الرئيسية » هاني المصري »   09 أيار 2006

| | |
حتى لا يعود شبح الحرب الأهلية إلى سماء فلسطين
هاني المصري

 

أكد الرئيس أبو مازن في خطابه بالأمم المتحدة أن الحكومة الفلسطينية المقبلة ستلتزم بكافة الاتفاقات والتعهدات التي التزمت بها م.ت.ف، واعلن اثناء توقفه في القاهرة وبعد لقائه مع الرئيس المصري، ان المباحثات لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية قد عادت الى نقطة الصفر، بعد ان تراجعت حماس عن المحددات السياسية التي تم الاتفاق عليها، رغم ذلك كله التزم ابو مازن باستئناف المحادثات لتشكيل حكومة الوحدة مستبعداً قيامه بتشكيل حكومة طوارئ، ومؤكداً في الوقت نفسه على وجود خيارات اخرى في حالة فشل المباحثات.

 

بدوره، صرح رئيس الحكومة اسماعيل هنية بان حماس لن تشارك بأية حكومة تعترف باسرائيل مهما كان الثمن، لكنها ما زالت توافق على وثيقة الاسرى وعلى المحددات الاساسية لحكومة الوحدة، واقترح بدلاً من الاصرار على الاعتراف باسرائيل، اقامة دولة فلسطينية بحدود 1967 تقيم هدنة مع اسرائيل مدتها عشر سنوات، ولكنه مع ذلك لم يقطع الامل بامكانية الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية، وصرح بان شوطاً كبيراً قد قطع على طريق تحقيق هذا الهدف، مؤكداً امكانية حل للخلافات من خلال استعداد حماس لتفويض المنظمة والرئيس بالمفاوضات، واحترام الاتفاقيات الموقعة، والتعامل مع الواقع دون الاعتراف به، ودون الموافقة على مبادرة السلام العربية التي سبق ان وافق على اعتبارها أساساً في المحددات التي اتفق عليها مع ابو مازن.

الامور على الارض، تزداد تعقيداً وتوتراً مع كل يوم جديد، ويبدو بكل أسف وألم، ان شبح الحرب الاهلية يخيم مجدداً في سماء فلسطين، فاصبحنا نسمع ونرى ونقرأ صرخات التحدي والتعبئة والاستعدادات للحسم والدعوات لقيام الرئيس باستخدام صلاحياته واقالة الحكومة، واصبح امراً شبه عادي وقوع "الاغتيالات الاخوية" وفتح ملفات الاغتيالات السابقة التي اودت بعشرات الكوادر، ان لم يكن أكثر من الطرفين فتح وحماس، واصبح من المألوف ان نرى شعارات مثل "من يقتل فتحاوياً سيقتل ولو بعد حين"، و"لن نصمت على المتآمرين الذين ينوون الانقلاب على الحكومة" و"سنحارب اية حكومة تعترف باسرائيل".

الأنكى والأمر، ان طبول الحرب الاهلية عادت تدق، في الوقت الذي رفضت فيه الولايات المتحدة الاميركية، صدور حتى بيان رئاسي من مجلس الامن، يستجيب للدعوة العربية التي اطلقت في تموز الماضي، بنقل ملف القضية الفلسطينية الى مجلس الأمن، بعيد الحرب الاسرائيلية على لبنان، وبعد اعلان عمرو موسى عن موت عملية السلام، وعلى ذمة رواة ثقات، فإن فشل المسعى العربي يعود الى نشوب خلافات عربية بين المحور الذي ارتضى بالنصيحة الاميركية التي تطالب بالاكتفاء باطراف اللجنة الرباعية الدولية وعدم اللجوء الى مجلس الأمن، وبالحديث عن احياء وتطبيق خارطة الطريق. وبين المحور الذي يصر على قيام مجلس الأمن والأمم المتحدة بدور في حل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بعد فشل اللجنة الرباعية، وكافة الحلول والمبادرات من مؤتمر مدريد الى خارطة الطريق وما بينهما من حلول انتقالية جزئية جربت جميعها وفشلت تماماً.

اعادة طرح خارطة الطريق وصفة لابقاء الوضع على حاله، لان هذه الخارطة ولدت ميتة، وتجاوزتها اسرائيل اولاً بوضع الملاحظات عليها التي نسفتها من حيث الجوهر. وثانياً بطرح الحلول احادية الجانب. الآن يتم نفض الغبار عن خارطة الطريق في محاولة لسد الفراغ، وتقطيع الوقت ريثما تتجاوز اسرائىل صدمتها بعد الهزيمة المرة التي تلقتها في الحرب اللبنانية الاخيرة.

عدم وجود عرض اميركي - اسرائيلي مقبول من اكثر الفلسطينيين اعتدالاً، يجب ان يوفر قاسماً مشتركاً كبيراً لتوحيد الفلسطينيين. واذا اضفنا الى هذا العامل، ان توازن القوى السياسي والعسكري والشعبي، بين فتح وحماس لا يسمح لأي منهما بامكانية الحسم لصالحه، وان اي اقتتال بينهما، سيسبب الدمار لهما ولفلسطين وللقضية الفلسطينية، ولن يتستفيد منه سوى الاحتلال.

هذان العاملان، عدم وجود عرض مقبول وعواقب الحرب الاهلية وعدم امكانية حسمها لصالح طرف، يجعلان الامل بالاتفاق على حكومة وحدة وطنية، او استمرار نوع من التعايش امراً محتملاً وليس ميئوساً منه تماماً.

تأسيساً على ما تقدم، تبقى الخيارات كما هي:

اولاً: تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس وثيقة الأسرى وبرنامج يستند الى المحددات السياسية التي اتفق عليها بين الرئيس ورئيس الحكومة، وتم التوقيع عليها، باسم "فتح" واسم "حماس".

ثانياً: تشكيل حكومة كفاءات وطنية من مستقلين يوجد اتفاق على كفاءتهم ونزاهتهم.

ثالثاً: ابقاء الوضع على حاله، مع حق المعارضة بمعارضة الحكومة بكل الاشكال السلمية والقانونية والديمقراطية، ومع حق الشعب بالمطالبة بالتغيير والوحدة.

رابعاً: الاتفاق على التوجه لاجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، والسعي لتأمين الموافقة الدولية ثم الاسرائيلية عليها والاستعداد لتقبل نتائجها مهما كانت.

خامساً: اقالة الحكومة الحالية من قبل الرئيس، وتكليف شخصية وطنية بتشكيل حكومة جديدة، والمراهنة على امكانية ان تمرر حماس مثل هذه الحكومة بالمجلس التشريعي لايجاد مخرج من الوضع المتأزم.

سادساً: تشكيل حكومة طوارئ، ولكن عمر مثل هذه الحكومة قصير ليس اكثر من شهر ستكون بعده بحاجة الى موافقة المجلس التشريعي لتعمر شهراً آخر. فضلاً عن وجود اجتهادات قانونية ترى ان من حق الرئيس وفقاً للقانون الاساسي اعلان حالة الطوارئ ومن ثم تشكيل حكومة طوارئ، ومن حق المجلس التشريعي ان يدعو لاجتماع لإبطال هذا الاجراء، حتى بعد 24 ساعة من اتخاذه.

سابعاً: دراسة خيار حل السلطة او تغيير وظائفها بحيث تصبح ادوارها اقل ولصالح اعادة الاعتبار لـ م.ت.ف، ولكن هذا الخيار حتى لا يكون خطوة في الفراغ او المجهول يجب ان يكون جزءاً لا يتجزأ من رؤية استراتيجية متكاملة تهدف الى اعادة بناء الحركة الوطنية الجديدة على ضوء انهيار عملية السلام ووجود خارطة سياسية وحزبية جديدة في فلسطين.

كل الخيارات حتى تحدث بدون عواقب وخيمة بحاجة الى وفاق وطني، فلا يمكن اسقاط الحكومة في المجلس التشريعي لأن حجب الثقة عن هذه الحكومة، واية حكومة مقبلة، بحاجة مثل منح الثقة، الى نصف زائد واحد، من اعضاء المجلس التشريعي، اي بحاجة الى 67 صوتاً، وليس الى نصف + واحد من الحضور.

والدعوة لاجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، بحاجة الى اتفاق لان المجلس الحالي انتخب وفقاً للقانون الاساسي اي لمدة اربع سنوات، ولا يمكن لاحد ان يقرر اختصار هذه المدة لاقل من سنة واحدة، يمكن اجراء انتخابات مبكرة دون اتفاق في حالة واحدة هي اقدام الرئيس على الاستقالة، حيث ينص القانون على انتخاب رئيس جديد خلال ستين يوماً. حتى في هذه الحالة، يمكن ان ترفض حماس اجراء انتخابات تشريعية، ولديها سابقة تتمثل باجراء انتخابات رئاسية فقط بعد رحيل الرئيس الراحل ياسر عرفات. وهذا ثبت انه أكبر خطأ تم ارتكابه، فكان لا بد من الجمع بين اجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، لمنع الازدواج الذي نشهده حالياً. رئيس منتخب وشرعي على اساس برنامج معين، واغلبية المجلس التشريعي انتخبت على اساس برنامج مغاير بشكل جوهري، البعض يتصور ان دفع الامور نحو العصيان المدني والفوضى واشكال من الاقتتال سيضع الرئيس او يجبره على تشكيل حكومة طوارئ، او الدعوة الى انتخابات مبكرة. ولكن هذا البعض ينسى ان هناك طرفاً بل اطرافاً اخرى، من حقها ان تشارك في القرار، وبمقدورها ان تقبل او ترفض اي اجراء يقبل عليه الرئيس.

وفي كل الاحوال، يجب ان يسبق اي انتخابات مقبلة توافق وطني حول أسس ومبادئ العمل السياسي الفلسطيني، لان احداً يجب ألاّ ينسى ان فلسطين تحت الاحتلال، وانها بحاجة الى تعددية وتنافس وتنوع في اطار الوحدة، فبدون وحدة وطنية لا يمكن انهاء الاحتلال، الا اذا كان هناك من كل الاطراف، من يتصرف على اساس ان السلطة هي نهاية المطاف، وان اقصى ما يمكن ان نصل اليه هو دولة مؤقتة، وان الصراع كله يجب ان ينصب على السيطرة على هذه السلطة مهما كانت قصيرة ومحدودة!!

 

مشاركة: