الرئيسية » هاني المصري »   13 كانون الثاني 2008

| | |
زيارة بوش: ربح صافٍ أم خسارة كاملة؟
هاني المصري

اختتم الرئيس الاميركي جورج بوش زيارته التاريخية لاسرائيل وفلسطين، وتضاربت التقييمات الفلسطينية لها، بين من اعتبرها "ربحاً صافياً" وبين من اعتبرها "خسارة كاملة". الحقيقة قد تكون بين هذا وذاك. فهذه الزيارة ليست ربحاً صافياً ولا خسارة كاملة. كيف ذلك؟


الربح الفلسطيني من هذه الزيارة صغير ومعنوي أكثر منه عملياً، ويظهر في قيام رئيس اقوى دولة في العالم، بزيارة الى الاراضي الفلسطينية المحتلة، والالتقاء برئيسها، وهذا يشكل اعترافاً بالكيان الفلسطيني وبوجود شريك فلسطيني بعد ان تبنت الادارة الاميركية في السنوات الماضية المقولة الاسرائيلية بعدم وجود شريك فلسطيني. ويظهر هذا الربح في ان الرئيس الاميركي جدد خلال الزيارة رؤيته حين أكد ضرورة انهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967 وقيام دولة فلسطينية، قابلة للحياة ومتواصلة جغرافياً، واعرب عن قلقه من التوسع الاستيطاني، وطالب بازالة البؤر الاستيطانية العشوائية، وتعهد ببذل الجهود للتوصل الى معاهدة سلام فلسطينية-اسرائيلية قبل نهاية فترة رئاسته الثانية.

اما الخسارة الفلسطينية من هذه الزيارة فهي كبيرة، وتظهر في ان المواقف التي عبر عنها بوش ازاء القضايا الاساسية، تناسب تماما اسرائيل، وغير مناسبة بالمرة للفلسطينيين.

فبوش الذي أكد على رؤيته التي تتضمن قيام دولة فلسطينية أكد بقوة أكبر وبوضوح شديد على الوعد الذي منحه لشارون في حزيران عام 2004، والذي عرف بورقة الضمانات الاميركية لاسرائيل، والتي اقرت فيها ادارة البيت الابيض باللاءات الاسرائيلية المشهورة: لا للانسحاب من القدس، ولا عودة لحدود 1967، ولا عودة للاجئين.

الامر الخطير للغاية ان بوش اثناء زيارته، عمق الالتزام الاميركي بهذا الوعد وبدعم اسرائيل وإلغاء ما تبقى من تباينات بين السياستين الأميركية والاسرائيلية، وذلك من خلال مطالبته في بيانه الختامي باجراء تعديلات متفق عليها من الجانبين لخطوط هدنة 1949 لتعكس الوقائع الحالية (لتسمح لاسرائيل بضم الكتل الاستيطانية الكبرى)، وتأكيده على الدعم المطلق لامن ويهودية اسرائيل والمطالبة بتشكيل آلية تعويض اللاجئين، واعتبر ان القدس قضية معقدة وبحاجة الى حلول خلاقة وتنازلات متبادلة، اي ان القدس الشرقية ليست ارضاً محتلة، ينطبق عليها ما يطالب به بوش بانهاء الاحتلال.

ان الاخطر من كل ما تقدم، واظهرته وقائع ونتائج زيارة بوش، ان السياق الذي يتم فيه احياء عملية السلام واستئناف المفاوضات، يختلف عن السياق الذي سارت فيه منذ مؤتمر مدريد وحتى فشل مؤتمر كامب ديفيد عام .2000 فالسياق الحالي للمفاوضات يبلور لها مرجعية جديدة، هي خارطة الطريق وما يتفق عليه ثنائيا بين الفلسطينيين والاسرائيليين بعيدا عن القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. وهذا التخلي عن المرجعية القديمة لعملية السلام ظهر واضحاً للعيان، بقول بوش ان قرارات الأمم المتحدة لم تفعل شيئاً، وانه يجب بلورة رؤية جديدة للسلام توضح طبيعة الدولة الفلسطينية. كما يظهر هذا التخلي من خلال اعطاء الأولوية للامن الاسرائيلي من خلال التركيز على مكافحة الارهاب والتطرف، وكأن الصراع هو صراع بين الخير والشر، صراع بين التطرف والاعتدال، وليس صراع شعب واقع تحت الاحتلال ضد الاحتلال. لذلك لاحظنا كيف ربط بوش ما بين تقدم المفاوضات وتنفيذ الاتفاق الذي يمكن التوصل اليه خلال عام، واجتثاث "الارهاب" وتطبيق خارطة الطريق.

وعندما تناول الرئيس الاميركي الوضع في غزة، كان منحازاً كلياً، فاثناء مؤتمره الصحافي مع اولمرت طالب ابو مازن بوقف اطلاق الصواريخ من غزة على اسرائيل، وهو يعرف ان حماس هي المسيطرة هناك. واثناء مؤتمره الصحافي مع ابو مازن، أقر بأن الوضع في غزة صعب، وأنه يمكن ان لا يحل خلال عام. ودعا الى وضع الفلسطينيين امام نموذجين للاختبار بينهما: نموذج الاعتدال وسلطة ابو مازن في الضفة، ونموذج التطرف وسلطة حماس في غزة، ملمحاً الى واجب ابو مازن بانهاء مشكلة غزة. كيف لا ندري؟

لا نجد ما نصف به هذا الموقف الأميركي الوقح سوى بتذكر ما يقوله المثل الشعبي: "صحيح لا تأكل، ومقسوم لا تأكل، وكل حتى تشبع". فبوش يقول لأبو مازن لا تحاور حماس، ولا تعقد مصالحة وطنية معها، وهذا يعني استمرار الانقسام وتعميقه. ويقول له أيضاً لا تقدم في المفاوضات وان ما تتوصل له المفاوضات لن يطبق اذا لم يتم اجتثاث "الإرهاب" الفلسطيني حتى في قطاع غزة. فالمسائل كلها رزمة واحدة كما قال اولمرت أمام بوش في المؤتمر الصحافي المشترك. وبوش اخذ بسياسة اولمرت حول الربط ما بين المفاوضات واتفاق السلام ومكافحة "الإرهاب".

ان الربح الصغير من زيارة بوش يأخذ حجمه الحقيقي عندما رأينا الخسارة الكبيرة من هذه الزيارة. ومن لا يصدق ذلك، عليه ان يلاحظ ان بوش رفض ممارسة الضغط على الطرفين، وهذا يعني عملياً عدم الضغط على اسرائيل لأن الفلسطينيين واقعون تحت كل أنواع الضغوط، الأمر الذي يجعل يد اسرائيل حرة تماماً، فهو اي بوش لم يطالب ولم يضغط بوقف الاستيطان وقفاً تاماً، ولم يصر على ازالة البؤر الاستيطانية، وحديثه حول هذا الأمر يبقى كلاماً شكلياً ما دام لم يجد آذاناً صاغية من الحكومة الاسرائيلية. بل لقد أعلن اولمرت أمام بوش عن التفريق ما بين الاستيطان في كل أنحاء الضفة، وبين الاستيطان في القدس، ولم ينبس الرئيس الأميركي ببنت شفة تعليقاً على ذلك.

لم تكلف حكومة أولمرت نفسها بتقديم خطوات او لفتات تساعد على انجاح زيارة بوش مثل اطلاق سراح دفعة من الأسرى او ازالة حواجز او فتح المؤسسات المغلقة في القدس، والانسحاب من نابلس كما روجت أوساط فلسطينية، او تخفيف الحصار على غزة، الذي لم يتحدث بوش اطلاقاً عن انهاء حصارها الخانق، او تجميد العمليات العسكرية في الضفة وغزة، بل واصلت اسرائيل اجراءاتها كالمعتاد، وكأن شيئاً لم يكن، بما في ذلك غض النظر عن اعلان عدد من المستوطنين عزمهم بناء 60 وحدة سكنية في قلب القدس الشرقية المحتلة، ليكون هذا الاعلان سابع اعلان عن مشروع استيطاني منذ اجتماع انابوليس وحتى زيارة بوش.

ان اسرائيل، هي التي ربحت ربحاً صافياً من زيارة بوش، فهو لم يطالبها بشيء لا تقوم به، كما صرح اولمرت، وهو أعرب عن دعمه لاستمرار حكومة اولمرت لدرجة الطلب المباشر بدعمه من الشخصيات الاسرائيلية التي حضرت العشاء مع بوش، مساء الخميس الماضي. كما استطاعت اسرائيل ان تفرض على بوش ان يضع الخطر الايراني على صدارة أجندة الزيارة، وهو الموضوع الذي سيتصدر اهتمام بوش في بقية محطات زيارته الى الدول العربية. ولقد استهل بوش المرحلة الثانية من زيارته بدعوة الدول العربية لمد اليد لاسرائيل، وهي خطوة كان يجب ان تحصل منذ مدة طويلة. وأخيرا بوش لم يأت الى المنطقة بدءاً بفلسطين خدمة مجانية، انما لأنه بات يعتقد بأن التقدم على طريق السلام ينزع من يد ايران ومعسكر الممانعة حجة رئيسية ويسهل ضربها او احتواءها او محاصرتها.

بعد كل ما تقدم، هل تكون زيارة بوش ربحا صافياً للفلسطينيين ام تأكيدا لوعد بوش لاسرائيل، ولدعمه مسيرة مفاوضات على اساس الشروط والأهداف والمصالح الاسرائيلية؟ فهل نتعظ ونستيقظ من الأوهام قبل فوات الأوان؟

ياسر عرفات الغائب الحاضر

لا يحتاج ياسر عرفات باني الهوية الوطنية الفلسطينيية وقائد الثورة المعاصرة اكليلاً من الزهور، فهو حاضر رغم غيابه بآرائه ومواقفه وحلمه الذي لم يمت.

ياسر عرفات حاضر اكثر مما يعتقد بوش الذي اصر على عدم زيارة الضريح، وتجاهل رمز الشعب والنضال الفلسطيني وتاريخه، متجاوزاً كل الأصول والأعراف والبروتوكولات. العتب على من رتب الزيارة ولم يعط الاهتمام المناسب لزيارة ضريح ياسر عرفات. فهذا اجراء تفترضه اصول اللياقة والاحترام من الضيف للشعب المضيف!!.

تنويه

مرة أخرى تمنع السلطة التظاهر للتعبير عن الرأي. مرة أخرى ترتكب السلطة خطأ يرتقي الى حد الخطيئة. مرة أخرى يتم قمع المتظاهرين والشخصيات القيادية والعامة والنواب والمتضامنين الأجانب والصحافيين.

مرة أخرى يتم منع الشعب الفلسطيني او جزء منه من ممارسة حقه بمعارضة زيارة بوش، سواء بسبب الانحياز الاميركي المطلق لاسرائيل، او لأن يدي بوش ملطختان بالدماء العراقية، او لأن سيرته حافلة بالعداء للعرب والمسلمين، او لدعوته لتطبيق رؤيته بإقامة دولة فلسطينية، أو لكل هذه الأسباب وغيرها.

القمع بدأ قبل ان يكتمل الجمع، وفي مكان بعيد عن المقاطعة، وخارج المنطقة الأمنية، ورغم ان المسيرة سلمية وقانونية.

في المرة الماضية عند انعقاد انابوليس، قالت الحكومة ان المنع والقمع جاءا لوجود مندسين، وهذه المرة المشاركون معروفون فرداً فرداً، وهم بقضهم وقضيضهم يدينون بالولاء لـ (م.ت.ف) ويقفون في صف السلطة.

حذرنا في السابق بأن التعددية والديمقراطية في خطر، ونحذر حالياً بصوت أعلى، ونطالب بالوقوف أمام القرار بمنع التعبير عن الرأي، ومحاسبة المسؤول عن تنفيذ القرار بكل هذا القمع. ونتساءل: هل هذا هو الطريق لتقديم نموذج في الضفة مختلف عما يحدث في غزة!!.

مشاركة: