الرئيسية » هاني المصري »   04 كانون الأول 2007

| | |
حكومة سلام فياض 1 –2
هاني المصري

 

قبل أن أتطرق إلى فكرة التعديل أو التغيير الحكومي التي طفت على السطح بعد أنابوليس، سأتوقف أمام حصيلة عمل الحكومة الثانية عشرة، حكومة سلام فياض، بعد أن مضى على وجودها في الحكم مدة كافية للحكم لها أو عليها.

لا يمكن تقييم عمل الحكومة دون التعرف على إخفاقاتها وإنجازاتها إزاء التحديات الكبرى التي واجهتها، وحددتها لنفسها وفقاً لبرنامجها.


التحدي الأول الذي وقفت الحكومة أمامه هو مواجهة تبعات ونتائج الانقلاب الذي أقدمت عليه "حماس" في غزة، والعمل على إعادة الأمور الى ما كانت عليه، ومعالجة الاحتياجات الأساسية للمواطنين هناك، بالإضافة الى تحمل كافة المسؤوليات المترتبة عليها. لقد أخفقت الحكومة أمام هذا التحدي لأنه يمكن أن يكون أكبر من قدرتها على مواجهته، كما أنها لم تضع خطة كفيلة لاستعادة الوحدة السياسية والجغرافية بين الضفة وغزة، بل تركت الأمر كله تحت رحمة الانتظار والمجهول. على الحكومة أن تضع خطة لتحقيق هذا الهدف. خطة تقول إن الوحدة يمكن أن تتم عبر الحوار والمصالحة والسياسة، أو عبر انتفاضة داخلية شعبية ضد سلطة الأمر الواقع في غزة، أو عسكرياً أو أمنياً. من دون وجود خطة نجد أن الانقسام يتواصل ويتعمق، وما قامت به الحكومة على صعيد سد الاحتياجات الأساسية وتحمل مسؤولياتها كان محل قبول ومعارضة واجتهادات متباينة، فهي من جهة قامت بدور مشكور بالوفاء بمسؤولياتها إزاء تلبية الاحتياجات الأساسية وتوفير الرواتب، ومن جهة أخرى، قامت بإجراءات غير حكيمة مثل قطع الرواتب عن أكثر من 30 ألف موظف لعدم استكمال الاجراءات القانونية أثناء تعيينهم. إلا أن هذا الإجراء فسر سياسياً في سياق الاجراءات الرامية إلى محاصرة ومقاطعة سلطة الأمر الواقع، في حين انه أصاب عشرات الآلاف من العائلات بأضرار تتعلق بلقمة عيشهم، وليس ذنب الموظف الذي تقاضى رواتب أثناء حكومة "حماس" وحكومة الوحدة الوطنية، وأصبح له حق مكتسب بالراتب، ان يقطع راتبه في ظل حكومتي الطوارئ وتسيير الأعمال. لا بد من التفريق بين محاسبة "حماس" وسلطة الأمر الواقع، وبين ضرورة أن لا يطال هذا الحساب 1،5 مواطن فلسطيني مقيمين في غزة.

لقد قامت الحكومة بأعمال كثيرة للتخفيف من الحصار المفروض على غزة، إلا أنها تعرضت لحملة ظالمة من إسرائيل أساسها أن إغلاق المعابر تم بالتنسيق بين إسرائيل والسلطة، وان المعابر ستفتح فوراً إذا طلب الرئيس أبو مازن أو رئيس الحكومة سلام فياض أو كلاهما هذا الأمر. لم تستطع الحكومة أن تسوق سياستها المخالفة للادعاءات الإسرائيلية، بدليل أن هناك أوساطاً فلسطينية وعربية ودولية، بعض أطرافها من أنصار وأصدقاء السلطة، مقتنعة بأن السلطة، أو جزءاً منها على الأقل، مشترك في الحصار المفروض على غزة، أو أنها تراهن عليه لإعادة الأمورالى ما كانت عليه. ولعل طلب الحكومة مؤخراً استلام المعابر يفند هذا الانطباع، سواء إذا استجابت اسرائيل له أو لم تستجب. واستعادة الشرعية في غزة مهمة لا يمكن الهرب منها طويلاً، فحكومة أولمرت وضعت اجتثاث "الارهاب" بما في ذلك في غزة شرطاً لتقدم المفاوضات!!.

التحدي الثاني الذي تصدت له الحكومة بنجاح لافت للنظر، هو معالجة الأوضاع الأمنية المتردية في الضفة وحالة الفلتان غير المسبوقة، وفقدان سيطرة السلطة وغياب سيادة القانون. من حق السلطة، والحكومة تحديداً أن تفخر بالانجاز الذي حققته على هذا الصعيد. ولعل ضبط حركة السير والحياة التي أخذت تدب في المحاكم وسوق العقارات ونجاح الخطة الأمنية في نابلس، شواهد بارزة على إنجازات الحكومة.

المعضلة التي لا يمكن القفز عنها طويلاً، تكمن في أن السلطة تتصرف في مسألة الأمن الداخلي، وكأن الاحتلال غير موجود، وكأنه لا يلحق أضراراً فادحة بالأمن الداخلي، ما أوجد حالة غريبة تتولى فيها الأجهزة الأمنية الفلسطينية النظام العام في النهار، بينما يتولى جيش الاحتلال المسؤولية الأمنية العامة، حيث تقوم دوريات الاحتلال بأعمال المداهمة والاعتقال والاغتيال والاقتحام في الليل وفي جميع أنحاء الضفة.

وإذا استمر الحال على هذا المنوال، ستتحول السلطة إلى "إدارة مدنية" في خدمة الاحتلال، وهذا أمر لا يمكن السكوت عنه. نعم للأمن الداخلي، ولكل الاجراءات الممكنة دون تأخير، ولكن كجزء من خطة متكاملة سياسية وأمنية واقتصادية وثقافية واجتماعية، تهدف الى توفير مقومات الصمود في وجه الاحتلال، شريطة أن تتضمن مقاومة الاحتلال من أجل التخلص منه بأسرع وقت وأقل التضحيات. والمقاومة المقصودة، هي المقاومة المثمرة القادرة على تحقيق الأهداف الوطنية، لأنه لا يمكن الجمع بين المقاومة المسلحة والسلطة. وما يجعل أهمية للخطة المتكاملة أن المحاولات التي بذلت قبل أنابوليس، وخلاله وبعده، لم تثمر بوقف العدوان والاستيطان والجدار وتقطيع الأوصال ولا بإطلاق عملية سلام جدية، ما يجعل المفاوضات بحاجة الى مقاومة تسندها وتزرع لها الأرض حتى تستطيع أن تحصد، فالمفاوضات في ظل الاختلال الفادح بموازين القوى ودون مرجعية واضحة ولا ملزمة ستؤدي إما الى الخضوع أو إلى مفاوضات عبثية تدور حول نفسها.

التحديان الثالث والرابع يتعلقان بالحصار المالي وإعادة الاستقرار لميزانية الحكومة، ورفع الحصار السياسي وانهاء حالة المقاطعة، ونستطيع القول إن الحكومة حققت انجازات مبهرة على هذا الصعيد، والدليل تدفق الوفود الأجنبية على أراضي السلطة، وتوقيع الاتفاقيات مع السلطة لمساعدتها، وانتظام الرواتب، والزخم الذي عادت تتمتع به القضية الفلسطينية. إن هذا الانجاز على أهميته يبقى شكلياً، ويبدو ثمناً للانقسام واستمراره، وإذا لم يترافق هذا الإنجاز أو يؤدي إلى عملية سلام جادة قادرة على إنهاء الاحتلال وتحقيق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، فإنه سيصل بنا إلى ما لا تحمد عقباه.

التحدي الخامس الذي واجه الحكومة وأخفقت به اخفاقاً كبيراً هو التخفيف عن المواطنين جراء الاجراءات الاسرائيلية المتواصلة والمعاناة اليومية التي تطال كافة مكونات المجتمع. فقد استمر العدوان والحصار والاستيطان والجدار والاغتيالات والاعتقالات وخنق غزة وفصل القدس، بل لقد ازدادت الحواجز 48 حاجزاً وفقاً للتقارير الإسرائيلية والدولية، ولا يغير من هذه الحقيقة كثيراً ان اسرائيل بدأت بإعطاء تصاريح عمل أو تنقل لكبار الشخصيات والتجار، ولم شمل لدفعات من المواطنين المقيمين داخل وطنهم دون أرقام وطنية، والإفراج عن دفعات من الأسرى مع العلم أن هذا الافراج تم وفقاً للمعايير الإسرائيلية، وفي المقابل، اعتقلت سلطات الاحتلال خلال هذه الفترة، أعداداً أكثر بكثير من المفرج عنهم.

التحدي السادس والأخير الذي تصدت له الحكومة هو السعي لتقديم حالة حكم استثنائية جديدة المعالم والأدوات، شفافة وجريئة تعتمد مبادئ وأساسيات الحكم الرشيد والانفتاح والديمقراطية والإدارة السليمة. ورغم كل المحاولات الحميدة التي قامت بها الحكومة على هذا الصعيد، إلا أنها تبقى مشروخة لأن الحكومة وجدت وولدت في ظروف استثنائية، وبقرارات استثنائية أخذت قوة القانون، وتعرضت هذه القرارات لاجتهادات متباينة جداً حول قانونيتها. ولم تنل الحكومة الثقة من المجلس التشريعي الغائب والمغيب، وليست مسؤولة أمامه، لذا، لا توجد آليات رقابة ومحاسبة ومساءلة دستورية للحكومة، التي هي مسؤولة فقط أمام الرئيس. وما يزيد الطين بلة ان الحكومة ضعيفة كونها مشكلة من المستقلين فقط، وبمشاركة كتلة واحدة صغيرة من كتل المجلس التشريعي، ما يعني أن حركة "فتح" هي التي وفرت الدعم والحماية والغطاء للحكومة. و"فتح" تشعر الآن، أكثر من السابق، خصوصاً بعد النتائج المخيبة للآمال في انابوليس، بأن ما تنجزه الحكومة يحسب لها، ولرئيسها، وما تخفق به تتحمل المسؤولية عنه "فتح". وهذا ربما جعل العد العكسي لتغيير أو تعديل الحكومة يبدأ. وهذا سيكون موضوع مقالنا القادم.

"حماس" والتعداد الوطني للسكان والمساكن..

لم أفهم حتى الآن السبب أو الأسباب التي دفعت "حماس" لمنع تنفيذ المرحلة الثانية للتعداد الوطني للسكان والمساكن من التنفيذ. فجهاز الاحصاء، جهاز وطني، والتعداد العام للسكان والمساكن، عمل وطني من الطراز الأول وله فوائد لا تحصى، ولا يجب ادراجه ضمن الاستقطاب السياسي لصالح هذا الطرف أو ذاك. الواجب الوطني، يفرض على الجميع رغم الخلافات والانقسامات بذل كل ما يمكن لإنجاح هذه الحملة والمساعدة على تحقيق أهدافها. التعداد الوطني لا يكتمل دون غزة، فغزة هي أحد أجنحة الوطن الذي لا يمكن أن يطير دونها.

وإذا كانت "حماس" تريد من جهاز الإحصاء اعترافاً بسلطتها سلطة الأمر الواقع حتى تسمح له بإنجاز الحملة، فهذا كثير وأكبر من قدرة الجهاز على تحقيقه. وإذا كانت تريد شيئاً آخر، أقل من الاعتراف بسلطتها فعليها أن توضح ما تريد، وإذا كان بالمستطاع يجب أن يلبى. أما أن تركب "حماس" رأسها، وتستمر في تعطيل الحملة في غزة، فهذا ضار لـ"حماس" وللوطن والشعب والقضية. فالعناد كفر. أليس كذلك

 

مشاركة: