الرئيسية » هاني المصري »   19 حزيران 2010

| | |
دفاعاً عن فلسطين وإنصافاً للحقيقة والتاريخ
هاني المصري

في الوقت الذي يقف العالم كله تقريباً موقفاً واحداً، يدين اسرائيل على ارتكابها مجزرة أسطول الحرية، ويطالبها برفع الحصار عن قطاع غزة.

وفي الوقت الذي رأينا أصواتاً إسرائيلية، رسمية وغير رسمية، يسارية ويمينية، علمانية ومتدينة، تطالب برفع الحصار عن قطاع غزة لأنه أضر بإسرائيل ولم يحقق الأهداف المرجوة منه، ورأت أن استمراره سيلحق أضراراً استراتيجية بمكانة وشرعية اسرائيل، نرى أقلاماً وأصواتاً عربية تنكر وجود حصار على قطاع غزة، وتزايد على إسرائيل نفسها، عبر تحميل حركة حماس المسؤولية عن وقوع الحصار واستمراره.

وتذهب بعض الأقلام العربية "الكبيرة جداً" الى حد تحميل "حماس" المسؤولية الأولى عن الحصار، أوتحميلها المسؤولية جنباً الى جنب مع إسرائيل، أوتحميلها المسؤولية بعد إسرائيل .

منطق أنصار إسرائيل العرب غريب عجيب. فهم كتبوا أن "حماس" لو لم تأسر الجندي الأسرائيلي جلعاد شاليت، لما حاصرت إسرائيل غزة، وكانت سترفع الحصار لو وافقت "حماس" على صفقة تبادل الأسرى .

ولو قبلت "حماس" شروط اللجنة الرباعية لما حصل الحصار، ولما وقع الانقسام المدمر .

ولو لم تقصف "حماس" وغيرها من الفصائل إسرائيل بالصواريخ العبثية لما شنت اسرائيل حربها على قطاع غزة التي استشهد فيها من استشهد، وجرح من جرح، ولحق بغزة دمار كبير لا تزال آثاره باديةً حتى الآن في ظل الحصار الذي لم يمكن إعادة إعمار القطاع حتى الآن.

ويتابع هؤلاء، لو وافقت "حماس" على عودة الحرس الرئاسي الى معبر رفح لرفع الحصار، ولو وافقت على مبادرات وجهود المصالحة لانتهى الحصار. فانهاء الحصار عند هؤلاء بيد "حماس" لا بيد اسرائيل، فإسرائيل عندهم بريئة من جريمة الحصار براءة الذئب من دم يوسف.

واذا بحثنا عن رأي أصحاب الأقلام العربية، من أنصار اسرائيل الحاليين، في التاريخ الفلسطيني والعربي، سنجد أنهم واقرانهم برأوا أسرائيل وحملوا العرب، وتحديداً الزعيم الراحل جمال عبد الناصر والزعيم ياسر عرفات المسؤولية عن الكوارث والهزائم العربية. فلسان حالهم يقول : لو اعترف العرب بإسرائيل وقرار التقسيم لما وقعت هزيمة حزيران عام 1967 التي أضاعت بقية فلسطين والجولان وسيناء. ولو لم تندلع الثورة الفلسطينية في الفاتح من كانون الثاني من عام 1964، ولو لم يقاوم الشعب الفلسطيني وينتفض من الغزوة الصهيونية الأولى لفلسطين حتى الآن، لعاش العرب واسرائيل في سبات ونبات وخلفوا سلاماً وأمناً واستقرار ورخاء واقاموا علاقات طبيعية بين جيران.

أفضل وصف ينطبق على أصحاب مثل هذه الآراء المرضية المهزومة "اللي استحوا ماتوا". فالاستسلام أمام العدو لدى هؤلاء بات وجهة نظر.

فلا يكفي أين أوصلنا الجري وراء اوهام السلام بأي ثمن، الى الاتفاقيات المنفردة مع إسرائيل قبل ان تعيد الارض والحقوق.

ينسى هؤلاء أنه بدون صمود جزء مهم من الشعب الفلسطيني على أرضه، وبدون المقاومة المستمرة، التي أبقت القضية الفلسطينية حية، وبدون تمسك الشعب الفلسطيني بقضيته وتصميمه على الدفاع عن نفسه وأرضه وحقوقه لكانت إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات، قد قامت منذ زمن بعيد، بعد طرد وتهجير بقية الفلسطينيين، ولذهبت القضية الفلسطينية الى أدراج النسيان .

لولا المقاومة ورفض الوجود الاحتلالي الاسرائيلي الاستعماري الاجلائي التوسعي العنصري لأصبحت اسرائيل الدولة المركزية المهيمنة في منطقة الشرق الأوسط باسرها، وليس في المنطقة العربية فقط.

صحيح ان الصمود والمقاومة والتمسك بالقضية والحقوق لم ينجح في دحر الاحتلال الاسرائيلي وانجاز الحرية والعودة والاستقلال، الا انه استطاع ان يحافظ على القضية الفلسطينية حية، وان يفرض فلسطين على خارطة العالم، وان يوقف زحف المشروع الصهيوني. فاسرائيل الآن لم تعد اسطورة، ولا قصة نجاح باهر، ولم يعد جيشها قوة لا تقهر، بل أصبحت بعد تاريخ طويل من الصمود والمقاومة والتحدي، بلغ ذروته بالصمود الفلسطيني البناني في حرب 1982، وطرد اسرائيل من لبنان عام 2000، ثم هزيمتها في حرب عام 2006، وعدم تحقيق اهدافها في حرب غزة اواخر عام 2008، وأوائل 2009، أصبحت مترددة في شن حروب جديدة، رغم أنها كانت تخرج سابقاً الى الحرب لأسباب اقل بكثير من تلك القائمة الآن.

ان اسرائيل تعيش في مرحلة تراجع استراتيجي، وهذا لم يكن ممكنا لولا الصمود والمقاومة. ان احتلال وسقوط العراق، الذي مثل محاولة من الولايات المتحدة الاميركية لايقاف عجلة التاريخ عن الدوران، ومن اجل الحفاظ على النفط وحماية اسرائيل ودورها في المنطقة ومنع صعود ايران وغيرها من الدول الاقليمية، في ظل غياب المشروع العربي، وعلى حساب الدور الاسرائيلي، لم يؤد الى انقاذ اسرائيل بل تعيش اسرائيل الآن رغم تفوقها العسكري وتقدمها الاقتصادي في أسوأ مراحل حياتها .

صحيح ايضا ان العرب المقاومين، وقعوا في اخطاء وخطايا، قبل قيام اسرائيل وبعده، وقبل النهوض العربي وزعامة عبد الناصر وبعدها، وقبل انطلاقة الثورة الفلسطينية وبعدها، وقبل وبعد تأسيس "حماس"، الا ان هذه الأخطاء لا تجعلهم يتحملون المسؤولية. فاسرائيل هي الدولة المحتلة العدوانية العنصرية الاستيطانية، وهي التي تتحمل المسؤولية كاملة عن الحروب والدمار والموت الذي شهدته المنطقة منذ تأسيسها وحتى الآن. فالاحتلال هو جذر الصراع، وكل اشكال المقاومة ضده تعتبر ردة فعل طبيعية، حتى لو أخطأ من يجسدونها في توقيتها واشكالها.

ان هناك فرقاً حاسماً بين من يقاوم ومن يستسلم، حتى لو هزم المقاوم . فمن يهزم يستطيع ان ينهض من جديد ويقاوم من جديد حتى ينتصر شرط ان يستوعب العبر والدروس ولا يكرر نفس الأخطاء أو يرتكب اخطاء جديدة.

إن شروط اللجنة الرباعية ظالمة للشعب الفلسطيني كله، وليس لـ "حماس" وحدها، وهي شروط اسرائيلية وضعت لعزل "حماس" وليس من اجل التوصل الى تسوية، ويجب ان يقف الفلسطينيون جميعاً ضدها.

كما ان منع اتمام صفقة تبادل الأسرى هو اسرائيل، التي تراجعت عن موافقتها عليها، بعد ان رضخت للطلب الأميركي بعدم اتمامها، حتى لا يضر اتمامها بفرض استئناف المفاوضات.

ان مسؤولية "حماس" تنحصر في أنها ساهمت مساهمة بارزه في الوصول الى مرحلة الانقسام، وفي انها غلبت مصالحها الفئوية ولم تتجاوب مع الجهود والمبادرات الرامية لانهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية.

الا ان الامانة تقتضي القول ان "حماس" لا تتحمل المسؤولية وحدها عن وقوع الانقسام ولا عن استمراره، ولكن هذا لا يعفيها من المسؤولية ولا يقللها.

تبقى نقطة اخيرة هي القضية الحاسمة التي لا تجد اي اهتمام غالباً، أو تجد اهتماماً محدوداً احياناً وهي ما يلي:-

ان جوهر القضية لم يكن سابقاً ولا هو الآن يتعلق برفع الحصار عن قطاع غزة فقط حتى يكون اطلاق سراح شاليت أو السماح للحرس الرئاسي بالمرابطة على معبر رفح او الموافقة على الاستسلام لشروط اسرائيل الثلاثية كافياً لحلها.

ولكن المسألة الجوهرية هي الاحتلال، والحصار فرع من اصل هو الاحتلال. وهناك فروع اخرى مثل : الاستيطان والعدوان والاسرى والاعتقالات اليومية، وتقطيع الأوصال في الضفة الغربية، واستكمال تهويد واسرلة القدس، وبناء جدار الضم والتوسع، ومصادرة الاراضي واحواض المياه والمساس بالمقدسات .

في هذا السياق كان ولا يزال ممكناً، توظيف موجة الغضب العربي الدولي العارمة على اسرائيل بعد مجزرة اسطول الحرية لاطلاق حركة دولية ضاغطة بصورة جدية لاطلاق مسار سياسي قادر على انهاء الاحتلال وكل ما يترتب عليه .

فالمسألة لم تكن ولن تكون إزالة الحصار لوحده، لأن هذا ممكن ولكن مقابل استمرار الاحتلال والانقسام، ومقابل التغطية على ما تقوم به اسرائيل من فرض حقائق احتلالية على الارض تجعل الحل الاسرائيلي أكثر وأكثر هو الحل الوحيد الممكن عملياً.

واذا كانت المسألة هي انهاء الحصار، فهذا سيقود اذا تحقق بدون مصالحة ولا حل وطني للصراع الى ان يصبح قطاع عزة مفصولاً تماماً عن الضفة الغربية، بدون حصار أو بحصار مخفف، ما سيعني أنه سيصبح عاجلاً أوآجلاً في حضن مصر، ما يقضي على الأمال المتبقية بانجاز المشروع الوطني الفلسطيني.

كما سيقود التركيز على إنهاء الحصار فقط بدون انهاء الاحتلال والانقسام الفلسطيني، الى استمرار تمتع اسرائيل بنعم الحياة الطبيعية رغم الاحتلال .

فالواقع المأساوي في غزة لا يجب أن يحول القضية الفلسطينية الى قضية انسانية وليست سياسية. ولا ان يحرف الانظار عما يجري في الضفة، حيث المعركة الأساسية تجري هناك. فاسرائيل في زمن شارون تراجعت خطوة الى الوراء في غزة، عبر خطة فك الارتباط، من اجل التقدم عشر خطوات الى الأمام في الضفة .

ففي الضفة، هناك أمن داخلي وبحبوحة اقتصادية، ولكن ثمنهما غال جداً، وهو ان الاحتلال اصبح احتلالاً هادئاً ومريحاً ومربحاً أكثر، في ظل اتفاقيات فلسطينية -اسرائيلية مجحفة جداً بحق الفلسطينيين، تفرض عليهم التنسيق الامني مع الاحتلال وتنفيذ التزاماتهم فيها، بينما لا تنفذ اسرائيل الا ما يحلو لها فقط من التزاماتها، حيث تقوم بالاعتداءات والاقتحامات والاعتقالات اليومية وهدم المنازل وطرد السكان الى خارج فلسطين أو الى غزة المنفى الجديد.

إن ما يجري في الضفة ليس نموذجاً يحتذى به حتى ندعو غزة للاقتداء به.

فما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة في ظل استمرار الانقسام وتراجع البرنامج الوطني، وغياب مسار سياسي جاد، او مقاومة جادة، صور الصراع وكأنه نزاع على الأرض والحدود، أومجرد قضية اغاثة انسانية أو نزاع بين الفلسطينيين انفسهم، وليس قضية تحرر وطني، قضية أرض تحت الاحتلال، بحيث لا يمكن ان ينعم شعبها بالراحة والأمن والاستقرار والرضا الا بعد دحر الاحتلال وتمكينه من ممارسة حقه بتقرير المصير، والذي يشمل حقه بالعودة الى وطنه، وفي اقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة عاصمتها القدس.

 

مشاركة: