الرئيسية » هاني المصري »   20 تشرين الأول 2007

| | |
حصاد جولة رايس: الوثيقة الغامضة واللاجدول الزمني
هاني المصري

 

عادت رايس من جولتها الأخيرة بخفي حنين. والسبب وراء فشل رايس انها لم تستخدم ثقل الولايات المتحدة الأميركية للضغط على اسرائيل وانما كانت مجرد مراسل مهمته نقل الموقف الاسرائيلي للفلسطينيين ومحاولة اقناعهم به.


رايس تبنت الموقف الاسرائيلي وراحت تسوق للرئيس أبو مازن مسألة الموافقة على وثيقة مشتركة غامضة مختصرة، تسقط قضية اللاجئين وتشير للقضايا الاساسية الاخرى، بطريقة تقترب ولا تقترب منها، ما يذكرنا بأغنية فيروز الشهيرة "تعى لا تيجي"، وتترافق مع سقف زمني يشبه الجدول الزمني بدون ان يكون كذلك! عجبي!! الحجة الاميركية لتبرير هذا الموقف المنحاز كليا لاسرائيل بسيطة وهي ان حكومة اولمرت ستسقط اذا ابدت مرونة في القضايا الاساسية وإذا وافقت على الجدول الزمني. واذا ذهبت الحكومة الاسرائيلية الحالية، فالبديل عنها اسوأ بكثير. حكومة برئاسة باراك، او على الارجح، نتنياهو. مرة اخرى بوضع مصير الفلسطينيين والمنطقة برمتها رهينة للأوضاع الداخلية الاسرائيلية. فما دامت اسرائيل غير جاهزة، فعلى الفلسطينيين والعالم كله ان ينتظر. بعد هذه الحصيلة المخيبة للآمال بات الفلسطينيون يستعدون للأسوأ، وأطلق ابو مازن صرخة احتجاجية يمكن ان تتحول الى تهديد اذا لم يحصل على اي شيء من "المؤتمر" القادم. فهو قال انه لن يذهب الى انابوليس بأي ثمن، وإنه يصر على ضرورة الاتفاق على الجدول الزمني. اما مسألة التنازل عن قضية اللاجئين كلياً، فهي غير واردة لا الآن ولا في المستقبل.

رغم ذلك كله، أعرب الرئيس بوش عن تفاؤله بفرص انعقاد ونجاح اجتماع انابوليس، واعتبرت رايس ان زيارتها مشجعة، رغم ما رافقها من توتر طبيعي وخلافات في الرأي، فبوش ورايس لا يلتفتان لصرخة الاحتجاج التي أطلقها ابو مازن. فالمهم إرضاء اسرائيل. ولا يوجد ما يمكن الخوف منه من الفلسطينيين.

من جهتي، لم استغرب ما انتهت اليه جولة رايس، ولا الانحياز الاميركي المتكرر دائماً للموقف الاسرائيلي، ولن استغرب ان تتجه الأمور نحو الأسوأ، بحيث تزداد الضغوط الاميركية على الفلسطينيين مباشرة او عبر توسيط أطراف عربية وغير عربية لاقناعهم بتليين الموقف الفلسطيني حتى لا يفشل المؤتمر او لا يعقد ابدا، وتحميلهم المسؤولية عما سيحدث.

السؤال هو: لماذا ستقوم الادارة الاميركية التي يترأسها شخص مثل بوش الابن المعروف بأيديولوجيته الاصولية وسياسته الحمقاء المتطرفة بالضغط على اسرائيل؟ فما دام الفلسطينيون تخلوا عن كل اوراق القوة والضغط التي كانوا يملكونها او يمكن ان يحصلوا عليها وساروا وراء الرهان على المفاوضات وعملية السلام، وعلى حسن نوايا الاميركيين والاسرائيليين. وما دام العرب في أسوأ أحوالهم وتركوا الفلسطينيين لمواجهة مصيرهم بمفردهم، بحجة ان أهل مكة أدرى بشعابها، او شماتة بهم على أساس انهم هم الذين اختاروا حل قضيتهم بمفردهم وبعيداً عن العرب.

ان العالم اليوم لا يفهم سوى لغتين: لغة القوة ولغة المصلحة. والذي لا يتقن او لا يقدر على استخدام هاتين اللغتين عليه أن يقبل بالفتات الذي يلقى له.

فإذا لم تشعر الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل انهما ستخسران من استمرار الاحتلال والعدوان والاستيطان والجدار وتقطيع الاوصال واستمرار جمود عملية السلام او العودة لدوامة المفاوضات العبثية التي تدور حول نفسها بدون نهاية، اكثر مما تربحان فانهما ستواصلان اللعبة القديمة نفسها.

هل يتذكر احد عدد المبادرات والمؤتمرات والاتفاقات والزيارات والتقارير التي عقدت وتمت وطرحت منذ مؤتمر مدريد حتى الآن برغم ذلك لم نقترب من السلام. ولم يقترب موعد قيام دولة فلسطينية. بل على العكس من ذلك سياسة فرض الحقائق على الارض التي تمارسها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، سواء إذا كان هناك مفاوضات أم مجابهة، تجعل هدف الدولة الفلسطينية المستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس والتي تقوم على الاراضي المحتلة عام 7691 يبتعد مع فجر كل يوم جديد.

وعلى أهمية الوثيقة الواضحة والجدول الزمني الا ان الاهم بكثير ان يسعى الفلسطينيون والعرب لامتلاك اوراق القوة والضغط حتى تأخذهم إدارة بوش وحكومة اولمرت على محمل الجد وتحسب لهم الف حساب. وإذا لم يترافق ما يتم الاتفاق عليه مع آلية تطبيق ملزمة وضمانات دولية مع دور دولي فاعل مقرر فلا معنى لكل ما يجري. أما إذا استمرت سياسة الاستجداء والاسترضاء والقبول بالفتات، فنسير من سيئ لأسوأ حتى لو سلمنا جدلاً ان اسرائيل تنازلت ووافقت على جدول زمني. فالجداول الزمنية على أهميتها يتم تجاوزها اذا لم تكن النوايا حسنة، واذا لم تكن موازين القوى وحساب الربح والخسائر تفرض تطبيقها.

فاتفاق اوسلو تضمن جدولاً زمنياً كان يقضي بالاتفاق على قضايا الوضع النهائي في العام 9991. كما كان يتضمن أن تنسحب القوات الاسرائيلية في المرحلة الانتقالية من 09% من الاراضي المحتلة قبل الشروع في مفاوضات الوضع النهائي. ورؤية الرئيس بوش. كانت تقضي بإقامة دولة فلسطينية عام 5002. وخارطة الطريق تضمنت جدولاً زمنياً لم يلتفت أحد لها ولا لجدولها الزمني، لأن شارون قرر أن يفرض على الجميع اللعب في ملعبه، ملعب الخطوات أحادية الجانب، والتي تمحورت في عهده على فك الارتباط عن قطاع غزة.

إذا اراد الفلسطينيون وثيقة واضحة وجدولاً زمنياً قصيراً ويحترم، عليهم ان يضعوا استراتيجية فلسطينية جديدة، تركز على الوحدة الفلسطينية أولاً وعلى الصمود وتعزيز مقومات الوجود البشري العربي الفلسطيني على أرض فلسطين ثانياً، وعلى المقاومة المستمرة القادرة على تحقيق الاهداف الوطنية ثالثاً، وعلى استعادة البعد العربي والتحرري والانساني للقضية الفلسطينية رابعاً، وعلى التمسك بالاساس القانوني والسياسي المتمثل بالحقوق التاريخية والطبيعية للشعب الفلسطيني، وبالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية كمرجعية وحيدة للمفاوضات خامساً.

طريق المفاوضات وحدها، والمزيد من المفاوضات، والمزيد من المفاوضات جرب وفشل. وإذا لم تترافق المقاومة المستمرة، المقاومة الشعبية مع المفاوضات سنبقى ندور في حلقة مفرغة، ونذهب من مؤتمر الى آخر، ونتعلق ونجري وراء مبادرة وراء مبادرة، وتبقى الارض تضيع، والقضية تتدهور، والانسان الفلسطيني يدفع الثمن الغالي دون أن يحقق شيئاً، فهل نأخذ الدروس والعبر ونتعظ مما جرى قبل فوات الأوان؟ وقبل تضييع المزيد من الوقت بالجري وراء السراب!.

 

 

مشاركة: