الرئيسية » هاني المصري »   07 نيسان 2009

| | |
حكومة يترأسها الرئيس أم حكومة وفاق وطني أم حكومة م.ت.ف؟
هاني المصري

بعد الحسم العسكري (أو الانقلاب) في 14/6/2007 تم تشكيل حكومة طوارئ برئاسة الدكتور سلام فياض، ثم تحولت هذه الحكومة الى حكومة تسيير أعمال، واستمرت طوال هذه الفترة رغم عدم حصولها على ثقة المجلس التشريعي، على قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات". واستمرت حكومة الوحدة الوطنية رغم إقالتها من قبل الرئيس صاحب الصلاحية بإقالتها وفقاً للقانون الأساسي، ورغم أن معظم وزرائها أقروا بمرسوم الرئيس، ما عدا الوزراء المحسوبين على "حماس" والمقيمين في غزة، لأن الوزراء المحسوبين على "حماس" في الضفة سلموا وزاراتهم للوزراء الجدد، إلا أن هذه الحكومة استمرت في عملها وكأن شيئا لم يكن.


واخترعت حركة حماس مسألة التوكيلات عن النواب المعتقلين، وتصرفت على أساسها دون انتظار عودة المجلس التشريعي لممارسة أعماله وتعديل القانون الأساسي لكي يسمح بذلك، حيث قامت بتوسيع الحكومة المقالة اعتمادا على عقد جلسات غير شرعية للمجلس التشريعي شارك بها أعضاء كتلة التغيير والإصلاح في غزة فقط.

منذ عدة أشهر وضع الدكتور سلام فياض استقالته تحت تصرف الرئيس لكي يقبلها متى أراد، ثم قام عشية بدء جلسات الحوار الوطني في القاهرة بتقديم استقالة حكومته واضعاً سقفاً زمنياً لسريان مفعولها هو نهاية الشهر الماضي.

لقد تعددت الاجتهادات لتفسير استقالة الحكومة، فهناك التفسير الذي قدمه فياض نفسه، وهو أن الاستقالة أتت للمساعدة على إنجاح الحوار والدفع لتشكيل حكومة وفاق وطني انتقالية. وهناك تفسير آخر هو أن رئيس الحكومة يريد أن يتخلص من الوضع الصعب الذي تمر به حكومته فصائليا. فحكومة تسيير الأعمال وقعت تحت ضغوط حجري رحى. فمن جهة واجهت معارضة شديدة من حركة حماس التي قالت إنها حكومة مفروضة من الخارج وولدت من رحم الانقسام وتقوم بالتنسيق الأمني ومحاربة المقاومة واعتقال المئات من أعضاء وكوادر حركة حماس. ومن جهة أخرى واجهت أيضا معارضة شديدة من قيادات وأوساط من حركة فتح، التي رأت أنها حكومة استهدفت إضعاف حركة فتح وإخراجها من السلطة من خلال الإقالات والفصل والتقاعد المبكر والحرمان من الترقيات التي طالت أساسا أعضاء حركة فتح، ولأنها وهذا هو الأهم، حرمت "فتح" من الحكومة. فحركة فتح هي التي مكنت هذه الحكومة من أن ترى النور، وهي تتحمل أوزارها ولا تقطف ثمارها، وكانت "فتح" تتصور أنها حكومة "مشمشية"، أي ستعيش شهرا أو شهرين لتعود حركة فتح الى مواقعها السابقة في السلطة. فـ"فتح" أو الأدق أوساط من "فتح" تقول إن "فتح" هي الخاسر الأكبر. فهي ملاحقة في غزة، وأخرجت من الحكومة في الضفة.

الآن بعد أن فشل الحوار الوطني، في الوصول الى اتفاق على حكومة توافقية، وبعد أن تراجعت الثقة بأنه سيكون قادرا على تحقيق هذا الهدف خلال أيام وأسابيع قليلة، أصبحت الكرة في ملعب الرئيس، وهو بمقدوره، كما فعل حتى الآن، أن يرفض استقالة الحكومة ويكلفها بالاستمرار بمهمتها الأصلية، وهي تسيير الأعمال، حتى يقرر ما هو الإجراء المناسب.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي الحكومة التي يمكن أن يشكلها الرئيس، وتكون مختلفة عن الحالية، في ظل غياب المجلس التشريعي الذي من المفترض أن يمنح الثقة لأي حكومة عادية؟ وفي ظل أن دورة المجلس التشريعي تشارف على الانتهاء، حيث من المفترض أن تنتهي في 24/1/2010، أي بعد أقل من عشرة أشهر. وفي ظل أن النقطة الجوهرية الأكثر أهمية التي تم الاتفاق عليها في الحوار، هي عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وانتخابات المجلس الوطني قبل انتهاء ولاية المجلس التشريعي.

هناك آراء عدة واجتهادات متنوعة حول الحكومة القادمة.

أول هذه الاجتهادات يفيد أن تواصل الحكومة الحالية عملها دون تعديلات، أو مع إجراء تعديلات بإضافة وزراء لملء الحقائب الوزارية الشاغرة. ولكن هذه الفكرة بشقها الثاني تصطدم بالقانون الأساسي الذي لا يتيح إمكانية لإجراء تعديلات على حكومة تسيير أعمال.

ثاني اجتهاد هو أن يكلف الرئيس شخصية فتحاوية أو يعيد تكليف فياض بتشكيل حكومة تشارك بها فصائل م.ت.ف. ولكن هذا الاجتهاد يصطدم بأن تشكيل مثل هذه الحكومة ــ بينما جلسات الحوار تتواصل وقبل إعلان الفشل ــ يمكن أن يفسر بالرغبة في تكريس الانقسام. وربما تذهب الآراء بأنه سيناريو مبيت أي موضوع سلفا وأصحابه راهنوا وعملوا على إفشال الحوار. كما أن تشكيل حكومة فتحاوية يترأسها فتحاوي أو فياض، ستكون مثل الواقف وسط السلم. فلا هي حكومة عادية، ولا وفاقية، ولا هي سياسية أو مهنية. إن الحكومة القادمة ستكون أو مفترض أن تكون انتقالية مهمتها التحضير لإجراء انتخابات، والانتخابات لن تعقد إلا إذا تم إنهاء الانقسام. وإذا شكلت حكومة في ظل الانقسام يمكن أن تكرس الانقسام في حين أن الشعب بغالبيته الساحقة يطالب بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة رغم عدم ثقته بأن الأطراف المتخاصمة تضع إرادة الشعب والمصلحة الوطنية العليا، فوق المصالح الفردية والفئوية والفصائلية.

ثالث اجتهاد، وهو قدم عشية الحوار وخلاله من قبل حزب الشعب، كما تناقلت وسائل الإعلام أنه قدم في الجلسة الأخيرة للحوار من الوزير عمر سليمان، ويقضي بأن يقوم الرئيس أبو مازن برئاسة الحكومة التوافقية. وهذه الحكومة بحاجة الى اتفاق. إن الهدف من مثل هذه الحكومة تخطي عقدة البرنامج السياسي حيث إن الثقل الذي يملكه الرئيس أبو مازن ربما يجعل الحكومة غير مطالبة بأن تطرح برنامجا سياسيا. هذا الاقتراح ينطوي على عدة إشكالات: منها عدم الثقة بأن رئاسة أبو مازن يعفيها من البرنامج السياسي، كما أن "حماس" من الصعب أن تقبل بهذا الاقتراح لأنه يقوي الرئيس ويؤدي الى تهميشها والمساس بالمكتسبات التي تحققت لها منذ الانتخابات التشريعية وحتى الآن. ومنها أنه بحاجة لتعديل القانون الأساسي ليسمح بتولي الرئيس الحكومة.

إن شرط الوفاق الوطني على البرنامج الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة هو الشرط الرئيس المطلوب توفره. وإذا توفر يمكن تشكيل حكومة وفاق وطني مهما كان شكلها. أما دون وفاق على برنامج وطني فكيف سيجمع الرئيس في الفترة الانتقالية رئاسة المنظمة والسلطة ورئاسة الحكومة، الأمر الذي يمكن أن يساهم بإضعاف المنظمة في وقت نحن بحاجة ماسة الى تقويتها خصوصا مع تراجع احتمالات التوصل الى اتفاق مع إسرائيل والانعكاسات المحتملة لذلك على مكانة السلطة. والمعضلة أن هذا يمثل عودة الى الوراء الى الفترة الأولى من عمر السلطة وحتى عام 2003 عندما تم استحداث منصب رئيس الوزراء استجابة لخارطة الطريق، التي أرادت باسم الإصلاح إضعاف قيادة ياسر عرفات.

ما سبق يوضح أن كافة الاحتمالات صعبة إما سياسيا أو قانونيا، أو سياسيا وقانونيا الأمر الذي يفرض التفكير مليا وأن نعد للمائة قبل الأخذ بأحد السيناريوهات: بقاء الحكومة كما هي أو الاكتفاء بتعديلها، أو تشكيل حكومة م.ت.ف أو حكومة برئاسة الرئيس، وإيجاد قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة، كما جاء بالحرف الواحد في خطاب جورج بوش الشهير الذي أعلن فيه رؤيته حول الدولتين.

في كل الأحوال، يجب أن يتواصل الحوار، وأن يكون السعي الجاد لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة هو الهاجس الرئيسي، والأولوية على كافة الاحتمالات والسيناريوهات الأخرى.

إن الاتفاق الوطني هو أفضل الحلول جميعا، وهو خيار صعب جدا ولكن يمكن تحقيقه إذا أبدت الأطراف المختلفة مرونة وتنازلا لصالح القضية والشعب، من خلال الاتفاق على برنامج يجسد القواسم المشتركة والشراكة الوطنية على أسس ديمقراطية، وبما يمكن من تشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة وفاق وطني تستند الى القانون الدولي وتنسجم مع الشرعية الدولية، دون أن تلتزم بالالتزامات التي عقدتها المنظمة مع إسرائيل، خصوصا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية أكثر من أية حكومة سابقة، لا تحترم ولا تلتزم بهذه الاتفاقات، فهي حكومة متطرفة وعنصرية، حكومة حرب وتوسيع الاستيطان وتهويد وعزل القدس وهدم المنازل وتفريغها من سكانها، حكومة ترفع شعار طرد فلسطينيي الـ 1948 الى خارج وطنهم الأصلي، تحت لافتة تبادل الأرض والسكان!!.

 

 

مشاركة: