الرئيسية » هاني المصري »   11 نيسان 2009

| | |
حوار مع صديقي القاضي: سؤال الشرعية والقانون تحت الاحتلال
هاني المصري

أتى صديقي القاضي لزيارتي، وهو يزورني مرة كل عدة اشهر. قلت له: جئت والله جابك، اريد ان استفسر منك حول عدة مسائل قانونية، لا أعرف الرأي القانوني بها بكل دقة.

وطرحت هذه الاسئلة وهي: هل الحوار الذي يجري في القاهرة والذي يشكل مؤسسة بديلة عن المؤسسات الفلسطينية المختلفة سواء في المنظمة أو السلطة قانوني؟

هل تشكيل حكومة جديدة حتى لو كانت انتقالية قانوني؟ او هل يمكن تعديل الحكومة القائمة التي سميت حكومة تسيير اعمال؟

 

هل إجراء انتخابات تحت الاحتلال، خصوصاً بعد ان قامت قوات الاحتلال باعتقال بعض المرشحين، ومنعت الكثير منهم من حرية الحركة، وبعد اعتقال عشرات النواب، وبعد انتهاء اتفاق أوسلو عملياً بعد أن تجاوزته اسرائيل منذ فترة طويلة، وبعد ان اعلن وزير خارجية اسرائيل الجديد وصول المفاوضات الى طريق مسدود وفشل اتفاق اوسلو ورفضه لمسار انابوليس لانه يرفض التفاوض على قضايا الوضع النهائي . هل هذا كله قانوني؟ اجاب صديقي القاضي : قلت لك مليون مرة اننا نمر بظروف استثنائية، ولا يوجد ولن يوجد في الظروف الاستثنائية الطارئة، حلول قانونية.

فاذا حدث زلزال مثلا هل يلتزم الناس اثناء هروبهم بالقوانين واشارات السير؟

واذا شب حريق عند جيرانك هل تمتنع من دخول بيتهم للمشاركة باطفائه حفاظاً على حرمة البيت. واذا .......واذا......الخ الخ ؟

قضيتنا سياسية والحل الوحيد لها سياسي. وبما اننا تحت الاحتلال فالوفاق الوطني بكل صيغه (الوحدة الوطنية، الائتلاف الوطني، المشاركة الوطنية) هو طريق الخلاص الوطني. وبالتالي مؤسساتنا رمزية أكثر منها حقيقية؟ ألم نطلق على الرئيس الراحل ياسر عرفات لقب الرئيس الرمز. وهو أقرب الالقاب الى الحقيقة والدقة؟.

في هذا السياق، نعم الحوار الوطني هو الطريق الوحيد للوصول لحلول للازمة الشاملة التي نعيشها وتهدد القضية والشعب والارض والانسان بأسوأ الكوارث. هذا اذا توفرت الارادة لدى الفرقاء المتخاصمين لتحقيق الوحدة، ولكن صراعهم على السلطة يبدو انه يطغى على كل شيء، وهو يسيطر عليهم تماماً، ويكاد ان يعميهم عن كل شيء، وبالتالي طبخة الحوار حتى الآن يبدو انها طبخة بحص، يحاول كل طرف فيها ان يحقق كل شيء ويلحق الطرف الآخر به، وهذا سيفشل الحوار، فالمطلوب ان تنتصر القضية ويخرج الجميع منتصرين.

يبقى بعد ذلك اذا استمر تعنت طرفي النزاع محاولة كل طرف ان يتنصل من المسؤولية امام الشعب عن استمرار الانقسام، عن طريق الزعم بأنه فعل أقصى ما يمكن، وذهب للحوار بدون شروط كان يعتبرها اساسية ولكن بدون طائل لأن الطرف الآخر لم يتجاوب.

تأسيساً على ما سبق الحديث عن القانون، والسلطات وفصل السلطات، ماهو الا مضيعة للوقت وهروب من مواجهة الازمة، ما دامت فلسطين تحت الاحتلال والمطلوب اولاً انهاء الاحتلال.

واضاف: لقد عقدت المنظمة اتفاقاً مع اسرائيل ثم نتج عن هذا الاتفاق إقامة السلطة على ان يتم التفاوض على قضايا الوضع النهائي والانتهاء منها خلال مدة خمس سنوات. المنظمة ارادت السلطة مرحلة عن طريق اقامة الدولة، واسرائيل ارادتها غاية ووكيلاً امنياً للاحتلال.

اسرائيل خرقت اتفاق اوسلو، كان ذلك في البداية من خلال الخروقات الـ 34 التي طالما رددها على مسامعنا الدكتور صائب عريقات، ثم من خلال رفض تطبيق اعادات الانتشار، ودمج المرحلتين الانتقالية والنهائية، ثم من خلال إعادة احتلال الضفة بعد عدوان سافر عام 2002 ضدها وفك الارتباط عن غزة ثم فرض الحصار الخانق ضدها، وشن عدوان همجي ضدها.

اين اوسلو والاتفاقيات والالتزامات التي يطالبنا العالم بالالتزام بها، ويضع ذلك شرطاً للتعامل مع حكومتنا القادمة، وتكرر قيادتنا مثل الببغاء هذا الشرط حول ضرورة الالتزام بالاتفاقيات التي لا تلتزم بها اسرائيل. إن القانون الدولي، الذي يتحدثون عنه يعفي اي طرف من طرفي اتفاقية من الالتزام بها اذا خرقها الطرف الآخر. والحديث هنا ليس عن خرق اسرائيلي فقط، وانما عن تجاوز كلي لها. ان المسألة باتت واضحة وضوح الشمس بعد ان اعلنت حكومة نتنياهو ان اتفاق اوسلو فشل، ولم يتضمن برنامجها الالتزام به، خلافاً للحكومات الاسرائيلية السابقة التي تضمنت برامجها الالتزام بالاتفاقيات رغم انها مارست على الارض كل انواع الخروقات لها، الأمر الذي جعل اتفاق اوسلو حبراً على ورق، ولم يعد قائماً منه سوى مسألتين:

ا- الالتزامات الفلسطينية وهي : الاعتراف باسرائيل، ونبذ العنف والارهاب، والتقيد بالاتفاقيات.

ب- سلطة يراد لها ان تكون وكيلاً امنياً للاحتلال بعد ان ارادها ياسر عرفات خطوة على طريق الاستقلال.

فقد اصبحت السلطة غاية في حد ذاتها وبحاجة للدعم من أجل تأمين رواتب للموظفين والامتيازات لكبارهم، مقابل تأجيل حل القضية عملياً الى إشعار آخر، ووقف المقاومة، والتنسيق الامني، واعتماد المفاوضات كاسلوب وحيد لحل الصراع، حتى لو كانت او اصبحت مفاوضات الى الابد.

واضاف: لا يمكن اقامة سلطة وطنية تحت الاحتلال وتستطيع ان تقوم بالتنمية والاصلاح وممارسة الديمقراطية، وتخضع لسيادة القانون، وتؤمن حقوق الانسان وحرياته. فما دامت السلطة تحت الاحتلال والسيادة ليست بيدها، لدرجة ان الرئيس لا يستطيع ان يتحرك الا بتنسيق مع الاحتلال، فانها لن تستطيع ان تتقدم على طريق الحرية والعودة والاستقلال.

وتابع صديقي القاضي: لا يمكن إجراء انتخابات عامة مرة ثانية وثالثة ورابعة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية بدون الوقوع بالمحظور، وهو إعطاء الشرعية للاحتلال. آن الأوان لهذه اللعبة السخيفة ان تتوقف !!

ان الركن الاساسي الذي يجعل الانتخابات حرة ونزيهة، يتمثل بضمان حرية الترشيح والانتخاب، وحرية الحركة من اجل الدعاية الانتخابية، وحرية النائب بعد فوزه بممارسة دوره التشريعي. فهل يتوفر هذا الركن بعد ان قامت اسرائيل بمنع حرية الحركة للمرشحين خصوصاً بين الضفة وغزة، وبين القدس وبقية انحاء الاراضي المحتلة عام 1967، وبعد ان قام الاحتلال باعتقال بعض المرشحين قبل الانتخابات؟صحيح ان بعض المعتقلين مثل مروان البرغوتي رشحوا انفسهم وفازوا وهم بالسجن، ولكن لم يستطع مروان ولا عشرات النواب الذين اعتقلتهم اسرائيل بعد فوزهم، ومن ضمنهم احمد سعدات، ان يمارسوا دورهم كنواب. كيف سنذهب الى انتخابات جديدة قبل ان نحل هذه المشكلة؟. إن عدم تأمين حرية الترشيح والانتخاب والحركة، واعتقال النواب يعني ان الاحتلال يستطيع ان يمنع تحقيق الارادة الشعبية. فاعتقال عشرات النواب من كتلة التغيير والاصلاح منَع "حماس" من ممارسة حقها بكونها صاحبة الاغلبية في المجلس التشريعي.

ان ابسط رد كان يمكن ان يكون تعليق اعمال المجلس التشريعي، وإعادة النظر بشكل ووظائف السلطة بحيث تخضع للبرنامج الوطني، وبلورة قيادة وطنية موحدة للفلسطينيين في اطار "م.ت.ف"، بمشاركة كل القوى والاحزاب والقطاعات التي لا تزال خارجها.

ان الشرعية تستمد اساساً من الارادة الشعبية، فالشعب مصدر السلطات والقوانين جميعاً، والقوانين تستمد الشرعية من صدورها عن مؤسسات شرعية منتخبة او متوافق عليها، ومن القدرة على تنفيذها في الزمان والمكان .والقوانين تجد طريقها للتنفيذ نتيجة لقبولها او الخضوع لها او لتوفر شرطي القبول والخضوع معاً.

واذا عدنا للاجابة على الاسئلة القانونية المطروحة في مستهل المقال، نجد ان الوضع الفلسطيني الاستثنائي يجعل لا شيء قانونياً.

فلا استمرار الحكومة المقالة بعملها قانوني، ولا استمرار حكومة تسيير الاعمال بعملها بدون الحصول على ثقة المجلس التشريعي قانوني، ولا تشكيل حكومة جديدة مهما كانت تسميتها بدون الحصول على ثقة المجلس التشريعي قانوني، ولا توسيع الحكومة قانوني، ولا التمديد للرئيس قانوني. فالنص بالقانون الاساسي حول مدة ولاية الرئيس اولى بالاتباع من النص الوارد في قانون فرعي مثل قانون الانتخابات.

ان الوضع الاستثنائي الذي تعيشه فلسطين يجوز فيه ما لا يجوز لغيره، فينطبق عليه ان "الضرورات تبيح المحظورات". واضاف: بدأت حديثي بالقول ان المعضلة التي تواجهنا سياسية، ولا يوجد حل قانوني لها وانما سياسي. ولا يجب ان نغرق بالبحث عن حلول قانونية لوضع لا ينطبق عليه اي قانون.

وانهي حديثي بالتساؤل: هل نريد ان نبقى نلعب لعبة السلطة والحكم تحت الاحتلال، رغم اننا لا نملك من مقومات الحكم شيئاً، على امل ان التزامنا بكل شيء يطلب منا، يمكن ان يوصلنا الى شيء، على اساس ان شيء افضل من لا شيء؟

ام نريد ويجب ان نقوم بمراجعة المسيرة مراجعة شاملة لاستخلاص الدروس والعبر ووضع استراتيجية جديدة قادرة على الانتصار !!

معك حق يا صديقي القاضي، هذا هو السؤال: هنا الوردة فلنرقص هنا

 

مشاركة: