الرئيسية » هاني المصري »   07 تشرين الأول 2006

| | |
حكومة الكفاءات تتقدم والاستفتاء مخرج أخير
هاني المصري

 

بعد تعثّر ووقف الحوار حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بعد التراجع عن المحددات السياسية المتفق عليها بين الرئيس ورئيس الحكومة، وبين "فتح" و"حماس"، وبعد اتضاح أن حكومة الوحدة الوطنية لن ترى النور إذا لم يتم إقرار المحددات السياسية مرة أخرى بوصفها تمثل الحد الأدنى من التعامل الفلسطيني المطلوب مع الشروط الدولية لفك الحصار المالي واختراق العزلة الدولية، بعد كل ذلك بدأ تعويم فكرة تشكيل حكومة كفاءات وطنية أو اللجوء إذا تعذّر ذلك، إلى الدعوة إلى انتخابات مبكرة. فما دام الجميع، على الأقل علناً، يرفض الدخول في حرب أهلية، لأن الدخول فيها دمار للجميع في ظل تعادل وتوازن القوى القائم في الساحة الفلسطينية، فإن البديل عن الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة أو حكومة كفاءات يكون إما بالتوجه إلى انتخابات مبكرة مباشرة أو الاتفاق على تنظيم استفتاء يهدف إلى حسم أي برنامج سياسي يحظى بدعم الأغلبية الفلسطينية. فإذا فاز عبر الاستفتاء البرنامج الذي يتبناه الرئيس وحركة "فتح"، يصبح التوجه للانتخابات المبكرة إجبارياً، فالشعب مصدر السلطة والدستور والقانون، وكلمته يجب أن تحترم وتكون العليا. الاستمرار في رفض تشكيل حكومة متفق عليها، والعودة إلى رفض فكرة الاستفتاء، يعني الذهاب حتماً وفوراً للحرب الأهلية. الجذر الأساسي الذي يجعل اللجوء إلى الاستفتاء أمراً مبرراً ومقبولاً وليس التفافاً على إرادة الشعب وتجاوزاً لنتائج الانتخابات هو أن لدينا برنامجين شرعيين ومنتخبين. فالرئيس انتخب في 9 كانون الثاني العام 2005 لمدة أربع سنوات على أساس برنامج سياسي واضح. والشعب انتخب كتلة التغيير والإصلاح، بأغلبية على أساس برنامج سياسي آخر يختلف جوهرياً عن برنامج الرئيس، والمجلس انتخب لمدة أربع سنوات. ما العمل والحالة على ما هي عليه؟ إما الاتفاق على برنامج مشترك أو صيغة متفق عليها أو اللجوء إلى انتخابات مبكّرة؟ القانون الأساسي لا يجيز لأحد، بما في ذلك الرئيس، حل المجلس التشريعي، ولا الدعوة لانتخابات مبكرة، فمدة المجلس حسب القانون أربع سنوات، ولا يمكن اختصارها إلا بموافقة المجلس. ولكن القانون الأساسي لا يرفض الاستفتاء ويمكن اللجوء إلى الاستفتاء مجدداً باتفاق إذا تعذّر الاتفاق على حكومة وحدة أو كفاءات أو انتخابات مبكّرة. ومن يرفض كل هذه الخيارات سيتحمل المسؤولية عن العواقب الوخيمة التي يمكن أن تحدث، بل على الأرجح أن تحدث.


لا يعقل السماح باستمرار الوضع الحالي، لأن التدهور التي تعيشه القضية الفلسطينية، والشعب الفلسطيني على كل المستويات والأصعدة يفرض البحث عن حل ومخرج. فاستمرار الوضع الحالي وصفة مؤكدة للحرب الأهلية. "حماس" تراهن على الوقت، وعلى بقائها في الحكم منفردة لأطول مدة ممكنة، وتعتبر أن قدرتها على الصمود لأطول فترة ممكنة تمكنها من الاحتفاظ بالحكم أو توسيع الحكومة بحيث تصبح ائتلافية وطنية ولكن تحت هيمنة "حماس". وحجتها في ذلك أنها حصلت على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي ويجب عليها بسبب ذلك أن تقود كل حكومة، كما صرح هنية والعديد من قادة "حماس"، طوال السنوات الأربع القادمة. كل يوم جديد في الحكومة منفردة، يمكن "حماس" من مد نفوذها وسيطرتها داخل السلطة وأجهزتها ووزاراتها من خلال التعيينات الحزبية، ومن خلال إعادة النظر بالهيكلية الوظيفية، خصوصاً في رأس الهرم الوظيفي. حكومة الوحدة الوطنية التي تعكس شراكة حقيقية وليست وهمية، تفرض حتماً على "حماس" أمرين أساسيين: أولاً: التخلي عن السيطرة المنفردة على الحكومة وهذا سيقيد يديها في التغلغل داخل السلطة. ثانياً: التنازل عن برنامجها السياسي لصالح برنامج الحد الأدنى المشترك. و"حماس" تراهن على فشل "فتح" في الوحدة وعلى عدم قدرتها على تجاوز أوضاعها من خلال الإقدام على الإصلاح والتغيير واستخلاص الدروس والعبر من نتائج الانتخابات السابقة. فرهان "فتح" على فشل "حماس" بالحكم، وعلى مشاركتها الحكم أو إزاحتها من الحكم اعتماداً على الحصار والتجويع لا تخشاه "حماس" كثيراً لأن الحصار مثلما أضر "حماس" فإنه يمكن أن يفيدها. أو يمكن أن يضرها مؤقتاً فقط، لأن الناخب الفلسطيني يلوم "حماس" لأنها لا تبدي المرونة اللازمة، ولكنه لا يزال متعاطفاً معها لأنها الضحية، وفشلت تجربتها بالحكم لأسباب خارجية ولأنها لم تمكن من حكم سلطة شكلتها "فتح" منذ البداية على مقاساتها وصورتها وبأغلبية فتحوية كاسحة، لم تتمكن من الحكم بسبب الحصار والتجويع، فعلى "فتح" أن تعود عبر نجاحها بامتحان الجدارة لا في التسلق على فشل "حماس" أو الحصار لو أعملت "حماس" الفكر أكثر، لوجدت أن تشكيل حكومة كفاءات وطنية أفضل أو أقل الخيارات سوءاً بالنسبة لها. فهي تخرج من الحكم مباشرة دون أن تعود "فتح" منافسها الرئيسي، ولكنها تبقى متحكمة به من خلال أغلبيتها في المجلس التشريعي، فتستطيع "حماس" وقتما تريد أن تحجب الثقة عن الحكومة ككل أو أي وزير فيها. كما أن حكومة الكفاءات الوطنية ستظهر "حماس" بأنها فضلت التخلي عن الحكم حفاظاً على برنامجها، وهذا سيجعلها تظهر بصورة مبدئية ومسؤولة، والطرف الذي استطاع التقليل من خسارته ويمكن أن يحولها في المستقبل إلى نصر جديد. "حماس" ستكون من خلال حكومة الكفاءات الوطنية لا تستطيع التصرف في السلطة كما تستطيع الآن، وانها ستضطر إلى إعطاء هذه الحكومة الثقة رغم اعتمادها على برنامج يختلف عن برنامج "حماس"، برنامج يستطيع فك الحصار المالي وكسر العزلة الدولية. ولكن ذلك أهون بكثير من استمرار الوضع الحالي ومن أن تتحمل "حماس" مسؤولية التخلي عن برنامجها مباشرة. برنامج الحكومة هو الأهم.. ولا يقلل كثيراً من أهمية هذه النقطة، محاولة "حماس" أن تدفع لكي تكون حكومة الكفاءات الوطنية، حكومة خدماتية إدارية عبر ترك الملف السياسي من صلاحيات م.ت.ف. فكل الصيغ الحكومية ستجد نفسها في بداية ونهاية الأمر، أمام ضرورة التعامل مع الشروط الدولية، بصيغة أو بأخرى ستجد نفسها أمام ضرورة إقرار برنامج يتضمن تأكيد الالتزام والموافقة على الاتفاقيات السابقة التي أبرمتها "م.ت.ف" وإسرائيل. صحيح يمكن التقليل من أهمية هذا الالتزام، بالاحتفاظ بحق مراجعة هذه الاتفاقيات، خصوصاً أن إسرائيل تجاوزت هذه الاتفاقيات، بما يسمح بإمكانية ربط الالتزام الفلسطيني بالتزام إسرائيلي مقابل لها. وهذا لن يحدث لأن إسرائيل بعيدة تماماً عن العودة لهذه الالتزامات. الموافقة الفلسطينية على الاتفاقات السابقة لن تحييها، وإنما تسقط الذريعة الإسرائيلية والأميركية والدولية، وتجعل إسرائيل في موقف حرج، وبموقف من يخرق هذه الاتفاقيات، ويخرج الفلسطينيين من المأزق الحالي الذي يعاقبون فيه على جريمة لم يرتكبوها. فحكومات إسرائيل من حكومة بيريس الانتقالية إلى حكومة أولمرت، هي من قتلت اتفاق أوسلو وملحقاته، وهي من يجب أن يتحمل مسؤولية ذلك. أما مسألة نبذ العنف فيمكن الالتفاف عليها، من خلال الاتفاق على تمديد التهدئة، عبر اتفاق متبادل على وقف العدوان مقابل وقف المقاومة المسلحة، والاحتفاظ بحق الفلسطينيين بمقاومة الاحتلال. أما مسألة الاعتراف فيمكن حلها، عن طريق إقرار معادلة دولتين لشعبين، والمطالبة باعتراف متبادل، تعترف إسرائيل بموجبه بحق الفلسطينيين بإقامة دولة على الأراضي المحتلة العام 7691، مقابل تجديد الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل على خطوط ما قبل حرب حزيران 7691. "حماس" تسير نحو الموافقة على حكومة كفاءات.. المعلومات المؤكدة السرية وشبه العلنية، تشير إلى وجود اتجاه قوي داخل "حماس" يقبل بتشكيل حكومة كفاءات وطنية. وهذه الحكومة مخرج معقول. صحيح أنها ليست أفضل صيغة. فحكومة وحدة وطنية تشارك فيها الفصائل والكفاءات الوطنية المستقلة، صيغة أقوى بكثير، لأنها تحمل الفصائل التي لها ثقل على الأرض المسؤولية، ولأنها أقدر على التعامل مع الميليشيات المسلحة وحالة الفوضى والفلتان الأمني. حكومة الكفاءات ستكون أضعف، كما أنها مؤقتة لن تستمر أكثر من عام، ولكن دورها سيكون بالغ الأهمية، كونها ستخرجنا من المأزق الراهن المفتوح على كافة الاحتمالات بما فيها الحرب الأهلية. حكمة أخيرة لـ "حماس" أقدمها لها من موقع الحرص على دورها وعلى الحفاظ على القضية، عليك المسارعة بالموافقة على حكومة وحدة وطنية، فلا تملك ترف الوقت، فالوقت من دم والتاريخ لا يرحم، على أساس وثيقة الأسرى والمحددات السياسية. وإذا وجدت أن ثمن هذه الحكومة غالٍ، أو أكثر من قدرتك على دفعه عليك أن تعطي الضوء الأخضر لتشكيل حكومة كفاءات وطنية بسرعة وفوراً. فالرهان على التطورات المقبلة غير مضمون، وأن يكون البيت الفلسطيني موحداً يجعله أقوى في مواجهة أية تطورات سلبية أو إيجابية. أما بقاء الوضع على حاله سيفاقم الفوضى ويوزع الفلسطينيين على المحاور بعيداً عن قضيتهم ومصالحهم الوطنية. وإذا لم توافق "حماس" أيضاً على حكومة كفاءات عليها أن توافق على إجراء انتخابات مبكرة دون اللجوء إلى استفتاء أو بعد الاستفتاء إذا فاز برنامج الرئيس و"فتح" في الاستفتاء. تغيير قانون الانتخابات.. وإذا تقرر في نهاية الأمر، أو إذا وصلنا إلى الانتخابات يجب وضع قانون الانتخابات على جدول الأعمال. فالتمثيل النسبي الكامل، يساعد على صدق تمثيل الفلسطينيين وحسم تمثيلهم على أكمل وجه. ويساعد على أن تأتي نتائج الانتخابات القادمة لتحسم الموقف والازدواج في السلطة، فلا تبقى سلطة برأسين. ويكون الرئيس منسجماً مع أغلبية المجلس التشريعي بحيث تكون الحكومة القادمة، حكومة الرئيس وتساعده على القيام بعمله، كما جاء في نص القانون الأساسي. لقد راهنا على الانتخابات السابقة، ولم تحسم الموقف بل زادته تعقيداً. وعلينا أن نوفر كل ما يجعل الانتخابات القادمة طريقاً لصون القضية الوطنية والوحدة والتعددية في اطار برنامج وطني. وعلى الجميع أن يستعد لتقبل نتائج الانتخابات مهما كانت. فهناك من أصبح يتحمّس لإجراء الانتخابات لأنه يعتقد أنه سيفوز بها. وإذا لم يفز يمكن أن ينقض عليها. الاحتكام للشعب يجب أن يترافق مع الاستعداد لاحترام إرادته ونتائج الانتخابات. إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية معاً يشكل المخرج، لأن الرئيس سواء أكان من "حماس" أم من "فتح" سيكون على الأرجح منسجماً مع الأغلبية البرلمانية القادمة!

          

مشاركة: