لم أتردد لأن تلبية الدعوة فرصة للتعرف على الشبكة وعلى عشرات الشباب الفلسطينيين القادمين من مختلف أنحاء العالم، وفرصة لرؤية اسبانيا للمرة الثانية، وهي بلد جميل ومن أكثر البلدان استقطابا للسياح في العالم كله.

شبكة الشباب الفلسطيني تضم مئات الشباب على امتداد العالم كله، ومهمتها ربطهم معاً وبالقضية الفلسطينية من خلال حوار دائم ولقاءات منتظمة، والبحث في كيفية تطوير دور الشباب الفلسطيني ومهاراته ومعارفه.

تعقد الشبكة مدرسة صيفية سنوية، تعقد هذا العام لمدة اسبوعين في اسبانيا في قرية صغيرة قرب مدينة سان سابستيان في إقليم الباسك الذي يبعد أكثر من خمس ساعات بالقطار عن مدريد، ولقد تم اختيار مكان اللقاء بسبب استضافة القرية الاسبانية للشباب في إحدى مدارسها .

إن سكان الباسك متعاطفون جدا مع القضية الفلسطينية (في الحقيقة غالبية الشعب الاسباني متعاطف مع الفلسطينيين).
يشارك في المدرسة الصيفية هذا العام 30 شابا وشابة معظمهن من الشابات، وهم إما طلاب في أواخر المراحل الدراسية أوطلاب دراسات عليا (ماجستير ودكتوراه) أوأنهم على رأس عملهم، ومعظمهم يحملون جنسيات أجنبية ويقيمون في مختلف أنحاء العالم.
إن المشاركين في المدرسة، وهذا هوالأمر اللافت للنظر، أنهم ساهموا بدفع كل أو جزء من تكاليف السفر والمشاركة في المدرسة، وجزء منهم ساهم كذلك في الحصول على تغطية التكاليف التي لم تسدد كاملة حتى الآن.
شباب ناجحون ومتميزون في حياتهم وعملهم ودراستهم، تركوا متع الحياة كلها (خصوصاً الصيفية) رغم أن قسماً كبيراً منهم لم ير فلسطين طوال حياته وتركوا كل شيء وقرروا التعلم والحوار والتدريب لساعات طويلة في كل يوم لمدة اسبوعين كاملين، حتى يصبحوا أكثر قرباً من فلسطين ومن بعضهم البعض، وأكثر قدرة على خدمة قضيتهم الوطنية .
وصلت إلى الفندق المتواضع جداً في العاشرة مساء، بعد رحلة طويلة منهكة، وأثناء وصولي كان الطلاب قد كانوا أنهوا للتو عشاءهم وبدأوا حواراً ساخناً مع بعضهم وبحضور أساتذتهم حول المقاومة.
جلست أستمع إليهم، ولم أنبس ببنت شفة، حتى أعرف كيف يفكرون، وهل هم مهتمون فعلا ويعرفون حول ماذا يتحدثون ؟
بعد ساعة واحدة فقط شعرت لأول مرة أن الزيارة تستحق العناء، لأنني استمعت إلى أشخاص لا تحركهم العواطف والحماسة نحو قضيتهم فقط، وإنما يملكون الوعي والمعلومات والإرادة للعمل والتضحية من أجل نصرة قضية شعبهم .
طبعا كان أثناء الحوار إجماع على ضرورة وأهمية المقاومة، فلحوار كان يدور حول أشكال المقاومة وكيفية المزج بينها، ومتى يمكن الانتقال من شكل إلى آخر، وانتهى الحوار إلى أنه بدون مقاومة لا يمكن دحر الاحتلال ولا تحقيق الحرية والعودة والاستقلال.
إن برنامج المدرسة الصيفية حافل بالكثير من المواضيع المتعلقة بالقضية الفلسطينية وتاريخها والرواية الفلسطينية للنكبة، ونشأة وأهداف الحركة الصهيونية ودورها العالمي، والخيارات والبدائل الفلسطينية وكيفية تشكيل إجماع وطني فلسطيني جديد، والشرق الأوسط القديم والجديد، والوضع العربي والنظام العالمي الجديد، وكيفية تطوير دور شبكة الشباب الفلسطيني، إضافة إلى التعرف إلى المناهج العلمية بالمعرفة والبحث وتنفيذ تدريبات وحوارات متنوعة من شأنها تنمية المهارات والقدرات لعناصر فلسطينية شبابية قيادية واعدة.
إن ما شاهدته خلال الأيام التي قضيتها معهم ومع أساتذتهم، وما حصلت عليه من معلومات وخبرات وآراء جعلني أشعر بالفخر والثقة والاعتزاز بأنني فلسطيني.
فهؤلاء الشباب يثبتون مجدداً أن الشعب الفلسطيني بعد مسيرة كفاحه الطويلة والمديدة، ورغم الانتصارات والهزائم والدمار والموت يستحق الحياة، ومصمم على الاستمرار بحمل قضيته حتى تنتصر، مهما بلغت التضحيات وطال الزمن .
إن ما يحدث حالياً من نشاطات ومبادرات محلية داخل الوطن وخارجه، من مؤتمرات العودة إلى معسكرات الشباب إلى اجتماعات نشاطات الجاليات الفلسطينية، إلى إحياء الهوية الوطنية من خلال الثقافة والأدب والفن والرياضة والإنتاج في كل المجالات، إلى بعث الحياة في الكفاح من أجل الحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان، إلى الحملات الفلسطينية والدولية لمقاطعة إسرائيل اقتصادياً وثقافياً وسياسياً وملاحقتها على جرائمها في المحاكم الوطنية والدولية، إلى حملات المقاطعة للتطبيع وللبضائع الإسرائيلية التي لديها بديل، ومقاطعة الاستيطان عملا وتعاملا وتجارة، والمقاومة الشعبية للاحتلال بكل تفريعاته، كلها إرهاصات تشبه ما شهدناه من إرهاصات بعد النكبة عام 1948، وأدت فيما بعد إلى انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، ويبدو أنها مؤشرات على أننا نقترب ونمر بمرحلة أشبه بعشية انطلاق ثورة فلسطينية جديدة.
ثورة نريدها أكثر تطوراً من سابقتها، بحيث تبني على مكاسبها وإنجازاتها وتكمل ما بدأته ثورات ونضالات الشعب الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني منذ غزوته الأولى وحتى الآن.
إن الثورة القادمة نأمل أن تكون قادرة على تحقيق ما لم تحققه الثورات والنضالات السابقة، التي تبقى عظيمة رغم كل شيء.
فألف تحية لشبكة الشباب الفلسطيني.
وفي هذه المناسبة أوجه دعوة صادقة لكل محب لفلسطين من رجال الأعمال والمؤسسات الوطنية أو التي يملكها أو يشارك فيها فلسطينيون أو أحرار في الخارج أن يتم دعم هذه الشبكة بكل أشكال الدعم حتى تواصل طريقها وتحقق أهدافه

مشاركة: