الرئيسية » هاني المصري »   05 كانون الأول 2006

| | |
رسالة إلى الرئيس "أبو مازن"
هاني المصري

أقدر تماماً أنك الآن تحت وطأة ضغوط شديدة، داخلية وخارجية. فلحظة الحقيقة، لحظة اتخاذ القرارات الحاسمة قد اتت. وأعرف أن صعوبة الموقف تكمن في عدم وجود خيار سهل، فكل الخيارات الممكنة صعبة وتنطوي على مخاطر تهدد المواطن والوطن بأشد العواقب. كان الله في عونك. اسمح لي أن أجازف بتوجيه هذه الرسالة التي تحمل توصيات أرى أن من شأنها أن تساعد على اتخاذ القرارات المطلوبة، وأنا أقدمها من موقع التقدير والاعتزاز بك، وبدورك الذي رغم كل ما يقال عنه وفيك، فيكفيك أنك حرصت على التصرف كرئيس للشعب، وليس لفصيل بعينه، عبر الإصرار على السير في التجربة الديمقراطية رغم دعوات التريث والحذر، وحتى الامتناع عن خوض الانتخابات التشريعية بأعذار واهية، يتحمل المسؤولية عنها أصحاب هذه الأعذار أنفسهم فمن الذي أصر على عدم تغيير القانون الانتخابي ليصبح على أساس نظام واحد، نظام التمثيل النسبي؟ ومن الذي رفض تعديل القانون الأساسي بحيث يسمح للرئيس بالدعوة الى انتخابات مبكرة؟. وواصلت يا سيادة الرئيس المسيرة الديمقراطية، وحققت لأول مرة مبدأ تداول السلطة بشكل سلمي في بلد عالم ثالثي، وذلك عبر الانتقال السلس للسلطة إثر فوز حركة "حماس" بالأغلبية في المجلس التشريعي. ورغم إصرار حماس على تشكيل حكومة منفردة على أساس برنامجها الذي لا يوفر إمكانية للوحدة الداخلية، وللحضور الفاعل على كافة المستويات الفلسطينية والعربية والدولية، دافعت عن خيار احترام إرادة الشعب، وذلك رغم الدعوات والنصائح الداخلية والخارجية التي طالبت ولا تزال تطالب بتشكيل حكومة طوارئ،

تمثل انقلاباً على الديمقراطية، وذلك رغم وجود حجة وجيهة تمثلت بأن الحكومة العاشرة، لم تقبل خطاب التكليف الرئاسي. أعتقد يا سيادة الرئيس أن الشعب في غالبيته يقدر لك حرصك حتى هذه اللحظة على رفض كل الدعوات الانقلابية الداعية لتشكيل حكومة طوارئ أو الى انتخابات مبكرة، رغم وصول المشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة كفاءات وطنية الى طريق مسدود. إن مثل هذه الدعوات، وبغض النظر عن عدم دستوريتها أو عدم وجود إجماع على دستوريتها، من شأنها تعميق الانقسام الداخلي، ودفع الساحة الفلسطينية الى الاقتتال المدمر، الذي لن يستفيد منه سوى الاحتلال وبعض المنتفعين دعاة استمرار الفوضى والفلتان الأمني والفساد. أعتقد أنك تتفق معي أن الأزمة الفلسطينية الراهنة، ليست دستورية أساساً، حتى يكون الحل دستورياً. فالأزمة أزمة وطنية شاملة، تنبع من تراجع إمكانية تحقيق البرنامج الوطني، برنامج الحرية والعودة والاستقلال، وتظهر من خلال تعدد الاستراتيجيات والسلطات والصلاحيات مصادر القرار. إن مفتاح حل الأزمة يكمن في وضع استراتيجية وطنية تعيد الاعتبار للبرنامج الوطني، من خلال العمل على صب كل الجهود والطاقات لدحر الاحتلال بأسرع وقت وأقل التضحيات. إن أسوأ ما حصل ويحصل ويمكن أن يدوم، هو أن الصراع على السلطة، وعلى الحصص في المنظمة طغى في أحيان عديدة على كل شيء، رغم أنها سلطة تحت الاحتلال. إذا نظرنا يا سيادة الرئيس إلى القانون الأساسي، فإنه يتيح لك خيارات عدة، عبر إشارته الى مسؤولية الحكومة أمام الرئيس، والى أن الرئيس هو صاحب المسؤولية، وهو من يوقع على القوانين التي يصدرها التشريعي لتصبح سارية المفعول. كما يتيح للرئيس إقالة الحكومة وتكليف شخصية يختارها لتشكيل حكومة جديدة. كما أن القانون الأساسي لا يمنع لجوء الرئيس الى الاستفتاء الشعبي، خصوصاً في ظل تفعيل أعمال المجلس التشريعي. لكن إذا نظرنا الى ما تتطلبه الحكمة والمسؤولية، نجد أن الضرورة الوطنية تحتم اللجوء إلى الخيارات التي يمكن أن تنقذ الوطن والمواطن. فالحكمة أولى بالاتباع من الحق. إن دراسة كل الخيارات والبدائل الممكنة تجعل خيار إعطاء الحكومة الحالية، فترة أخرى ليجرب الحكم ما دامت "حماس" مصرّة على عدم الموافقة على برنامج الحد الأدنى المشترك، وأن تبقى مهيمنة حتى على حكومة الوحدة الوطنية. فالحكومة العاشرة، رغم مرور أكثر من ثمانية أشهر على وجودها في الحكم لم تحكم. أولا بسبب الحصار السياسي والمالي والدولي والعدوان العسكري. وثانياً بسبب طبيعة النظام السياسي الفلسطيني الذي جعلنا بعد الانتخابات أمام سلطة برأسين وبرنامجين مختلفين ليحظى كل منهما بشرعية قانونية وشعبية وثالثابسبب فقدان الحكومة الفلسطينية برنامجاً واقعياً عقلانياً، مع العلم ان الواقعية هي الشرعية الأهم لأي حكومة من الشرعيات الأخرى. إن ما يعزز اللجوء الى الخيار السابق، ان فشل الحكومة لم يؤد الى ثورة شعبية عارمة ضدها، وذلك لأن قطاعات شعبية واسعة لا تحمل الحكومة المسؤولية عن الفشل. صحيح ان قطاعات واسعة احتجت واضربت وعارضت الحكومة وطالبت برحيلها، ولكن ليس هناك ما يحسم بأن هناك ما يشير الى أن الحكومة باتت تفتقد للدعم الشعبي. ولعل هذا بالضبط الذي يجعل اللجوء الى الاستفتاء، رغم أنه خيار دستوري، لا يحمل الحل. فالاستفتاء إن حدث ولم تتم معارضة تنفيذه، نتائجه غير محسومة، وقد يأتي بنتائج متعادلة أو متقاربة. تأسيساً على ما سبق، اقترح منح هذه الحكومة فرصة للحكم. ولتكن هذه الفرصة محددة بستة أشهر فإذا نجحت الحكومة بالحكم، واستطاعت فك الحصار أو تأمين الاحتياجات والخدمات والرواتب فمن حقها أن تكمل دورتها كاملة. وإذا فشلت وتفاقمت الأزمة التي نشهدها على كل المستويات والأصعدة فعندها ستظهر حتماً إرادة شعبية كاسحة تطالب بالتغيير، الأمر الذي يعطي الرئيس شرعية لحل الحكومة والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة إذا لم تتوفر شروط لاقامة حكومة متفق عليها. إن هذا الخيار، ليس مثالياً، ولكنه أهون الخيارات جميعاً، وهو خيار لا يؤدي الى القطيعة وزيادة حدة الاستقطاب والثنائية والتوتر. فالحكومة ستعمل وفقاً لصلاحياتها، والرئيس سيعمل وفقاً لصلاحياته، في نفس الوقت الذي يبقي الطريق مفتوحاً لتشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة كفاءات وطنية، عندما تتوافر المقومات لذلك. فما يوحد الفلسطينيين يبقى أكبر وأهم وأعظم مما يفرقهم. إن التجربة الماضية التي شهدت عدة حوارات ومحاولات لتشكيل حكومة وحدة وطنية برهنت على ضرورة أن يأخذ أي حوار قادم المسائل التالية بعين الاعتبار: أولاً: اعتماد برنامج وطني واقعي يستند إلى وثيقة الوفاق الوطني، ويكون برنامجاً لا يقبل شروط الرباعية كما هي بدون التزامات مقابلة من اسرئيل، ولا يرفضها رفضاً تاماً. ثانياً: الشروع في احياء وتفعيل م. ت. ف وضم حماس والقوى التي لا تزال خارجها، في الوقت نفسه الذي يتم فيه تشكيل حكومة وحدة وطنية، ولكن عملية تشكيل الحكومة وإصلاح المنظمة لا يجب أن تخضع للثنائية والمحاصصة، وانما نعتمد نهجاً إصلاحياً يركز على الكفاءة والانتاجية والنزاهة والمساواة وتكافؤ الفرص وخدمة مصالح الوطن. ثالثاً: عدم ربط ميلاد حكومة الوحدة الوطنية برفع الحصار الدولي ووقف العدوان العسكري الإسرائيلي واتمام صفقة تبادل الأسرى، والتهدئة، ذلك لأن تشكيل حكومة الوحدة سيوفر فرصة أفضل بكثير لتحقيق هذه المهمات. إن من المؤسف القول إن اشتراط تحقيق الحكومة بهذه الأهداف أدى وسيؤدي الى تعطيل تحقيقها، كما أدى ـ وهذا هو الأخطر ـ الى فتح الطريق لكل أنواع التدخلات الخارجية بالقرار الفلسطيني. رابعاً: على أي حكومة وحدة وطنية ان لاتنطلق من النصاب البرلماني، وانما من النصاب السياسي، مع أهمية أن تلحظ حجوم الفصائل والاطراف المختلفة، حتى تكون حكومة وحدة وطنية حقاً. ولا بد من مشاركة الفصائل والأحزاب والمجتمع المدني والقطاع الخاص والفعاليات الوطنية والمرأة، مشاركة حقيقية لا شكلية. خامساً: فصل الأجهزة الأمنية عن السياسة والفصائل بحيث يعاد تنظيم واصلاح وتوحيد الأجهزة الأمنية لكي تصبح للوطن وليس لهذا الفصيل أو ذاك. أرجو أن أكون قد وفقت، ولكنني واثق بأن هذه المقترحات ستجد من سيادتكم الاهتمام الذي تستحقه، أعانكم الله وسدد خطاكم

 

 

مشاركة: