الرئيسية » هاني المصري »   05 تشرين الأول 2010

| | |
سيناريوهات ما بعد تعليق الـمفاوضات
هاني المصري

بعد إعلان القيادة الفلسطينية قرارَها وقفَ الـمفاوضات (الذي هو عملياً حتى الآن تعليق) وربط استئنافها بتجميد الاستيطان؛ فإن هناك عدة سيناريوهات محتملة هي:
السيناريو الأول ــ أن توافق حكومة إسرائيل ــ بتركيبتها الحالية أو بعد إجراء تغييرات عليها بخروج حزب (إسرائيل بيتنا) بزعامة ليبرمان ودخول حزب (كاديما) بزعامة ليفني ــ على تجميد جزئي للاستيطان لمدة شهرين مقابل ورقة ضمانات اميركية معروضة على إسرائيل، وهي تمثل عرضاً سخياً جداً ونادراً، دفعت أوساط متزايدة من حزب (الليكود) إلى الـمطالبة بقبوله، لدرجة أن وزيراً إسرائيلياً صرّح بأن ليبرمان في طريقه إلى الخروج من الحكومة، ودفعت عضو كونجرس أميركياً إلى القول إن من طرح هذا العرض غير سوي العقل، فإذا كانت الإدارة الأميركية ستقدم كل ذلك لإسرائيل مقابل تجميد جزئي ومؤقت للاستيطان، فماذا ستقدم لها مقابل معاهدة السلام؟!.

 

إن الفلسطينيين يجب أن يدعوا الله لكي لا يتحقق هذا السيناريو، لأنه يجعل ثمن استئناف الـمفاوضات غالياً جداً، ويحكم على مصيرها النهائي منذ البداية، ومن الأفضل أن نختار الـمفاوضات دون تجميد على أن نذهب إليها وفقاً لهذه الشروط.

السيناريو الثاني ــ أن تستمر الـمفاوضات بشكل غير مباشر،أو يتم وقفها ، فكما صرح الـمبعوث جورج ميتشل فإن الطرفين بلغّاه أنهما يريدان استمرار جهوده، ويريدان الـمفاوضات الـمباشرة وهو يعمل على إيجاد الشروط الـملائمة لانطلاقها.

إن مثل هذا السيناريو محتمل، أيضاً؛ لأنه جرب منذ نهاية العام 2008 وحتى استئناف الـمفاوضات غير الـمباشرة ثم الـمباشرة.

خطورة هذا السيناريو تكمن في أن القيادة الفلسطينية تكتفي فيه بوقف أو تعليق الـمفاوضات بينما يستمر الالتزام بالاتفاقيات والتنسيق الأمني وبناء الـمؤسسات تحت الاحتلال والسلام الاقتصادي، كما يستمر الانقسام الفلسطيني وتطبيق الـمخططات الإسرائيلية والتوسعية والعنصرية التي تجعل أكثر وأكثر الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد الـممكن والـمطروح عملياً، ما يضع الفلسطينيين في نهاية الأمر أمام قبول الأمر الواقع أو فليضربوا رؤوسهم بالحائط.

السيناريو الثالث ــ أن تبدأ القيادة الفلسطينية والقوى والفعاليات الـمختلفة بالتفكير جدياً ببدائل أخرى عن الـمفاوضات الثنائية الـمباشرة، مثل إعادة طرح ملف القضية الفلسطينية دولياً، والسعي إلى صدور قرار دولي من مجلس الأمن يتضمن إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية على حدود 1967 وحل مشكلة اللاجئين على أساس قرار 149 وإذا فشل في مجلس الأمن، طرح الـملف في الجمعية العامة على أساس بند الاتحاد من أجل السلام الذي يمكن من صدور قرارات نافذة من الجمعية العامة ويتطلب هذا السيناريو إعداداً جدياً ومناسباً والنظر إليه كطريق إستراتيجي وليس سلوكه مرة واحدة لرفع العتب والقول مثلـما يقول الـمصلي غير الـمتماسك إيمانه عندما يرى الجامع مقفلاً: بركة يا جامع. وهذا السيناريو حتى ينجح يجب أن يكون جزءاً من إستراتيجية متكاملة تتضمن تعزيز الصمود على الأرض للـمواطن الفلسطيني وإطلاق مقاومة شعبية مشروعة بجميع أشكالها، والاتجاه إلى معاظمة حركة التضامن الدولي، وملاحقة إسرائيل على احتلالها وجرائمها عبر إعادة الاعتبار للفتوى القانونية لـمحكمة (لاهاي) وتقرير (غولدستون) وكل التقارير الكفيلة بمحاصرة إسرائيل وصولاً إلى فرض الأحكام الجزائية على قادتها والـمقاطعة والعزلة والعقوبات عليها.

ويقتضي هذا السيناريو إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني والشراكة السياسية الحقيقية على أساس نظام ديمقراطي تعددي، وبما يضمن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وإعادة تشكيل منظمة التحرير بحيث تضم الجميع، ووضع السلطة في مكانها الطبيعي لخدمة البرنامج الوطني، وكأداة من أدوات الـمنظمة.

السيناريو الرابع ــ أن يتقدم الرئيس أبو مازن باستقالته دون إعداد البديل وفي ظل تعذر إجراء الانتخابات، ما يفتح الباب لانتشار دعوات انفعالية تتحدث عن حل السلطة أو خيار الدولة الواحدة، أو تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، دون الانطلاق من الواقع وموازين القوى ومعطيات الواقع العربي والدولي. وأي إستراتيجية حتى تنجح يجب أن تجمع بين ممارسة الواقع والتعامل معه والحلـم بحيث تنطلق مما نحن فيه من أجل تحقيق ما نسعى من أجله.

إن سيناريو الفوضى وعودة الفلتان الأمني سيؤدي إلى تعميق الانقسام وحدوث انقسامات جديدة، وإلى انهيار السلطة (وليس حلها) ونشوء سلطات محلية تجد كل منها على حدة الدعم والإسناد والتغذية من الاحتلال ما يفتح الطريق أمام تنفيذ السيناريوهات الأكثر تفضيلاً لإسرائيل، مثل إحياء خيار "أرض إسرائيل الكاملة" وما يعنيه من تهجير جماعي للفلسطينيين، وذلك لتحقيق هدف إسرائيل كدولة يهودية، ومثل إحياء الخيار الأردني والوصاية الـمصرية بشكل يضمن سيطرة إسرائيل على الأرض أو معظمها على الأقل، وترك مصير السكان لـمصر والأردن ما يفتح الباب لصراعات عربية ــ عربية جديدة.

إن الصورة قاتمة ولكن يوجد سيناريو كما عرضنا في السيناريو الثالث يقدم بديلاً مقنعاً قادراً على الحياة والانتصار، فهل نجرؤ على الانتصار؟

 

مشاركة: