الرئيسية » هاني المصري »   16 كانون الأول 2007

| | |
جولة رايس: استماع أم تجنب الضغط على إسرائيل؟
هاني المصري

 

جاءت رايس في زيارتها الثامنة للأراضي الفلسطينية المحتلة، والثالثة منذ تموز الماضي، وستنهي جولتها الحالية في لقاء تعقده مع وزراء خارجية "الدول العربية المعتدلة" يوم الأربعاء المقبل، وستعود إلى واشنطن بخفي حنين. فهي لم تحمل شيئاً جديداً في لقائها مع الرئيس أبو مازن، بل اكتفت بالاستماع والتأكيد على عمق التزام الإدارة الأميركية بحل القضية الفلسطينية، وتعهدت باستثمار الوقت المتبقي للإدارة الأميركية لتحقيق هذا الهدف. ولم توضح رايس كيف ستفعل إدارتها ذلك، فهي اكتفت أمام إصرار أبو مازن على رفض الحلول الانتقالية بما فيها الدولة ذات الحدود المؤقتة، بتفهم وجهة النظر الفلسطينية، وبالعمل على الإسراع بتطبيق خارطة الطريق، دون أن توضح أيضاً كيف ستفعل ذلك؟.

لا يوجد شك كبير عندي في أن الإدارة الأميركية لديها شعور أكبر من السابق بضرورة عمل شيء لوقف التدهور لنفوذها في المنطقة برمتها، هذا التدهور الناتج عن اخفاقاتها وهزائمها في افغانستان والعراق وإيران ولبنان وسورية وفلسطين، والذي يهدد إذا استمر وتفاقم بضياع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط. ولكن إدارة بوش تدرك جيداً أن إحداث تقدم على طريق حل القضية الفلسطينية يتطلب ضغطاً على اسرائيل. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة وإلحاح هو: هل الإدارة الأميركية مستعدة لإقناع أو إجبار إسرائيل على إنهاء الاحتلال، لأن هذا الأمر، هو الشرط الرئيسي لإحلال السلام والأمن والاستقرار ليس بين فلسطين وإسرائيل فقط، وإنما في عموم المنطقة، وذلك لأن حل القضية الفلسطينية مفتاح حل كل أزمات المنطقة كما جاء في احدى توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون.

الجواب الوحيد على السؤال السابق، هو أن إدارة بوش رغم أنها قادرة، ليست بوارد الضغط على إسرائيل، والدليل على ذلك أن استراتيجيتها "الجديدة" في العراق والمنطقة تستهدف أولاً وأساساً حماية أمن ودور إسرائيل، لأنها لا تزال تركز على محاولة النصر في العراق، وهذا مستحيل، وعلى محاصرة سورية، وعزل إيران ومنعها من التحول الى قوة عظمى تتسلح بالسلاح النووي، الأمر الذي يمكن أن يقزم اسرائيل ويجعلها على الأقل ليست الدولة العظمى ولا النووية الوحيدة في المنطقة.

المصادر الإسرائيلية وبعض المصادر الأميركية، أوحت بأن رايس جاءت وهي مقتنعة بأن الحل يكمن بإقامة دولة ذات حدود مؤقتة يتم الوصول لها خلال عام أو عامين على الأكثر، وعن طريق تجاوز المرحلة الأولى من خارطة الطريق والقفز مباشرة للمرحلة الثانية. الرفض الفلسطيني للدولة ذات الحدود المؤقتة قد يدفع الإدارة الأميركية للتخلي عن هذه الفكرة والتركيز على تطبيق خارطة الطريق، وهذا يعني الاصطدام بالملاحظات الإسرائيلية على خارطة الطريق التي أعادت صياغتها وحولتها الى خارطة طريق إسرائيلية، وسبق للإدارة الأميركية أن تعهدت علناً بأن تأخذ الملاحظات الإسرائيلية على خارطة الطريق الدولية بالحسبان عند التطبيق، وهذا ما حدث فعلاً، الأمر الذي حال وسيحول دون الشروع في تطبيقها، وحتى نتأكد من ذلك نذكر بأن اسرائيل تريد تجاوز مبدأ "التبادلية والتزامن" الوارد في خارطة الطريق وتصر على مبدأ "التتابع" والذي يعني تنفيذ الالتزامات الفلسطينية أولاً، فيما يتعلق بنبذ ووقف "الارهاب" وتفكيك بنيته التحتية وملاحقة الإرهابيين ووقف التحريض وتغيير المناهج الفلسطينية والاعتراف بحق إسرائيل بالوجود وتنفيذ الاتفاقات، ثم بعد ذلك تنظر إسرائيل بتطبيق التزاماتها المتعلقة بوقف الاستيطان والانسحاب الى خطوط الثامن والعشرين من أيلول العام 0002، ووقف كل الخطوات التي تجحف بمفاوضات الوضع النهائي بما في ذلك وقف وإزالة الجدار، وإزالة البؤر الاستيطانية وإلغاء القرارات التي اتخذت بحق المؤسسات الفلسطينية في القدس وعلى رأسها إعادة فتح بيت الشرق، دون التزام اسرائيلي بوقف العدوان وبإقامة دولة فلسطينية على أراضي 7691 ولا بتطبيق الاتفاقات الموقعة التي تجاوزتها اسرائيل وإذا ما أضفنا الى ما تقدم ان ورقة الضمانات الأميركية التي منحها بوش لشارون في نيسان من العام 2002 تقيد وستقيد أي تحرك أميركي، خصوصاً بعد أن أصبحت قانوناً ملزماً للإدارات الأميركية، ولا يمكن التحرك للأمام دون تغييره أو تعديله على الأقل.

قد تحاول الإدارة الأميركية أن تلتف على المسألة وتوافق على صيغة يجري تداولها في الأوساط العربية والأوروبية، تحاول الجمع بين خارطة الطريق والدولة ذات الحدود المؤقتة ومبادرة السلام العربية، بحيث يتم الانتقال فوراً للتفاوض حول إقامة دولة ذات حدود مؤقتة مقابل التزام دولي بأن التسوية الدائمة ستكون من خلال إقامة دولة فلسطينية في أو على الأراضي المحتلة العام 7691 مع مبدأ تبادل الأراضي. خطورة هذه الأفكار أنها توحي بإمكانية الجمع بين ما لا يمكن جمعه، فلا يمكن جمع مبادرة السلام العربية التي تقوم على مبدأ الانسحاب الكامل مقابل السلام الكامل، مع الحلول الانتقالية التي تعطي اسرائيل الوقت والغطاء لاستكمال مشروعها الرامي لفرض أمر واقع يتيح لها تحقيق أهدافها باستكمال الاستيطان والجدار، وضم أكبر مساحة ممكنة من الأراضي المحتلة، وأقل عدد ممكن من السكان وضمان عدم تحلي أية دولة فلسطينية قادمة بالمقومات الكفيلة بجعلها تستحق اسم الدولة.

إن أية مبادرة أو صيغة للحل لا تلتزم فيها اسرائيل بوقف العدوان والاعتقالات والاستيطان تمهيداً لإزالته، وإزالة الجدار وكل السياسات الرامية لخلق حقائق على الأرض، ولا تلتزم بأن الهدف النهائي الذي يجب أن يحقق خلال مدة زمنية محدودة وبجداول متفق عليها وضمانات دولية وآلية تطبيق ملزمة، هو إزالة الاحتلال، ليس الذي بدأ في العام 7691، كما هو منصوص في خارطة الطريق، وإنما إزالة الاحتلال عن الأراضي المحتلة العام 7691، سيكون مصيرها الفشل لأنها لن تقود إلى حل عادل أو متوازن وستعيد انتاج الأخطاء والخطايا السابقة التي أوصلتنا الى ما نحن فيه.

في هذا السياق، ليسمح لي الدكتور صائب عريقات بالقول إن المشكلة لا تكمن بعدم وجود جداول زمنية وآلية تطبيق لخارطة الطريق، وإنما بأن خارطة الطريق تركت الأهداف النهائية محل تفاوض، كما ان اسرائيل لم تلتزم بخارطة الطريق الدولية والإدارة الأميركية تدعمها في هذا الموقف. لا بد من تجاوز خارطة الطريق لأن أوروبا عبر المبادرة الفرنسية ـ الاسبانية ـ الإيطالية، وبلير نفسه صاحب خارطة الطريق الأول أخذوا يعترفون بأن خارطة الطريق لم تعد تكفي. وأخيرا، هناك فرصة تلوح بالأفق لإمكانية قيام دولة فلسطينية، بعد أن ضاعت هذه الفرصة في السنوات الماضية، ومن الجريمة على الفلسطينيين أن يضيعوا هذه الفرصة جراء خلافاتهم واقتتالهم على الدب قبل صيده، وصراعهم على سلطة مقيدة وذات صلاحيات محدودة أطاحت اسرائيل بها من خلال استباحتها اليومية لأراضي السلطة ولدورها بحيث أصبحت مثل شاهد الزور.

هل يقف العرب وقفة عزة؟

لا يمكن أن أنهي هذا المقال، دون الإشارة إلى أن السياسة الأميركية ستتأثر كثيراً، بما ستقوله الدول العربية المعتدلة لرايس في جولتها الحالية، فإذا خضعت هذه الدول للتهديد بأن عدم مساعدة إدارة بوش لتنفيذ استراتيجيتها الجديدة سيؤدي الى انهيارها، ستساهم في إضعاف نفسها وإحداث المزيد من الفوضى والانقسام والحروب المذهبية والطائفية. أما إذا وقفت الدول المعتدلة، ولو لمرة واحدة، وقفة عز، وقالت لرايس إن على الولايات المتحدة الأميركية أن تغير سياستها التي فشلت، فالصراع ليس بين معتدلين ومتطرفين، ولا ضد الإرهاب والإسلام المتطرف ومعاداة النموذج الغربي، وانما بين الشعوب العربية وحاجتها للتقدم والتنمية والاستقرار والوحدة في مواجهة الاحتلال والتميز والاستغلال. فما لا تحققه القوة لا يحققه المزيد من القوة والقوات المحتلة. وهذا الموقف العربي إذا تحقق سيساهم في إعادة النظر بالسياسة الأميركية وخصوصاً انها سياسة يعارضها الرأي العام الأميركي، والأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، ومعظم إن لم أقل كل شعوب وبلدان العالم. على العرب أن يقولوا لبوش ورايس: كفى واللي بيجرب المجرب عقله مخرب!.

 

مشاركة: