الرئيسية » هاني المصري »   27 تشرين الثاني 2007

| | |
حتى لا يكون عام 2009 أسوأ من عام 2008
هاني المصري

 

في نهاية كل عام نتمنى ان يكون العام القادم افضل منه او اقل سوءا من سابقه. في نهاية عام 2008 اخشى ان الامنية الواقعية التي يجب ان نتمناها هي ان لا يكون عام 2009 اسوأ من العام الحالي. فقد كان عام 2008 اسوأ عام مر على الفلسطينيين منذ فترة طويلة، ومن الصعب التفكير اننا يمكن ان نشهد عاما اسوأ منه.

اي فلسطيني يستطيع بلا اي تردد ان يكسر جرة وراء عام 2008 على امل ان لا يشهد عاما اخر مثله، فكيف الحال اذا كان العام القادم اسوأ منه. فلم تكن القضية الفلسطينية منذ ان استعادت مكانتها بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في وضع اسوأ مما هي عليه الان. فقد تراجعت مكانة القضية عربياً ودولياً، وتقدمت عليها قضايا اخرى كثيرة. حتى الفلسطينيين انشغلوا عن قضيتهم ودخلوا في صراع داخلي مدمر، ابتدأ بالسلطة برأسين، ومر في مرحلة الاقتتال والتحريض، وانتهى الى الانقسام السياسي والجغرافي المؤقت المرشح للتحول الى انفصال دائم. وعندها لن يبقى الانقسام محصورا في الاطر السياسية والفوقية فقط وانما سيمتد الى كافة الاطر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية .

 

لقد اظهر استمرار الانقسام في عام 2008 وتعمقه اكثر، ان جذوره عميقة ومتعددة، ما يجعل هدف استعادة الوحدة صعب المنال اكثر واكثر، وبحاجة الى ارادة فلسطينية جادة ومثابرة ومستقلة، والى دعم عربي، والى مساعدة او على الاقل الى اجواء ايجابية اقليمية ودولية مواتية، والى ضوء اخضر اميركي ــ اسرائيلي. فالعامل الخارجي ساهم في ايجاد الانقسام الفلسطيني ويساهم في تكريسه باستمرار.

ان الانقسام ليس حدثا عابرا، وانما هو واقع سياسي نجم عن اختلاف الظروف بين الضفة وغزة، الناجم عن اسباب تاريخية وعن حرص الاحتلال على الفصل بينهما خصوصا بعد تأسيس السلطة، لان الاحتلال يهدف الى الانفصال عن غزة، كما بدا ذلك واضحا في خطة فك الارتباط، من أجل تأكيد سيطرته المباشرة على جزء كبير من مساحة الضفة خصوصا في القدس، وسيطرته غير المباشرة على ما تبقى من الضفة التي هي محل اطماع اسرائيلية متعددة، فهي اكثر من الحديقة الخلفية لاسرائيل، انها مجالها الحيوي الاستراتيجي. فاسرائيل التي ابقت على عدم التواصل بين الضفة وغزة حتى من خلال عدم فتح الممر الامن المتفق عليه في اوسلو، والتي اقدمت على خطوة الانفصال احادي الجانب في غزة، واعادة احتلالها المباشر للضفة هي التي بذرت شروط الانقسام وتحرص على استمراره وتعميقه؛ فالانقسام الفلسطيني كما قال شمعون بيريس رئيس اسرائيل حدث يرقى باهميته الى الاحداث التاريخية الكبرى التي مرت على المنطقة في القرن الاخير، وهي اقامة اسرائيل وهزيمة العرب في حرب حزيران 1967.

هذا لا يعني عدم وجود اسباب فلسطينية كثيرة للانقسام تتعلق باختلاف البرامج والمصالح والعقائد والارتباطات العربية والاقليمية والدولية للاطراف الفلسطينية المختلفة، ولكن هذه الاسباب الفلسطينية كانت ستجد الحل بسهولة اذا لم تتقاطع مع الاسباب الخارجية التي لا تقتصر على الدور الاسرائيلي الرئيسي، بل تمتد لتصل الى تاثير المحاور والصراعات المختلفة في المنطقة وانعكاسها على ما جرى ويجري في فلسطين، لجهة استخدام القضية الفلسطينية كورقة لتعطيل وتحسين شروط الاطراف والمحاور المختلفة في عملية اعادة رسم خارطة المنطقة مجددا بعد احتلال العراق والمتغيرات الاقليمية والدولية التي وصلت ذروتها في الازمة المالية العالمية، وفي وصول النظام العالمي صاحب سيطرة القطب الواحد، الى نهاية حياته مما يفتح الباب رويدا رويدا لنشوء نظام عالمي جديد متعدد الاقطاب.

ان انشغال العالم بتداعيات الازمة المالية العالمية، وتأثر المنطقة المرتقب خصوصا بعد انخفاض اسعار النفط، وانعكاس كل ذلك على شعوب وبلدان المنطقة العربية بشكل عام وعلى القضية الفلسطينية بشكل خاص، التي عوملت كقضية متراجعة الاهمية ويمكن ان تعامل ايضا في العام القادم على هذا الاساس، خصوصا ان العام القادم سيبدأ باستحقاق التاسع من كانون ثاني القادم، الذي يمكن ان يكون ايذانا لمرحلة جديدة يتحول فيها الانقسام الفلسطيني المؤقت لانفصال دائم. ويكون لدينا بعده سلطة في الضفة لها رئيس ومجلس تشريعي وحكومة، واخرى في غزة لها رئيس ومجلس تشريعي وحكومة . هذا يعني ان الفلسطينيين سيواصلون عملية الاستنزاف والتدمير الذاتي لطاقتهم، ما لا يجعل العالم بمن فيهم الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما، حتى اذا اراد، متحمسين للمغامره بالدخول لفرض حل عادل او متوازن للقضية الفلسطينية. اذا كان اصحابها اول من يقوم بحمل معاول الهدم لتدميرها!!!

ما يزيد الطين بلة، ان اسرائيل غير جاهزة للسلام، فهي تتصرف ان امامها فرصة تاريخية لتوظيف الانقسام الفلسطيني لتحقيق اهدافها التوسعية والعنصرية والاستيطانية والعدوانية بشكل اسرع وتكاليف اقل. واسرائيل مقبلة على انتخابات المرشح الاوفر حظا فيها هو اليمين الاسرائيلي بزعامة بنيامين نتنياهو وهو يرى ان الفلسطينيين والعرب عليهم ان يدفعوا اكثر بكثير مما دفعوه حتى الان لاسرائيل، حتى تعقد تسوية معهم تعيد لهم فيها جزءا من اراضيهم المحتلة عام 1967. فالوقت ليس وقت السلام السياسي، كما يقول نتنياهو، وانما هو زمن السلام الاقتصادي وتوفير الامن لاسرائيل، كمرحلة تكسب فيها اسرائيل المزيد من الوقت لاستكمال تطبيق مخططاتها قبل الحديث عن توقيع التسويات خصوصا مع الفلسطينيين، الذين هم في أضعف حالاتهم حاليا، ولا يستحقون عقد تسوية معهم، بل فرض الحل الاسرائيلي عليهم.

في هذا السياق، اذا لم يبادر الفلسطينيون لاحياء قضيتهم عبر اعادة الاعتبار لبرنامجهم الوطني، القادر وحده على اعادة توحيدهم ستذهب ريحهم وتضيع قضيتهم . فالوحدة المطلوبة ليست حاصل الجمع ما بين البرامج والمصالح والعقائد والتحالفات المتناقضة، فمثل هذه الوحدة مستحيلة، واذا تحققت ستكون هدنة جديدة سرعان ما تنهار، مثل الهدنة التي تحققت بعد توقيع اتفاق مكة، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية. أما الوحدة القادرة على الانتصار فهي التي تقوم على القواسم المشتركة والكفاح لتحقيق المصالح الوطنية العليا.

فاذا لم يدرك الفلسطينيون ان تخليهم عن برنامجهم الوطني برنامج الحرية والعودة والاستقلال وحقهم في تقرير المصير، هو المسؤول عن انقسامهم وعن تآكل سقفهم التفاوضي من برنامج الدولة الديمقراطية الواحدة الى اعلان أنابوليس، مرورا بمبادرة السلام الفلسطينية عام 1988، ومؤتمر مدريد عام 1991، واتفاق أوسلو وملحقاته، وخارطة الطريق وخطط تينيت وزيني وميتشل ودايتون، فانهم لن يكون باستطاعتهم انهاء الانقسام. فالانقسام لا ينتهي باحياء نظام الكوتا الفصائلي، وتغيير قائمة المستفيدين منه، فبدلا من" فتح" وبقية فصائل، م.ت.ف، توزع الكعكة بين "فتح" و"حماس" . فبدون برنامج وطني يعتمد على استراتيجيات الصمود والمفاوضات والمقاومة والعمل السياسي الجاد والبناء والديمقراطية والمشاركة الوطنية والمساواة، لا يمكن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

وفي ظل الانقسام لا يمكن أن يكون هنالك مفاوضات جادة وقادرة على الحصاد، واذا افترضنا جدلا أنها توصلت لاتفاق فهو لن يطبق ما لم تمد السلطة نفوذها الى غزة كما تشترط اسرائيل، بل وستكون المفاوضات، كما كانت بعد مسار أنابوليس، مجرد محاولة لكسب الوقت وللتغطية على ما تقوم به اسرائيل من خلق حقائق على الأرض تجعل أكثر وأكثر الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن عمليا.

كما تستهدف المفاوضات، التي دارت بعد مؤتمر أنابوليس، تكريس المفاوضات الثنائية بعيدا عن مرجعية القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وبلا دور دولي فاعل ولا ضمانات دولية ملزمة. وتهدف الى اعادة التنسيق الأمني الفلسطيني ــ الاسرائيلي، بدون الزام اسرائيل بتطبيق التزاماتها، ونبذ المقاومة الفلسطينية، واعتماد المفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع، في وقت تواصل فيه اسرائيل كل أنواع العدوان والحصار وتقطيع الأوصال والاستيطان، وتسعى لإنضاج طرف فلسطيني يحول السلطة من نواة لإقامة دولة فلسطينية تجسد مصالح واحلام الفلسطينيين الى وكيل أمني للاحتلال. ويمكن أن تأخذ السلطة اسم الدولة الفلسطينية التي لن تكون دولة الا بالاسم ومحمية اسرائيلية الهدف من إقامتها الحفاظ على اسرائيل كدولة يهودية، وما يتطلبه ذلك من تهجير ومن تبادل للأراضي وللسكان .

وفي ظل الانقسام، لا يمكن أن تكون هنالك مقاومة مثمرة، بل شهدنا وسنشهد مبادرة بين الأطراف الفلسطينية على الفوز بجائزة اسرائيل لمن هو الجدير من الفلسطينيين أكثر من غيره بتوفير الأمن للاحتلال عبر التوصل لحل أمني منقوص في الضفة وآخر في غزة يأخذ اسم التهدئة في حين أن وظيفته تكريس الانقسام وتعميقه، وجعل المقاومة ليست أكثر من أداه تستخدم في سياق الصراع الداخلي أكثر ما هي استراتيجية لدحر الاحتلال.

لا يمكن أن تقاوم غزة المحاصرة والمعزولة الاحتلال وحدها، فالقوة الاسرائيلية العسكرية متفوقة ولا يمكن الانتصار عليها عسكريا في هذه المرحلة، وخصوصا بالصواريخ بدائية الصنع. فالمقاومة الفلسطينية المسلحة ليست الأسلوب المناسب حاليا، رغم مشروعيتها الكاملة ما دامت تفتقر للدعم العربي والدولي والعمق البشري والجغرافي والاستراتيجي، فمصر والأردن البلدان اللذان يحيطان مباشرة بالضفة وغزة يرتبطان بمعاهدة سلام مع اسرائيل. هذا الواقع لا يجعل الصواريخ على أهميتها وسيلة قادرة على الحاق خسائر جدية باسرائيل وعلى احداث التوازن أو الردع، وانما في المحصلة رغم البطولة في اعتمادها توفر ذريعة لاسرائيل لاستخدام قوتها المتفوقة وخوض معركة فاصلة. وما يمنع اسرائيل حتى الان عن خوض معركة حاسمة ضد غزة اسباب كثيرة، منها ما يتعلق بالخسائر الاسرائيلية المتوقعة، ولكن أهم هذه الأسباب خشية اسرائيل من أن أية عملية عسكرية حاسمة ضد غزة يمكن أن تساهم في توحيد الفلسطينيين واثارة نقمة عربية ودولية كبيرة ضد اسرائيل في مرحلة يستعد العالم لاستقبال مرحلة جديدة في ظل رئاسة باراك أوباما، التي ستركز ادارته على اعتماد الحوار وتقديم الحوافز، وتشكيل حلف أميركي دولي اسرائيلي عربي ضد ايران لاقناعها بالتخلي عن برنامجها النووي ولو كان ثمن ذلك التغاضي عن دورها الاقليمي المتعاظم في المنطقة.

ان العام القادم يمكن أن يكون أسوأ من العام الحالي، اذا استمرت مفاعيل المعطيات والعوامل القائمة حاليا، ويمكن أن يكون أفضل وأقل سوءا اذا ادرك الفلسطينيون أن الوحدة على أساس برنامج وطني واقعي عقلاني ديمقراطي هي طريق الخلاص الوطني. ولا طريق غيره على الاطلاق وهو صعب جدا، ولكنه طريق الأمل والحياة . أما الطرق الأخرى فهي تدفع نحو المزيد من الدمار والانقسام وتصفية القضية الفلسطينية من مختلف أبعادها.

كل عام وأنتم بخير، وعيد ميلاد مجيد، وسنة جديدة سعيدة.

 

 

مشاركة: