الرئيسية » هاني المصري »   27 أيار 2006

| | |
حول قنبلة "أبو مازن" السياسية
هاني المصري

 القنبلة السياسية التي القاها الرئيس ابو مازن في مستهل الحوار الوطني أظهرت "أبو مازن" جديداً فالخطاب العفوي والشفوي والمباشر والصريح الذي القاه ابو مازن جاء عقلانياً، ومن القلب للقلب، وحمل الهموم والاحلام الفلسطينية. بدا ابو مازن في هذا الخطاب رئيساً أكثر من أي مرة سابقة، وبدد الادعاءات الاسرائيلية التي رددها اولمرت قبل وأثناء زيارته الأخيرة لواشنطن، والتي تفيد بأن الرئيس الفلسطيني ضعيف وعاجز، ولا يمثل شعبه وليس صاحب قرار.

ابو مازن الجديد، رئيس لجميع الفلسطينيين، وليس لفتح وحدها، ومستعد للمجازفة من أجل فلسطين. كم ذكّرني ابو مازن في هذا الخطاب بـ"ابو عمار"، صاحب الشخصية القيادية الطاغية، والمجازف الدائم، واحياناً اكثر من اللزوم، من اجل ان يبقى القرار الفلسطيني في يديه مهما تكالبت الظروف والاطراف عليه.

 

"أبو مازن" الآن وضع الجميع امام الاتفاق بالحوار بسرعة او الانصياع لنتائج الاستفتاء، فهو يدرك اكثر من غيره ان البديل عن الاتفاق بالحوار وبعد الاستفتاء هو الحرب الأهلية، هذه الحرب التي اذا اندلعت لن تبقي ولا تذر.

قبل عدة اسابيع، كتبت مقالا تحت عنوان "ابو مازن" بينت فيه كيف اصبح ابو مازن بعد الانتخابات التشريعية، دون ان يسعى الى ذلك، قوياً واقوى من اي فترة سابقة، فـ"فتح" التفّت حوله حتى تقوي مركزها من خلاله في السلطة، وحماس تحتاجه حتى يساعدها على كسر او تخفيف العزلة الدولية وتسويق حكومتها عربيا ودوليا ويساعدها على استكمال نقل السلطة اليها. والعالم كله سيدعمه أكثر، لانه سيكون الهدف الشريف فلسطينيا، ولكن ابو مازن لم يستخدم القوة التي اصبحت في يديه، ولم يتخذ القرارات المطلوبة. فالرئيس ليس مجرد صاحب وجهة نظر، بل حاكم عليه ان يحكم.

لم اتيقن من صحة ما كتبته في ذلك المقال، الا بعد ان استمعت الى خطاب ابو مازن امام الجلسة الاولى للحوار الوطني. فامضِ يا "أبو مازن" في هذا الطريق، فالشعب الفلسطيني كله، او في غالبيته سيسير معك. وهذا طريق سيفتح امامنا امكانية تحقيق الوحدة ليكون بعدها طريقا للانتصار.

هذا الخطاب، الذي القاه الرئيس بروح وطنية وحدوية واقعية، لا يمكن التعامل معه كما جاء في رد بعض مسؤولي حماس، وكأنه محاولة لمصادرة نتائج الحوار قبل ان يبدأ أو محاولة للالتفاف على الارادة الشعبية والخيار الديمقراطي، فاللجوء الى الشعب في حالة عدم الاتفاق، احتكام للشعب وانصياع لخياره الديمقراطي.

الخطاب محاولة مسؤولة لرفع التعامل السياسي الفلسطيني الى مستوى التحديات التي تواجه القضية، فالوطن في خطر، ومضى في سباق مع الزمن، فإما تبقى القضية حية، ونواصل السير تحت رايتها حتى تجسيدها بتطبيق الحرية والعودة والاستقلال، وإما طي صفحتها، لتعود قضية انسانية جوهرها تقديم المساعدات والخدمات والرواتب والعيش في احسن الاحوال، في محمية اسرائيلية اسمها دولة فلسطينية، بينما هي عبارة عن معازل مفصولة عن بعضها البعض، وعن القدس ومقامة على نصف الأراضي المحتلة العام 7691. عندما يضع الرئيس-الزعيم ابو مازن المتحاورين امام احتمالين لا ثالث لهما هما: الاتفاق على برنامج مشترك خلال عشرة ايام، او التوجه نحو استفتاء خلال اربعين يوماً، فهو يدرك ان الفلسطينيين ليس لديهم وقت ليضيعوه في حوار من اجل الحوار، فخطة اولمرت شرع بالاعداد لها منذ فترة طويلة، وذلك بتشكيل لجنة على ستة اشهر لوضع خطوطها العامة، وسيتم الشروع بتنفيذها-حسب معلومات موثوقة، خلال عدة اشهر وليس بعد ستة الى تسعة اشهر كما اعلن اولمرت اثناء وجوده في واشنطن. ولعل هذه المعلومات بالتحديد هي التي دفعت ابو مازن لاتخاذ قراره: إما الاتفاق السريع او الاستفتاء، وعندما اخبرت احد الصحافيين بهذه المعلومات افادني بما يؤكدها، حيث قال ان مصادر اسرائيلية أخبرته ان جيش الاحتلال اخبر العديد من التجمعات الاستيطانية (المخطط ان يتم اخلاؤها في خطة اولمرت) بضرورة الاستعداد للاخلاء خلال مدة شهرين الى ثلاثة.

اذاً ليس لدينا وقت لنضيعه في حوار يستغرق مدة لا يعلم سقفها الا الله، وفي ظل حالة ازدواج السلطة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، والمترافقة مع تفاقم حالة الفوضى والفلتان الأمني، بعد صب الوقود عليها بتشكيل قوة امنية جديدة تقف في مواجهة الاجهزة الامنية، رغم انها سميت قوة مساندة.

نحن بحاجة الى تطهير واصلاح وتفعيل الاجهزة الامنية القائمة، وتوحيدها وتغيير الكثير من قياداتها، وتحويلها من اجهزة امنية خاضعة للولاء لفتح، الى اجهزة تدين بالولاء للشعب وللسلطة التنفيذية (رئاسة وحكومة) حسبما هو محدد في القانون الاساسي. ولسنا بحاجة الى ايجاد جهاز جديد تابع لحماس، وعلى جميع المسلحين ان يوافقوا على دمجهم في الاجهزة القائمة على أساس الكفاءة والمهنية ووفقاً للقانون، وعلى اساس واضح يجب ان ينطبق على افراد الاجهزة الامنية الحاليين وعلى الجدد، هو تكريم الانتماء الحزبي والفصائلي لافراد الاجهزة الامنية.

لقد آن الاوان لانهاء حالة الدمج ما بين فتح والسلطة، بين الفصائل والسلطة، فالسلطة شيء ولها دور محدد، والفصائل شيء آخر ولها دور مختلف.

واذا عدت الى خطاب الرئيس، أسمح لنفسي بمخاطبة حماس بصراحة قائلا: ان عليها ان لا تخشى الاستفتاء لأنه اولاً سيقوم في حالة عدم الاتفاق، وسيكون على وثيقة الوفاق الوطني التي وقع عليها ممثل حماس، والاستفتاء احتكام للشعب الذي هو فوق الجميع ومصدر السلطات.

لو قال ابو مازن انه سيجري الاستفتاء على خطابه في جلسة تنصيب المجلس التشريعي، لكان من حق حماس وغير حماس ان ترفضه، لأن هذا الموقف يكون محاولة لفرض برنامجه الماضي، من حقها حينها ان تقول انه مصادرة لنتائج الحوار قبل ان يبدأ، والتفاف على الإرادة الشعبية والخيار الديمقراطي. الاستفتاء سيقوم على وثيقة متوازنة لا تمثل وجهة نظر ابو مازن وفتح، ومن يدقق في الوثيقة يتأكد من صحة ما أقول، ولا تمثل الوثيقة وجهة نظر حماس وغيرها من الفصائل كذلك، وانما تجسد القواسم المشتركة، والحد الادنى الذي يمكن ان يلتف حوله الجميع، يكفي ان الوثيقة يمكنها ان تحقق الوحدة وتجمع كل الخيارات بما فيها المفاوضات والمقاومة. وأكبر دليل على ما تقدم هو ان غالبية القوى والفصائل والاحزاب والفعاليات والكثير من المواطنين اشادوا بالوثيقة، وطالبوا باعتبارها الأساس لبرنامج الوفاق الوطني، ورداً على من سأل: لماذا هذه الوثيقة دون الوثائق الاخرى، اقول: لانها الوثيقة الوحيدة التي وقّع عليها ممثلون عن فتح وحماس والجبهتين والجهاد ولأنها وثيقة وافق عليها الاسرى ابطال الحرية، كما انها متوازنة وشاملة.

حماس تخشى من ان اقرار هذه الوثيقة سيجبرها على تغيير عدد من مواقفها بسرعة أكثر من السرعة التي تحتملها اوضاعها الداخلية. وهذا قد يقود الى انشقاق حماس. كما ان حماس تخشى من ان اقرار هذه الوثيقة سيفتح الطريق نحو تشكيل حكومة جديدة تكون حكومة وحدة وطنية وانقاذ وطني، او حكومة خبراء وتكنوقراط، وهذا يمكن ان يفسر على انه فشل لحماس ولحكومتها الاولى. وبعض أعضاء حماس يعتقد ان فتح ولت الى غير رجعة، وهذه الوثيقة، وما يمكن ان تقود اليه من حكومة وحدة وطنية ستمثل خشبة الخلاص لفتح، والسلّم الذي يعيدها الى السلطة، ويتصور هذا البعض ان حماس انتصرت وفي صعود، ولن يوقف هذه العملية أي شيء، وهذا خطأ بالغ، لأن حجم الحصار الذي فرض على الفلسطينيين جميعاً والذي تفاقم اكثر بعد فوز حماس أكبر من قدرتها على تحمله وحدها.

على حماس ان تدرك ان القضية والشعب والارض والحقوق، أكبر وأعظم وابقى وأهم من كل الفصائل والاحزاب والقيادات، وان النضال الفلسطيني بدأ قبل فتح وحماس وسيتواصل بعدهما، وان الحصار فرض قبل 25/1/2006، وان التبرعات يتم تقديمها للفلسطينين منذ عشرات السنين، وعلى حماس ان تدرك ان التنازل من اجل الوحدة والمصلحة الوطنية وبرنامج الحد الادنى والقواسم المشتركة يحسب لها لا عليها. ومن شأنه ان يقويها أكثر من السير نحو الحرب الاهلية، وسيسجل التاريخ، بأحرف من نار ونور كلمات تفيد بأن حماس انتصرت على نفسها من اجل القضية.

وعلى حماس ان تعرف ايضاً، ان البعض في فتح لا يريد هذه الوثيقة لاسباب متعددة بتعدد اصحابها. فمنهم من يرى ان الاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني لن يولد حكومة فلسطينية قادرة على العمل، فهي لن تحظى بقبول دولي خصوصاً اميركياً. ومنهم من يرى ان اعتماد هذه الوثيقة يمثل تقوية وانتصاراً لفريق من فتح على آخر. كما ان الوثيقة تعطي طوق نجاة لحكومة حماس ولحماس يمكنها من تجنب الغرق المؤكد المقبلة عليه جراء الحصار والعزلة الدولية والعدوان الاسرائيلي.

فلماذا نذهب الى حكومة وحدة وطنية، بينما الانتظار قليلا، يمكن فتح من قطف ثمار سقوط حماس والعودة الى الحكم منفردة؟ ويخطئ اصحاب هذا الرأي أن سقوط الحكومة الحالية قد يحمل معه سقوط النظام الفلسطيني بأسره وليس عودة فتح الى السلطة منفردة.

ان النظام السياسي الفلسطيني يمر بأزمة شديدة تهدد بانهياره التام. ولن يحل محله اذا انهار نظام أكثر تطوراً وفعالية وديقمراطية، وانما الفراغ الذي سيتم ملؤه من قبل الاحتلال والقوى الاقليمية والدولية. والجذر الرئيسي للمأزق الفلسطيني ليس الاحتلال ولا الظلم الدولي، فالاحتلال هو احتلال، ومن الطبيعي ان يسعى لتحقيق اهدافه التوسعية والاستيطانية والعنصرية والعالم تحكمه القوة والمصالح وليس اعتماد الحقوق والعدل والقيم الانسانية.

الجذر الرئيسي للمأزق الذي نواجهه غياب البرنامج الوطني الواقعي القادر على تحقيق الاهداف الوطنية، وما ادى اليه هذا الغياب من حالة تعددية السلطات والاستراتيجيات ومصادر القرار، ومن بروز مسألة الصراع على السلطة على كل ما عداها، وظاهرة ازدواج السلطة (السلطة برأسين)، وما دمنا في مرحلة تحرر وطني، وتحت الاحتلال، وفي ظل عدم وجود عملية سلام جادة قادرة على انهاء الاحتلال، فإن الوحدة والبرنامج المشترك يجب ان يكونا الخيار الفلسطيني الوحيد. ففتح لا تستطيع وحدها قيادة السفينة الفلسطينية بعد التغييرات في الخارطة السياسية. وحماس لا تستطيع وحدها الاقلاع، فالوطن بحاجة لفتح وحماس وكل الفصائل والاحزاب والفعاليات والخبرات والكفاءات والابداعات.

لا يمكن الاستمرار بالتعلق بأذيال عملية سلام لم تعد قائمة فعلياً رغم اهمية عدم اقدامنا على دفنها نحن حتى لا نتحمل المسؤولية عن قتلها، بينما المجرم الفعلي بارتكاب هذه الجريمة هو اسرائيل، احتلالها الغاشم. ولا يمكن اعتماد سياسات تراهن على ما سيكون، بينما السياسة هي فن تحقيق افضل الممكنات اعتماداً على التعامل مع ما هو كائن؛ فالشعارات العاطفية الكبيرة التي تسكر اصحابها لا توصل اي شيء سوى الى التهلكة. فالعالم هو الذي في أزمة لا نحن، كما جاء على لسان سامي ابو زهري الناطق باسم حماس. واذا كان العالم كله في ازمة فما هو الشيء الذي نعانيه نحن، هل هو الانتصار المحقق؟

نحن مؤمنون وواثقون بان النصر لنا، وان هذا النصر سيتحقق قبل نهاية التاريخ، وقبل يوم القيامة. فحقائق التاريخ والجغرافيا والثقافة والسياسة والدين، تقول ان اسرائيل اذا ظلت عدوانية وجسما غريبا في محيط المنطقة العربية، سيبتلعها ويلفظها هذا المحيط ولو بعد حين. ولكن هذه الثقة، وتلك القناعة الراسخة والايمان العميق في النتيجة النهائية للصراع، لا تعفي احداً، خصوصا القيادات المسؤولة من تحمل مسؤولياتها عن الجرائم الكبرى التي ارتكبتها او سترتكبها بحق شعبها وقضيتها اذا لم تقم بواجبها الحالي، بتقليص المخاطر والخسائر وتجنب السير نحو التهلكة، نظراً لتغليب المصالح والاجندات الخاصة المترافقة مع قلة الوعي بحقائق العالم المعاصر وكيفية التعامل معه.

ان المخاطر التي تتهدد القضية الفلسطينية لا تنحصر بامكانية فرض الحل الاسرائيلي من جانب واحد، وانما يمكن ان تصل الى حد الحصول على غطاء دولي وشرعية دولية لخطوات اسرائيل بترسيم حدودها وتصفية القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها، وهذا يمكن ان يتحقق اذا استمر المشهد الفلسطيني على ما هو عليه حالياً. فكيف الحال سيكون اذا تفاقم الخلاف الداخلي وتجاوز المحرمات ووصل الى الحرب الاهلية. وعندها اخشى ان الفلسطينيين سيدفعون شعبهم الى الهجرة من جراء تقاتلهم وتردي احوالهم المعيشية، وهذا سيغري اسرائيل على اعادة فتح ملف تهجير ما تبقى من الفلسطينيين لتحقيق هدف اقامة اسرائيل الكبرى على ارض فلسطين الانتدابية بكاملها.

يجب ان لا ننسى ان الحركة الصهيونية قامت على مقولة "أرض بلا شعب، لشعب بلا ارض" وهي مستعدة لإحياء هذه المقولة مجدداً، اذا وجدت الظرف مناسباً.

الوضع الفلسطيني الحالي، لا يسر صديقا ويفرح كل الاعداء، والقابل للتدهور أكثر، والوضع الاقليمي غير المستقر في منطقة الرمال المتحركة التي كل شيء فيها قابل للتغيير، خصوصا في ظل ما يجري في العراق، وما يمكن ان يجري في ايران.

فهل نتعظ قبل فوات الأوان؟ وهل نحقق ذلك من خلال الرهان على انفسنا اولاً، وقبل اي احد او شيء آخر، وعلى اعتماد برنامج وطني واقعي قادر على توحيد الفلسطينيين وعلى التحرك الفاعل على كافة الاصعدة، أم نبقى نراهن على الآخرين شرقاً وغرباً، أو تستهوينا سياسة المحاور رغم اننا اكتوينا بنارها طوال معظم تاريخنا، فاخترنا غالباً التحالف مع الطرف الخاسر ان الرهان على الغير، يساهم في وضع قضيتنا في يد الاخرين، ونحن في أمس الحاجة لابقاء مصيرنا وقرارنا في يدنا، وهذا المكسب دفعنا من اجله تضحيات غالية، ويجب ان لا نفرط به، وبالمجان.

 

مشاركة: