الرئيسية » هاني المصري »   11 تموز 2010

| | |
سقوط الرهان على أوباما
هاني المصري

إن القمة الرابعة التي جمعت ما بين باراك أوباما وبنيامين نتنياهو وما رافقها من تغطية إعلامية وحفاوة وحرارة في الاستقبال شملت منح رئيس الحكومة الإسرائيلية بيت الضيافة الرسمي (بليرهاوس) لمدة ثلاثة أيام خلافا للعادة التي اقتصرت على إعطاء بيت الضيافة لأي ضيف على يوم واحد، وما انتهت إليه القمة من فتح صفحة جديدة بين رجلين بعد مرحلة الجفاء وشد الحبل، لدرجة أن الرئيس الأمريكي وصف القمة " بالممتازة" داعيا الحكومة الإسرائيلية الى اتخاذ إجراءات بناء الثقة في الضفة "وإحراز المزيد من التقدم" في قطاع غزه من خلال الحصار. و طالب أوباما في المؤتمر الصحافي المشترك بالانتقال للمفاوضات المباشرة قبل وقت كبير من انتهاء فترة تجميد الاستيطان بدون أن يشير الى إطار الحل النهائي الذي سيحكم هذه المفاوضات كما أكد بأن نتنياهو مستعد للمجازفة من أجل السلام ولخوض مفاوضات جدية مع الفلسطينيين
وأكد أوباما أن إدارته ستستمر في فرض العقوبات على إيران لمنعها من حيازة السلاح النووي وستصل في هذه الأمر إلى الحد الأقصى
لم يتطرق الرئيس الأمريكي على الإطلاق علنا إلى أيه مسائل خلافية، مثل تجميد الاستيطان وتحديد الإطار النهائي الذي طالبت الإدارة الأمريكية بتحقيقه لتوفير شروط مناسبة لانطلاق المفاوضات المباشرة ولضمان نجاحها بأسرع وقت ممكن
على العكس من ذلك فأوباما يريد انتقال المفاوضات غير المباشرة الى المفاوضات المباشرة قبل وقت كبير من انتهاء فترة تجميد الاستيطان و بدون ربط بين الأمرين ،أي ربط الانتقال للمفاوضات المباشرة بتمديد الوقف الجزئي المؤقت للاستيطان الذي لا يشمل القدس ولا الوحدات الاستيطانية قيد البناء ، ولا المرافق العامة . فالربط أصبح أقصى ما يمكن تحقيقه فقد يتحقق أو لا يتحقق
أن ما سبق يضع المفاوض الفلسطيني في وضع صعب وتحت ضغوط ، للانتقال للمفاوضات المباشرة التي ستستأنف قريبا مثلما صرح نتنياهو وغيره من المسئولين الإسرائيليين ،بدون أن يضمن تمديد التجميد الجزئي والمؤقت للاستيطان ،بل مقابل توسيع صلاحيات السلطة في الضفة على طريق عودة الأمور الى ما كانت عليه قبل 2892000 ،والسماح لها بإقامة مشاريع في المنطقة المصنفة (ج) ،خصوصا في منطقة البحر الميت .هذا للعلم بأن هذه النقاط وغيرها من النقاط تعتبر التزامات إسرائيلية على إسرائيل تطبيقها في المرحلة الأولى من خارطة الطريق المقرة منذ عام 2003 حتى الآن بدون أن تلتزم بها إسرائيل
لقد تراجعت إدارة أوباما عن وعودها ،وقللت من طموحاتها وتوقعاتها ،وهذا سمح بعودة الحرارة بين اوباما نتنياهو ،وبين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية
إن ما سبق يشير إلى تخلي إدارة أوباما عن سياستها المعلنة و تكتفي بما وافق عليه نتنياهو وهو تبني مشروط لحل الدولتين يجعل قيام دولة فلسطينية حقيقية أمرا مستحيلا ،وتجميد جزئي ومؤقت للاستيطان الذي سينتهي في 26 أيلول القادم بدون ضمانات بتمديده والتعهد السري بعدم اتخاذ خطوات استفزازية في القدس الشرقية المحتلة خصوصا في المناطق الآهلة بالسكان
وحتى تكتمل الصورة يجب إن نقول أن تركيز اوباما على الانتقال للمفاوضات المباشرة قبل وقت كبير من انتهاء فترة تجميد الاستيطان يرجع إلى خشيته من عدم تحديد هذا التجميد الجزئي والمؤقت بعد إعلان نتنياهو بأنه لا يستطيع أن ينكث بوعوده للمستوطنين باستئناف الاستيطان بعد 269 ،وبعد قرار مركز الليكود بالإجماع بعدم تحديد فترة التجميد .أن المتوقع هو إيجاد تخريجه مثل تخريجه الاتفاق على عدم اتخاذ خطوات استفزازية في المناطق الآهلة بالقدس
لقد فوجئ الجانب الفلسطيني بإعلان ناطق باسم البيت الأبيض بعد جولة ميتشل الأخيرة ،عشية زيارة نتنياهو عن حدوث تقدم بالمفاوضات غير المباشرة طالبا بتقديم تفسيرات وتوضيحات ،مطلوب منه أن ينتقل للمفاوضات المباشرة بدون وقف الاستيطان وقفا تاما وبدون التزام إسرائيل بمرجعية واضحة وملزمة لعملية السلام بما يضمن إنهاء الاحتلال والاستعداد لإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس على حدود 1967 ،وبدون الاتفاق على استئناف المفاوضات القادمة من النقطة التي انتهت إليها المفاوضات السابقة، وإذا وافق على ذلك يقوم بانتحار سياسي ومن اجل البحث في كيفية الخروج من المآزق طلبت القيادة الفلسطينية بعقد اجتماع عاجل للجنة المتابعة العربية، التي أعطت الموافقة والغطاء على الدخول بمفاوضات تقريبية لمدة أربعة اشهر كفرصة أخيرة للإدارة الأمريكية
إن جواب لجنة المتابعة العربية في ظل الضعف وفقدان الإدارة العربية ،هو الموافقة على الانتقال للمفاوضات المباشرة مطالبة بضمانات كتخريجه ،والتبرير هو سحب الذريعة من أيدي حكومة نتنياهو التي ترفض البحث في قضايا الوضع النهائي قبل الدخول في مفاوضات مباشرة ،فالعرب سيسيرون وفقا للمثل :لاحق الكذاب لباب الدار
ليست القضية الان شكل المفاوضات ولا مستواها وإنما مرجعيتها وهل هناك اتفاق على شكل الحل النهائي ،أو يترك كل شيء للتفاوض ،بحيث تصبح المفاوضات هي سيدة نفسها .وهي المرجعية الوحيدة للمفاوضات ،وهذا ما يناسب إسرائيل تماما لأنه
أولا :يمكنها من الاستفراد مرة أخرى بالفلسطينيين بدون تدخل جدي من أي طرف ثالث ،حتى لو كان هذا الطرف هو الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الاستراتيجي الموثوق لإسرائيل
ثانياً : تعطي المفاوضات المباشرة لإسرائيل الوقت اللازم لاستكمال تطبيق مخططاتها التوسعية والاستيطانية والعنصرية والعدوانية التي تستهدف إيجاد أمر واقع يجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد الممكن ،كما تعطي المفاوضات على ما تقوم به إسرائيل من خلق حقائق احتلالية
ثالثاً : أن العودة للمفاوضات المباشرة تمنع نشوء فراغ يمكن أن تستغله بعض الأطراف بحيث تبقى عملية السلام هي الخيار الوحيد واللعبة الوحيدة في المدينة
لقد سقط الرهان على إدارة باراك اوباما ،لان من يراهق على غيرة يخسر دائما ،ولان اوباما خضع للمصالح الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة وللضغوط العربية المؤيدة لإسرائيل ومن اجل الحصول على أصوات اليهود في انتخابات الكونجرس النصفية في شهر تشرين ثاني القادم ومن يراهن على خيار واحد يكون عمليا ليس لديه أي خيار
حتى تغير الإدارة الأمريكية سياساتها المنحازة كليا لإسرائيل يجب أن تتعرض المصالح الأمريكية في المنطقة للخطر ،وهذا لن يكون بدون إتباع العرب لإستراتيجية جديدة تكف عن الاستجداء وتقديم الطلبات والتمنيات وتجمع أوراق القوة والضغط العربية وتوظفها في الصراع بحيث تشعر الولايات المتحدة الأمريكية أنها تخسر من دعمها المطلق لإسرائيل أكثر مما تربح .عندها ستتغير السياسة الأمريكية حتما
لقد بدأت مكانة إسرائيل في المنطقة والعالم كله تتراجع والدليل على ذلك يظهر في مجيء القوات الأمريكية للمنطقة لحماية إسرائيل التي أنشأت أصلا لحماية المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة ، كما يظهر صعود إيران وتركيا الذي يجعل إسرائيل ليست اللاعب الوحيد ولا حتى الرئيسي في المنطقة فهل يدرك العرب ذلك ،ويتصرفوا على أساسه؟ 
هل يظهر مشروع عربي لاستنهاض العرب وجعلهم يقرروا مصير منطقتهم ،إن لم يكن لوحدهم ،فليكن بالمشاركة مع اللاعبين الآخرين ؟ هذا سؤال ينتظر الإجابة منذ عقود من الزمن ولكن دون جواب ! فهل تأتي الإجابة الان ؟

مشاركة: