الرئيسية » هاني المصري »   07 تشرين الأول 2006

| | |
حكومة الكفاءات الوطنية بديل ديمقراطي لديه فرصة للنجاح
هاني المصري

 

أطلقت مجموعة من الشخصيات والفعاليات الوطنية والمثقفين والاكاديميين والاعلاميين مبادرة تقوم على تشكيل حكومة انتقالية من الكفاءات المستقلة لمدة عام، اذا لم تنجح الجهود والحوارات الرامية لتشكيل حكومة وحدة وطنية حتى نهاية شهر رمضان المبارك. فلا يمكن استمرار الحوار من اجل الحوار، وبدون سقف زمني بينما الوطن يضيع. تكتسب هذه المبادرة اهمية خاصة ولديها فرصة للنجاح، وذلك للاسباب التالية: اولاً: المبادرة نجحت في عدم الوقوع في فخ الاستقطاب الثنائي الحاد، ولم تكن ضحية التوظيف من هذا الطرف او ذاك، فهي لا تنحاز لطرف ضد الآخر وذلك رغم الانتقادات التي وجهت لها من قطبي الخلاف، في محاولة لتطبيق مقولة "من ليس معي فهو ضدي"، "ومن ليس معي ولا مع خصمي، فهو وسطي توفيقي انتهازي" فالمهم الآن انقاذ الوطن والقضية وليس تسجيل النقاط على هذا الفصيل او ذاك، او ضد هذا البرنامج او ذاك. هذا مع العلم أنه لا يوجد فصيل يحتكر الحقيقة، وبعيد عن الاخطاء والخطايا. "ومن منكم بلا خطيئة فليرجمني بحجر". ثانياً: المبادرة، رغم ان التوقع العام للموقعين على المبادرة هو أن إمكانية الاتفاق على حكومة وحدة وطنية باتت ضئيلة جداً، إلا أنها لا تسقط احتمال الاتفاق على حكومة وحدة وطنية باعتبار ذلك الخيار الافضل لمعالجة الازمة الراهنة. فالمبادرة تدرك الاسباب العميقة وراء تراجع امكانية الاتفاق على حكومة وحدة وطنية، وهي تفشيى التفرد والاستئثار والهيمنة على السلطة، والخلافات الواسعة خصوصاً بين فتح وحماس على برنامج الحكومة.

 بين الدعوة للموافقة على الشروط الدولية الثلاثة وبين رفضها او التعامل معها بصيغة "لنعم" الشهيرة التي كان يستخدمها ويتقنها الرئيس الراحل ياسر عرفات. ومضت المبادرة إلى أبعد من اعطاء فرصة اخيرة لتشكيل حكومة وحدة وطنية حتى آخر شهر رمضان المبارك، من خلال تأكيدها ومطالبتها باستمرار الحوار والجهود لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية حتى بعد اقامة الحكومة الانتقالية المقترحة. فالمشاورات من اجل حكومة الوحدة يجب ان تتواصل كونها ستجري في ظروف مريحة، ويكون لديها الوقت الكافي بعيداً عن الاستقطاب الحاد والتوتر والاستفزاز والتحريض المتبادل. ثالثاً: لم تهمل المبادرة مسألة تفعيل واصلاح المنظمة من خلال المطالبة بتفعيل اللجنة العليا التي اتفق عليها في حوار القاهرة، والتأكيد على تطوير المنظمة على اسس انتخاب مجلس وطني جديد خلال الفترة الانتقالية على قاعدة التمثيل النسبي الكامل. فالمنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد، وبدون اصلاحها وتطويرها ومشاركة الجميع بها لا يمكن استنهاض طاقات وكفاءات الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وخارجه. رابعاً: تضمنت المبادرة صيغة خلاقة لحل الخلاف السياسي من خلال تأكيدها على اضطلاع م.ت.ف، بمتابعة الملف السياسي وذلك من خلال تفعيل اللجنة العليا التي اتفق عليها في حوار القاهرة، وبدون ان تبقي هذا الموضوع الذي يشكل العقبة الرئيسية، غامضاً او معلقاً، من خلال الاشارة الى تشكيل حكومة الوحدة على اساس وثيقة الوفاق الوطني ومحددات برنامج الحكومة السياسي والتي تم الاتفاق عليها بين الرئيس ابو مازن وحركة فتح ورئيس الحكومة اسماعيل هنية وحركة حماس. خامساً: شارك في بلورة المبادرة او كان في اجواء التحضيرات لها مختلف الوان الطيف السياسي، حيث شاركت في الاجتماعات التحضيرية اعداد كبيرة من الشخصيات والفعاليات والنواب وممثلي الفصائل والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات الاهلية والاكاديميين والمثقفين والاعلاميين. ورغم تحفظ بعض المشاركين على بعض الصياغات والاولويات، الا ان المبادرة لاقت ترحيباً واسعاً وصل الى حد تشجيعها من اوساط واسعة في حركتي "فتح" و"حماس"، ومن الرئيس، ما يجعلني اجازف بالقول ان هذه المبادرة لديها فرصة طيبة للنجاح، خصوصاً اذا تم العمل عليها كما يجب وليس على غرار المبادرات والعرائض والمذكرات السابقة التي كان يكتفى بنشرها في وسائل الاعلام، ما جعلها ليست اكثر من تسجيل موقف للتاريخ بدون القدرة على الاقدام على صناعة التاريخ. سادساً: الافكار والمقترحات الواردة في المبادرة تبرهن مجدداً على امكانية بلورة برنامج مشترك يجسد القواسم المشتركة، وقادر على صب كل الطاقات والجهود والكفاءات والابداعات الفلسطينية باتجاه واحد بما يكفل تحقيق المصالح والاهداف الوطنية، بعيداً عن البرامج والمصالح والاجندات الخاصة والفصائلية والفردية، فشرط نجاح المبادرة حصول توافق وطني حولها، وهذا يتضح من خلال تأكيد المبادرة على حاجتها الى شبكة أمان من المجلس التشريعي حتى ترى الحكومة الانتقالية النور، وشبكة الأمان لا يمكن ان تتوفر بدون تأييد اغلبية من اعضاء المجلس التشريعي (نصف الاعضاء + واحد) كما ينص القانون الاساسي، ولكي تحصل هذه الحكومة المقترحة على ثقة المجلس يجب ان توافق عليها كتلة التغيير والاصلاح، فبدون اصواتها لا تستطيع كافة الكتل الأخرى تأمين العدد اللازم لكي تنال هذه الحكومة، واية حكومة أخرى على ثقة المجلس التشريعي. ولا تكفي ثقة المجلس التشريعي بل ان الحكومة الانتقالية بحاجة لكي ترى النور وتنجح في عملها الى دعم الفصائل والميليشيات المسلحة والا ستسقط عند اول امتحان، وتكون ضحية اخرى لحالة الفوضى والفلتان الامني التي تستشري داخل الساحة الفلسطينية. ويعطى لهذه المبادرة اهمية كبرى كونها اسقطت كافة الدعوات والاقتراحات الانفرادية والانقلابية والاقصائية واللادستورية،، مثل تشكيل حكومة طوارئ رغم قانونيتها او الدعوة لاجراء انتخابات مبكرة خلافاً للقانون وبدون توافق وطني، او اقالة الحكومة رغم قانونية هذا الاجراء، او بقاء الحكومة الحالية (مع العلم انها حكومة شرعية)، الا ان استمرار الاوضاع الحالية على ما هي عليه يتنذر بحدوث كوارث سياسية وتعليمية وصحية واقتصادية واجتماعية وامنية، بدأت مقدماتها ونذرها تتجمع منذ فترة في السماء الفلسطينية، فهل نتعظ قبل فوات الأوان. واذا اردنا انجاح هذه المبادرة فلا بد من العمل في اتجاهين: الاتجاه الاول: العمل من اجل تذليل عقبة البرنامج السياسي للحكومة الانتقالية اذا تعذر الاتفاق على حكومة وحدة وطنية. فلا يكفي القول: ان م.ت.ف، تضطلع بالملف السياسي بوصفها الممثل الشرعي الوحيد وصاحبة التفويض بالتفاوض والتي سبق ان وقعت على اتفاق اوسلو وملحقاته. فأية حكومة مقبلة مهما كان شكلها لن تقوى على الاقلاع عربياً ودولياً ما لم تعتمد برنامجاً وطنياً واقعياً يحفظ الاهداف والحقوق وتتمتع بالمرونة الكافية لتمكينها من العمل بفعالية. فأية حكومة مقبلة يجب ان تكون قادرة على فك الحصار المالي وازالة العزلة الدولية حتى تستطيع العمل دائماً ببرنامجها. او على الاقل يجب ان تكون قادرة على احداث اختراق في الحصار المالي والعزلة الدولية. الاتجاه الثاني: الادراك بأن المبادرات والبيانات والعرائض، مهمة ولكن اهميتها معنوية باقية ولكن تأثيرها يبقى محدوداً، ما لم تتوفر لها القدرة على استنهاض الشعب والفعاليات والفصائل حولها لتشكيل قوة ضغط متراكمة بسرعة حتى تكون قادرة على وجود بديل ديمقراطي وطني للأزمة المدمرة والخيارات الخطرة. وهذا البديل يستحق من كل من يؤمن به، عدم الاكتفاء بالتوقيع على المبادرة وتأييدها بل لا بد من تنظيم حملة وطنية سياسية شعبية اعلامية شاملة لانجاحها. على كل فرد، وكل شخصية اعتبارية، وكل نقابة وجمعية واتحاد، وكل فصيل، يعتقد ان نجاح هذه البادرة يمكن ان يوقف التدهور الحاد في مكانة القضية الفلسطينية، في ظل العدوان الاحتلالي اليومي بكافة مظاهره العسكرية والاستيطانية والاقتصادية والسياسية ضد شعبنا، ويمكن ان يوقف تردي الاوضاع الاقتصادية والمعيشية للجماهير الفلسطينية، وتوقف خدمات الصحة والتعليم والقضاء والخدمات الحكومية الاخرى وتفشي الفوضى والفلتان الأمني، ان يتصرف كما لو انه مرشح في الانتخابات، فالمرشح للانتخابات يضع كل ثقله وامكاناته من اجل النجاح. لماذا لا تقسم الشخصيات المؤمنة بهذه المبادرة نفسها الى مجموعات وتنزل الى الشوارع والبيوت وتتفاعل مع الشعب في كل مكان لدفعه للتحرك من اجل انقاذ الوطن والقضية؟ لماذا لا تتم الدعوة لمؤتمر بل مؤتمرات شعبية في جميع المحافظات هدفها وقف التآكل الداخلي والدعوة لانقاذ الوطن عبر حكومة انقاذ وطني، حكومة وحدة او حكومة انتقالية؟ لماذا لا يتم العمل من اجل تنظيم تظاهرات حاشدة في كل المدن والقرى والمخيمات تهتف للوحدة وللوطن بدلاً من تظاهرات التعبئة والاستقطاب التي تهتف للفصيل على حساب الوطن. أو لماذا لا تتم الدعوة لاضرابات عن الطعام حتى يتم انهاء هذه الازمة التي يهدد استمرارها بالاطاحة بكل ما حققه الشعب الفلسطيني بعد تضحيات غالية ونضالات بطولية؟ هل ما سبق مستحيل؟ لا بالتأكيد، انه ممكن! اذا توفرت الارادة والعزيمة لتحقيقه!A

 

 

مشاركة: