الرئيسية » هاني المصري »   27 كانون الأول 2009

| | |
دون تعليق حول حكومة نتنياهو
هاني المصري

لم يمر شهران على تشكيل الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو حتى أظهرت وجه إسرائيل الحقيقي، الوجه البشع الاستعماري العنصري العدواني، كما لم يحدث من قبل، وقبل بلورة الخطوط السياسية للحكومة التي من المفترض أن يحملها "بيبي" الى الولايات المتحدة الأميركية، لعرضها على الرئيس الأميركي الشهر القادم.

يكفي أن نعرض أبرز المخططات والتصريحات والممارسات الإسرائيلية للدلالة على أن هذه الحكومة حكومة حرب بامتياز.

 

- إن حكومة نتنياهو تعطي الأولوية لمجابهة التهديد الإيراني، الذي تعتبره خطرا وجوديا. الحقيقة أن النظرة الإسرائيلية لإيران لا ترجع أساساً لخشيتها من حصول إيران على القنبلة النووية واحتمال توجيه ضربة لإسرائيل، كما تدعي، لأن إيران ستتعرض للإبادة إذا هاجمتها إسرائيل نوويا، وإنما من تحول إيران لدولة إقليمية عظمى ستنمو على حساب إسرائيل التي أنشئت وحصلت على الدعم الهائل الأميركي، لكي تكون الدولة العظمى في المنطقة لضمان السيطرة عليها وعلى مواردها وثرواتها وأسواقها، وعلى كل المستويات والأصعدة خصوصا العسكرية والأمنية.

- إن حكومة نتنياهو ستركز بعد ذلك، على تنمية علاقات إسرائيل مع مصر والأردن، وعلى بلورة حلف عربي ــ إسرائيلي ــ أميركي ــ دولي لمواجهة إيران يهمش القضية الفلسطينية ويحولها الى مسألة ثانوية، وبذلك يتم استبدال خطر الاحتلال والعدوان الإسرائيلي الجاثم على الأرض العربية، والمفترض مواجهته الآن وفورا، بخطر كامن ومحتمل، يجب العمل من أجل منعه من التحول الى خطر مباشر، من خلال صياغة علاقات إيرانية ــ عربية تراعي المصالح والتطلعات المشروعة لكل طرف.

- إن حكومة نتنياهو ترفض مبدأ الأرض مقابل السلام، والتفاوض على قضايا الوضع الدائم، ومبدأ حل الدولتين (على الأقل حاليا)، والانسحاب من الجولان. وعلى هذا الأساس تستعد للحرب على جبهة إيران "وامتداداتها" في لبنان وغزة، وتؤمن أكثر من أية حكومة إسرائيلية سابقة بأن ما لا تحققه القوة يحققه المزيد من القوة، لذلك تركز على تقوية الجيش وإجراء المناورات استعدادا للحروب القادمة.

- تركز حكومة نتنياهو في الملف الفلسطيني على ما تسميه السلام الاقتصادي للفلسطينيين مقابل الأمن لإسرائيل، فالقضية ليست مسألة احتلال واستيطان وتهجير وطمس هوية، وإنما "لقمة خبز" "ورواتب".

- ترفض حكومة نتنياهو أي تفاوض على قضية اللاجئين، ولذلك تصر على أن الاعتراف الفلسطيني بيهودية إسرائيل شرط لتقدم المفاوضات، لأن هذا الاعتراف يسقط حق العودة للاجئين الفلسطينيين، ويعطي إسرائيل الحق في البحث في كيفية التخلص من الفلسطينيين المقيمين داخل وطنهم الأصلي الذي بات يدعى إسرائيل، من خلال تطبيق مبدأ تبادل الأراضي والسكان الذي يدعو إليه حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة افيغدور ليبرمان وزير خارجية إسرائيل.

- تعتبر الحكومة الإسرائيلية أن الصراع بين فلسطين وإسرائيل، نزاع على الأرض وليس بين الاحتلال والشعب المشرد والمحتلة أرضه والمنتهكة حقوقه وحرياته الفردية والعامة. لذلك ترفض هذه الحكومة، كما صرح رئيسها مؤخرا، تجميد الاستيطان، لأن هذا التجميد إذا حدث، على حد زعمه، يجب أن يرافقه تجميد مماثل لبناء المساكن للفلسطينيين، كما ترفض حكومة نتنياهو الانسحاب من نصف الضفة الغربية على الأقل، حيث تريد أن تضم نسبة من الأرض لا تقل عن 20%، خاصة التي تشمل القدس وحدود جدار الفصل العنصري والكتل الاستيطانية، وأن تسيطر على منطقة الأغوار التي تشكل 30%، والحدود والأجواء والمياه الإقليمية وأحواض المياه والنقاط الاستراتيجية أمنيا وعسكريا.

- تريد حكومة نتنياهو أن تكف عن "السيطرة" على الفلسطينيين، ولن تمانع في نهاية الأمر بإقامة كيان يسمى دولة فلسطينية، وذلك بعد استكمال تطبيق المشاريع التوسعية والعنصرية والاستيطانية والعدوانية الإسرائيلية التي تضمن الضم والسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، والتخلي عن أقل مساحة ممكنة من الأرض الآهلة بالسكان، ولكن، شرط إقامة ترتيبات أمنية وغيرها تضمن، عدم تهديد الأمن الإسرائيلي لا الآن ولا مستقبلا.

لذلك لا تمانع في إقامة كيان فلسطيني، يكون بمثابة حكم ذاتي، خاضع للسيطرة الإسرائيلية دون سيادة، ويمكن أن يقوم بترتيبات أمنية ووظيفية إقليمية يشارك بها الأردن ومصر، ولا مانع أن يسمى في نهاية الأمر دولة شرط أن لا يملك من مقومات الدولة سوى الاسم.

في هذا السياق كتب عدد من مستشاري نتنياهو مقالات وتحدثوا في مؤتمرات وندوات عالمية، أشاروا فيها الى تفضيل إحياء الخيار الأردني، أو ارتباط أي كيان فلسطيني قادم بالأردن، وأن الدولة الفلسطينية حتى تقام بحاجة الى أجيال. وقد خاطب مستشار لنتنياهو بعض الأردنيين المشاركين في مؤتمر دولي، قائلا لهم: ألم يحتج الأردن حتى يستقل الى عشرات السنين، للتحول من إمارة شرق الأردن التي أقيمت عام 1921 الى أن أصبح المملكة الأردنية الهاشمية. والسلطة الفلسطينية بحاجة الى وقت مماثل للتحول الى دولة فلسطينية. فلا داعي للاستعجال، ولا داعي لإضاعة الوقت بالتفاوض الآن حول قضايا الوضع النهائي.

- يمكن أن تقوم حكومة نتنياهو ببعض خطوات بناء الثقة، ولتحسين الأحوال الاقتصادية، أو إزالة حاجز هنا أو هناك، أو بؤرة استيطانية غير قانونية في القانون الإسرائيلي هنا أو هناك، وزيادة التصاريح للتجار والشخصيات الهامة، وإطلاق دفعات من الأسرى الذين أنهوا معظم مدة محكوميتهم أو المعتقلين لأسباب ثانوية مثل دخول إسرائيل دون تصريح، ولكن كل خطوات حسن النية التي يمكن أن تقوم بها الحكومة الإسرائيلية، ستكون بمبادرة منها وليس نتيجة لتطبيق اتفاقات أو التزامات سابقة أو لاحقة، فهذه الحكومة ترفض اتفاق أوسلو ومسار انابوليس، وتوافق على خارطة الطريق الإسرائيلية، فلا تريد هذه الحكومة عقد اتفاقيات جديدة، كما أن أية خطوة إسرائيلية يجب أن تقابلها خطوة فلسطينية ضمن مبدأ "التبادلية" حتى تؤكد فيها ومن خلالها السلطة الفلسطينية التزامها بمحاربة المقاومة وتصفية بنيتها التحتية واعتقال المقاومين، واستمرار وتعميق التنسيق الأمني الفلسطيني الإسرائيلي.

- إذا كانت الحكومات الإسرائيلية السابقة، التي تدعي حرصها على تحقيق السلام، وتوافق على مبدأ الدولتين، ضاعفت الاستيطان وواصلت بناء الجدار وشنت الحروب ضد الضفة وغزة ولبنان، واستمرت بسياسة فرض الحقائق على الأرض، التي تجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن عمليا، فإن الحكومة الحالية، ستواصل هذه السياسة بمعدلات أكبر وبفعالية أكثر والدليل ما نلاحظه من أن هذه الحكومة فتحت شهية المستوطنين على زيادة الاستيلاء على الأرض وتوسيع الاستيطان وتكثيف الاعتداءات على المواطنين الفلسطينيين، والمضي في تهويد القدس وعزلها وهدم المنازل التي أصبحت تتم بالجملة بدلا عن المفرق، واستمرار الحفريات تحت قبة الصخرة والحرم الشريف والتي تهدد البلدة القديمة بكاملها بالانهيار، وعزل الأغوار وممارسة وتشديد الحصار الخانق ضد غزة، ورفض إطلاق سراح الأسرى والتهدئة وإعادة إعمار غزة، والالتزام ببرنامجها بإسقاط حكم "حماس" أو استبداله أو خنق "حماس" كما صرح وزير الخارجية الإسرائيلي في مقابلة أخيرة له.

بعد كل ما تقدم، هل يكفي ما تقوم به القيادة الفلسطينية، ومختلف القوى والفعاليات الفلسطينية، من مطالبة اسرائيل باستئناف المفاوضات العقيمة والموافقة على حل الدولتين، ومن تمنيات وتوسل وشجب وإدانة وتحذير، ومطالبة الإدارة الأميركية بالتحرك للضغط على إسرائيل.

أم أن المطلوب رد فلسطيني استراتيجي في مستوى المخاطر والتحديات المطروحة؟! هذا هو السؤال وعلى الإجابة عليه يجب أن ترتكز الجهود!!

 

مشاركة: