الرئيسية » هاني المصري »   28 تموز 2007

| | |
حوار مع صديقي القاضي
هاني المصري

فجأة، ودون سابق موعد، وجدتُ صديقي القاضي على باب مكتبي، الذي يزورني فيه للمرة الأولى.. وبعد التحيات والقبلات، قلتُ له: " جيت والله جابك"، أريد أن أفهم منك المسائل القانونية المثارَة، رغم أنني أعرف أن الأزمة في الساحة الفلسطينية ليست أزمة قانونية أو دستورية أساساً، بل هي سياسية أولاً وقبل أي شيء آخر، سنجد حلاً لها (إن وجدته) على المستوى السياسي. فما رأي القانون بما يجري؟ أجابني قائلاً: هناك مَثَلٌ انكليزي مفاده: "إذا أردتَ العدالة عليك أن تأتيها بيدين نظيفتين". وتابع: إن الحالة كلها عندنا غير قانونية، ويتم تجاوز القوانين من كل الأطراف، وبالتالي، لا تبحث كثيراً عن قانونية ما يجري.

فسألتُه، ماذا عن حكومة إنفاذ الطوارئ؟، فقال: إنها بدعة وغير قانونية، ولكنها إجراء فرضته الضرورة. فلا يحق لمن خالف القَسَم وطعن الشرعية وساهم وبرّر الانقلاب، أن يتحدث عن القانون.. فقلتُ له: لماذا لم يتم إقصاء رئيس الحكومة ومَن شارك في الانقلاب من الوزراء بدلاً من إقالة الحكومة برمتها، وذلك حسب نصيحة قُدِّمت للفلسطينيين من أوساط مصرية؟ فقال: إن إقالة رئيس الحكومة توجِب حتماً إقالة الحكومة بأسرها.

 

والقانون الأساسي عندنا ناقص ولا يجيب إذا حاولنا سؤاله عن الحالة التي شهدناها. فالرئيس لا يستطيع أن يحلّ المجلس التشريعي أو يدعو لانتخابات مبكرة، أو يشكل حكومة طوارئ، ومفترض به وفقاً للقانون الأساسي، إذا أخذناه بحرفيته، أن يجعل الحكومة المقالة برئاسة هنية هي حكومة تسيير أعمال لحين تشكيل حكومة جديدة. وهذا مخالف لأبسط معاني المنطق ولروح القانون، قبل أن يكون مخالفاً للقانون. فلا يمكن لرئيس حكومة ساهم بانقلاب على الشرعية أن يقود حكومة لتسيير الأعمال. فهناك قِيَم أسمى وأعلى، ليس من القانون فقط، بل هي أعلى من الدستور أو القوانين جميعاً. والديمقراطية والحفاظ عليها وتطويرها، من أهم هذه القِيَم. وأضاف: كيف يقول إسماعيل هنية إنه يعترف بشرعية الرئيس ولا يعترف حتى بالمراسيم القانونية التي أصدرها؟! وكيف يقول إنه لا يزال يترأس حكومة تسيير أعمال، رغم ان الوزراء، حتى من "حماس" أو المحسوبين عليها في الضفة، سلموا وزاراتهم للوزراء المعينين في حكومة إنفاذ الطوارئ؟! أصلاً الحكومة المقالة فقدت النصاب القانوني اللازم لعقد اجتماعاتها ولاستمرارها في العمل.. فلا تعقد الحكومة، التي تضم 42 وزيراً، سوى اجتماعات يحضرها 4 أو 5 وزراء فقط، فمثل هذه الاجتماعات فاقدة للنصاب، وغير قانونية.

وأضاف: هذا طبعاً لا يبرر تعطيل بعض مواد القانون الأساسي بإصدار مراسيم رئاسية، أو التصرف، بصورة عملية، وكأن المجلس التشريعي غائب، أو لم يعد موجوداً، بدلاً من العمل الجاد حقاً وقولاً وفعلاً لإحيائه.. ولا يبرر وضع كل السلطات والصلاحيات بيد الرئيس.

ثم سألته: هل تصلح المنظمة والمجلس المركزي كبديل عن المجلس التشريعي؟ فقال: من حيث الشكل نعم، فالمنظمة هي المرجعية العليا وقائدة الشعب الفلسطيني، معترف بها فلسطينياً وعربياً ودولياً، أما من ناحية الموضوع فلا.. فلو كانت المنظمة الشرعية فاعلة لكان اللجوء إليها قانونياً، ولكن المنظمة غائبة ومشلولة ولم تعد تحظى بالثقة والرضى من قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، رغم أنها لا تزال شرعية.. لكن شرعيتها ضعيفة ومنقوصة.. كما أن المنظمة لم تجدد نفسها، ولم تغير قيادتها، ولم تأخذ الحقائق الجديدة في الخارطة السياسية الفلسطينية في الحسبان، ولم تعقد مجلساً وطنياً منذ فترة طويلة.. والتعامل معها هواستخدام تكتيكي، كما ان رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة هو الأول بين متساويين، وليس الأول والأخير.. أي أنه إذا اعتمد المنظمة بديلاً عن السلطة لا ينفع بعدها أن يقال: المنظمة فوّضت رئيسها رئيس السلطة، بل هي التي يجب أن تكون مسؤولة بشكل جماعي عن إصدار القرارات.. والأهم من ذلك كله، ان المنظمة رغم شرعيتها غير منتخبة، أما المجلس التشريعي فهو منتخب.

وسألته عن الانتخابات المبكرة وما قانونيتها وما جدواها؟ فقال: إن كل مَن يتحدث عن القانون عليه أن يحمي ويحترم القانون، ينفذ ما يصدر عنه.. وأضاف: حتى أن المسؤولين عن تنفيذ القانون وتطبيقه لا يحترمونه ويخالفوه كلما تعارض مع مصالحهم وبرامجهم. فيجب أن نستعد لقبول قرار القضاء في قانونية الإجراءات إذا أردنا الاحتكام الى القانون. وإذا كانت هناك شكوك قوية في عدالة ونزاهة القضاء، فبالتالي نفقد واحداً من أكثر عناصر القضاء أهمية، وهو الاستعداد لتنفيذ القرار القضائي. وحال كل مَن يكفر ويخون أو يعتبر هذا أو ذاك عميلاً للاحتلال وأميركا أو لإيران وسورية، يجب أن يخضع للمساءلة القانونية ويُحاكَم.. فالتهم لا تُساق جزافاً دون أدلة وبراهين.. وقال: لاحظ، لا أحد فكر عملياً باللجوء الى القضاء للحسم في قانونية المراسيم والإجراءات التي اتخذت منذ الانقلاب وحتى الآن.. بل هناك مَن يقول سلفاً: إن القضاء الفلسطيني منحاز وليس أهلاً للحكم بعدالة ونزاهة.. على سبيل المثال، أذكر ما قاله وزير الإعلام السابق يوسف رزقة، لتبرير عدم الثقة بالقضاء الفلسطيني، عندما قال، إن القضاء الفلسطيني لا يخضع لسيادة الحكومة الحمساوية.. فهو لا يعرف أو يتجاهل أن القضاء سلطة مستقلة ويجب أن تبقى مستقلة.

وقال: الحل بالانتخابات، ولكن متى تجري الانتخابات؟ يجب ضمان الحفاظ على وحدة الشعب والوطن والقضية.. فإذا كانت الانتخابات ستقسم الوطن والشعب أكثر من الانقسام الحالي، فإنه لا معنى لها.. فهناك شرعيات أهم من شرعية القانون الدستوري، لأن الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وشرعية المقاومة والتحرر الوطني أعظم من شرعية صناديق الاقتراع.. فلا قانون دستورياً دون سيادة، والجنسية القانونية، حسب المصطلح القانوني، ناقصة، لان فلسطين كلها، والشعب والسلطة من رئيسها الى آخر شرطي فيها، تحت الاحتلال.. ولكن السؤال هو: أين المقاومة؟ حتى نتحدث عن شرعيتها.. مثلما قلنا: أين المنظمة؟ قبل أن نتحدث عن شرعيتها.

وحتى تكون الانتخابات حلاً، يجب أن يسبقها توافق وطني على إجرائها، ويجب أن يسبقها اتفاق على المرجعية وقواعد اللعبة الديمقراطية، والأسس التي تكفل النظام الديمقراطي، بصرف النظر عمّن سيفوز في الانتخابات.. فالانتخابات ليست عرساً ليوم واحد، بل نمط مستمر للحياة الديمقراطية.. ومَن لا يوافق على ذلك، ليس أهلاً للمشاركة بالمسيرة الديمقراطية والنظام السياسي!!

 

مشاركة: