الرئيسية » هاني المصري »   05 كانون الأول 2009

| | |
حل السلطة أو انهيارها ؟
هاني المصري

هل يمكن أن تحل السلطة؟ هذا السؤال طرح نفسه بقوة أكبر في الآونة الاخيرة، بعد أن أعلن الرئيس ابو مازن عزمه على عدم ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة جراء وصول المفاوضات الى طريق مسدود، وبعد ان هدد صائب عريقات كبير المفاوضيين، وصاحب كتاب "المفاوضات حياة"، باللجوء الى خيارات اخرى مثل الدولة الواحدة او حل السلطة او اللجوء الى مجلس الامن والمجتمع الدولي بعد ان لم تحقق 18 عاماً من المفاوضات شيئاً.

قبل الإجابة على هذا السؤال يجب العودة قليلاً الى الوراء للتذكير بأن السلطة قامت إثر التوقيع على اتفاق اوسلو كثمرة من ثمار المفاوضات، هذا الاتفاق الذي قدم فيه الجانب الفلسطيني تنازلات كبرى، مقابل الحصول على سلطة مقيدة شكلت نوعاً من الحكم الذاتي المحدود، على أمل ان تتحول الى دولة فلسطينية حقيقية.

ورغم ان حكومات اسرائيل المتعاقبة بعد توقيع اتفاق اوسلو تجاوزت هذا الاتفاق كلياً وبصورة عملية، بدون إلغائه، لأنها تريد الحفاظ على التنازلات والالتزامات الفلسطينية فيه، خصوصاً فيما يتعلق بالاعتراف الاحادي الجانب باسرائيل والتخلي عن المقاومة قبل تحقيق اهدافها والتنسيق الامني الفلسطيني ــ الاسرائيلي. إلا أن الجانب الفلسطيني تمسك رغم ذلك باوسلو، وحاول التمرد عليه، من خلال الجمع ما بين المفاوضات والاتفاقات والالتزامات، والمقاومة، كما حصل فعلاً خلال الانتفاضة الشعبية المسلحة التي اندلعت بعد فشل قمة كامب ديفيد عام2000، والتي اثبتت انه لا يمكن الجمع ما بين السلطة والمقاومة المسلحة.

ان سياسة الجمع ما بين السلطة والمقاومة لم ولن تنجح. فهي ساهمت بتدفيع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً، وصل الى حد اعادة احتلال الضفة الغربية وتدمير معظم مقرات ومؤسسات السلطة، ومحاصرة ياسر عرفات في مقره وصولا الى اغتياله.

ولكن الفلسطينيين، رغم إعادة احتلال الضفة واغتيال ياسر عرفات وفرض الحصار الخانق على قطاع غزة، واصلوا التعلق بأذيال وهم المفاوضات مجدداً. لقد تصوروا، وبصورة أسوأ من السابق أن المفاوضات يمكن ان تصل الى اتفاق، اذا أكدوا تخليهم عن المقاومة قولاً وعملاً، واذا نفذوا الالتزامات الفلسطينية الواردة بخارطة الطريق من جانب واحد، خصوصاً ما يتعلق بالتنسيق الامني، واذا اثبتوا جدارتهم بايجاد مؤسسات للحكم قوية وكفؤة تفرض سلاحا شرعيا واحدا وقيادة واحدة وسلطة واحدة.

ورغم انهم مضوا في هذا الطريق بعيداً جداً، الى حد استئناف المفاوضات بعد مؤتمر انابوليس بدون مرجعية، بحيث اصبحت المفاوضات هي المرجعية الوحيدة، الا انهم لم يحصلوا على شيء من اسرائيل التي تعاملت مع الالتزامات الاسرائيلية الواردة في خارطة الطريق، بشكل انتقائي واختياري، فهي تحدد متى وكيف تطبقها، الامر الذي ساهم مساهمة بارزة في إحداث الانقسام الفلسطيني واستمراره حتى الآن. فما يوحد الشعب الفلسطيني البرنامج الوطني والكفاح لتحقيقه. وعندما غاب البرنامج الوطني طغى الصراع على السلطة على كل شيء بحيث اصبح الحفاظ على السلطة هو الغاية، ولم تعد وسيلة لدحر الاحتلال واقامة دولة فلسطينية حقيقية على الاراضي المحتلة عام 1967، وأصبحت المفاوضات ليست وسيلة لتحقيق الاهداف الوطنية بل للحفاظ على السلطة.

فالمفاوضات هي سر بقاء السلطة، وهي التي تقف وراء الدعم الاميركي والاوروبي والدولي للسلطة. لذا عندما توقفت المفاوضات واعلن ابو مازن عن رغبته بعدم الترشح باتت السلطة مهددة بالزوال او بالوقوع تحت قبضة حركة حماس. وهذا ما لن تسمح به ادارة اوباما التي تراهن على بقاء السلطة وتحقيق حل الدولتين.

لقد أصبح الحفاظ على السلطة هو الهدف الرئيسي للمفاوضات اضافة الى اهداف اخرى اسرائيلية واميركية ابرزها ان تكون المفاوضات غطاء لما تقوم به اسرائيل من فرض حقائق على الارض، ولكي تقطع الطريق على الجهود والمبادرات والخيارات والبدائل الفلسطينية والعربية والدولية من خلال الايحاء بان خيار المفاوضات قابل للحياة ويمكن ان يصل الى حل.

إن الاعتراف بفشل مسيرة المفاوضات يتطلب قطع الحبل السري مع المفاوضات الثنائية واعتماد استراتيجية جديدة تراهن على الشعب الفلسطيني ووحدته واستعداده للكفاح من اجل تحقيق برنامجه الوطني. استراتيجية تجمع كل اوراق القوة والضغط الفلسطينية والعربية والدولية، وما بين المفاوضات المثمرة والمقاومة المثمرة، وتراهن على ان القضية الفلسطينية عادلة وتتفوق اخلاقياً، وقضية تحرر وطني، قضية شعب يناضل ضد الاحتلال، وليست مسألة نزاع على الارض، او بين متطرفين ومعتدلين، او بين الشر والخير.

وفي سياق هذه الاستراتيجية المطلوبة يمكن ويجب اعادة صياغة السلطة لتكون اداة من ادوات البرنامج الوطني، ومن ادوات منظمة التحرير التي يجب اصلاحها واعادة تشكيلها بحيث تضم كافة الاطياف الفلسطينية، وبحيث تكون مرحلة على طريق قيام الدولة الفلسطينية لا ان تتحول السلطة المؤقتة الى حل دائم.

لقد تضخمت السلطة على حساب منظمة التحرير. وهذا يقتضي تصحيح الوضع من خلال تغيير شكل ووظائف السلطة بحيث تكف عن لعب اي دور سياسي وتخضع للمنظمة، وتركز على الجوانب الخدمية والتعليمية والصحية والاقتصادية والاجتماعية والادارة والأمن الداخلي.

وحتى تكتمل الاستراتيجية الجديدة لا بد من الغاء عدد من اهم التزامات المرحلة الانتقالية خصوصاً التنسيق الامني، والعمل من اجل العودة الى النقطة التي كنا نقف فيها في عام 1988، وتحديداً قبل تقديم مبادرة السلام الفلسطينية، بحيث نرسل رسالة لاسرائيل مفادها بانها اذا لم تقدم مقابل التنازلات التاريخية التي تضمنتها السياسة الفلسطينية منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، واذا لم يحدث تطبيق متبادل للالتزامات، لا يمكن ان تبقى المواقف الفلسطينية على ما اصبحت عليه، ولا يجب ان يبقى الالتزام الفلسطيني من جانب واحد.

اذا تمت إعادة النظر المذكورة آنفاً ووضعت السلطة في مكانها بالاستراتيجية الجديدة، وفي خطة الحكومة لانهاء الاحتلال واقامة الدولة، تصبح السلطة، كما قال سلام فياض مؤخراً، عنواناً نضالياً للشعب الفلسطيني، وان الحديث عن حلها ليس له اي اساس وغير منطقي ولا وطني.

أما استمرار السلطة في وضعها الحالي، فهي بديل عملي عن المنظمة وغاية بحد ذاتها، ومهمتها توفير الرواتب والخدمات، مقابل التنسيق الامني وكبح المقاومة وتشويه طبيعة الصراع وإعفاء الاحتلال من مسؤولياته.

لو عادت عقارب التاريخ الى الوراء، لكانت الدعوة المناسبة هي حل السلطة، ولكن التاريخ يتقدم الى الامام، والسلطة اصبحت امراً واقعاً ونقطة تقاطع لمصالح اسرائيلية وفلسطينية وعربية ودولية، وهي صمدت حتى الآن رغم كل ما جرى بعد عام 2000 حيث وصلت الى حافة الانهيار التام. واذا اقدم الفلسطينيون على حل السلطة لن يعود الاحتلال المباشر، خصوصاً بعد فك الارتباط عن قطاع غزة، ورواج أفكار في اسرائيل حول الدولة ذات الحدود المؤقتة، والخطوات الاسرائيلية احادية الجانب، بل سيفتح زوال السلطة الباب واسعاً للعناصر والقيادات المحلية المرتبطة بالاحتلال ولكل انواع التداخلات والبدائل العربية والاسرائيلية والاقليمية والدولية.

ان السلطة في ظل المعطيات الراهنة يمكن ان تنهار لا ان تحل. فاسرائيل لن ترضى بان يتغير دور السلطة وشكلها ووظائفها. والفلسطينيون من المفترض ان يسعوا لوضع السلطة في مكانها الطبيعي بحيث تكون جزءا من استراتيجية جديدة، استراتيجية مجابهة تعتمد المقاومة الشعبية.

ان استمرار تردد وتخبط وارتباك السلطة، الذي يظهر من خلال وصول المفاوضات الى طريق مسدود بدون الدعوة لشق طريق جديد، وفي ظل استمرار الآمال بان تهبط معجزة من السماء، مثل ضغط اميركي جدي على اسرائيل، لكي يكون هناك اختراق يسمح باستئناف المفاوضات، في وقت انتهى عصر المعجزات، هو الذي يمكن ان يؤدي الى انهيار السلطة. أما وضع استراتيجية جديدة فهي الكفيلة بحماية واعادة صياغة دور وشكل السلطة.

ان الاكتفاء بالانتظار او التحرك باتجاهات متعاكسة والتهديد بخيارات متناقضة، لا يعكس جدية ولن يأخذه الآخرون بالحسبان، بل سيوصلنا سريعاً : إما الى استئناف المفاوضات العبثية بحجة انقاذ السلطة وعدم وجود بديل عن المفاوضات او اعادة انتاج حالة الفوضى والفلتان الامني، التي ستكون أسوأ من سابقتها !!

وفي هذه الحالة يمكن ان تنهار السلطة نتيجة التداعيات والضغوط المختلفة لا ان تحل!!

 

مشاركة: