الرئيسية » هاني المصري »   13 كانون الأول 2007

| | |
جولة الحوار الوطني الجديدة: الفرص والمخاطر
هاني المصري

من المرجّح أن يشهد هذا الأسبوع استئناف الحوار الوطني، الذي بادرت إلى الدعوة إليه لجنة المتابعة للقوى والفصائل الوطنية والإسلامية في غزة، وعملت من أجله الجبهتان الشعبية والديمقراطية، وحركة الجهاد الإسلامي، وتبنّته اللجنة التنفيذية في اجتماعها الأخير. هذا إذا لم تنجح رايس في جولتها الجديدة في تسويق خطة اليوت ابرامز في الحرب الأهلية الفلسطينية.

فوفقاً لمصادر متعددة فإن الحوار سيبحث في رؤية جديدة لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية تقوم على بقاء إسماعيل هنية رئيساً للوزراء، وإحالة الوزارات السيادية الأربع إلى شخصيات مستقلة متفق عليها. كما يستند برنامج الحكومة إلى تفويض المنظمة والرئيس بالمفاوضات والملف السياسي على أساس قراءة فلسطينية لشروط "الرباعية"، على أن تركز الحكومة اهتمامها على الإدارة والخدمات والأمن الداخلي ومكافحة البطالة والفقر والتنمية وتحسين التعليم، على أن يطرح أي اتفاق جديد مع إسرائيل على استفتاء شعبي. الجديد هذه المرة، أن هناك فرصاً أكبر لنجاح هذه الجولة تظهر من خلال المؤشرات والتطورات التالية:

 

ü تصاعد التحركات الشعبية والسياسية الفلسطينية ضد الاقتتال والتحريض المتبادل والثنائية الحادة، وضد التخوين والتكفير والإقصاء والانقلاب، لدرجة وصلت أن الأسرى هدّدوا بالإضراب عن الطعام احتجاجاً على الاحتراب الداخلي ودعوة للوحدة.

ü تزايد الاهتمام والاستعداد للتدخل الأردني - المصري المدعوم من السعودية وكل الدول العربية المعتدلة، كما ظهر بالقمة المصرية - الأردنية التي دعت للاتفاق على حكومة وحدة وطنية مهما كان شكلها، كما تجلى بالتأكيد مرة أخرى في الدعوة الأردنية لاستضافة أبو مازن وهنية، وبالانتقادات المصرية الرسمية لخطابات الفلتان الإعلامي.

ü مشاركة حركة الإخوان المسلمين، وهي تملك تأثيراً كبيراً، خصوصاً على "حماس"، في الوساطة، كما ظهر من خلال الاتصالات الهاتفية التي أجراها محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر مع أبو مازن وخالد مشعل، داعياً إياهما إلى وأد الفتنة والوحدة.

ü الزيارة المرتقبة للرئيس أبو مازن لدمشق ولقاؤه مع الرئيس السوري بشار الأسد، ولقاؤه المحتمل مع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، لينهي القطيعة المستمرة بينهما منذ أشهر طويلة. هذا اللقاء يمكن أن يساعد كثيراً في تحسين فرص الاتفاق. فهو لقاء على مستوى القمة بين أصحاب القرار، وكان من الخطأ عدم عقد هذا اللقاء منذ فترة طويلة.

ü ويبقى العامل الأهم الذي قد يدفع الرئيس أبو مازن وحركة "فتح"، وخالد مشعل وحركة "حماس" لقبول تشكيل حكومة وحدة وطنية زائد كفاءات وطنية، على أساس برنامج لا يلبي كل مطالب كل طرف وهو السعي لتجنب الحرب الأهلية، خصوصاً بعد أن أظهرت الاشتباكات والتطورات التي حدثت في الأسابيع الماضية بما فيها المهرجانات الشعبية، ما سبق أن أكدته كل جولات الاقتتال، أن هناك توازناً للرعب والقوة بين الأطراف المتصارعة، يجعل من الاستحالة تمكين طرف من حسم الصراع عسكرياً لصالحه، وبصورة تجعل النتيجة من أي حرب أهلية هي صيغة لا غالب ولا مغلوب على غرار نتيجة الحرب الأهلية اللبنانية. وفي مثل هذه الظروف وأمام النتيجة المتوقعة تكون الحرب الداخلية وبالاً ودماراً على الجميع دون استثناء، ولا معنى لها، خصوصاً أن ما تطرحه إسرائيل على الفلسطينيين حتى الآن، والمتوقع أن تطرحه على المدى المباشر وما دامت حكومة أولمرت في السلطة، لا يمكن أن يقبله أي طرف فلسطيني، حتى أكثر الأطراف الفلسطينية اعتدالاً.

خطاب أبو مازن واعتراف مشعل

وما يمكن أن يصبّ في سياق الأجواء الإيجابية التي يمكن أن تساعد على إنجاح جولة الحوار الوطني القادمة، الخطاب التصالحي الذي ألقاه الرئيس في ذكرى انطلاقة "فتح"، والتلميحات المستمرة التي تطلقها حركة "حماس" عن استعدادها للمرونة في البرنامج السياسي، كما ظهر في التصريح الأخير لخالد مشعل الذي تحدث فيه عن أهمية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وعن الاعتراف بواقع وجود إسرائيل، والاستعداد للاعتراف بإسرائيل بعد قيام الدولة الفلسطينية، وفيما قاله أحمد يوسف أخيراً بنفيه مجدداً موافقة "حماس" على الوثيقة المنسوبة إليه، ولكن تأكيده أن هذه الوثيقة ليست الوحيدة، فهناك ورقتان كانتا عرضتا بالسابق، وان هذه الوثيقة سلّمت لرئيس الحكومة، وسلّمها بدوره للرئيس ولعدد من القادة العرب الذين التقاهم في جولاته الأخيرة، إلا انه اعترف بأن "حماس" عرضت هدنة من 5-01 سنوات مقابل إقامة دولة مؤقتة وإطلاق سراح الأسرى، وحل عادل لقضية اللاجئين. وهذا كله يعني أن "حماس" الآن أكثر مرونة بكثير من برنامجها السابق، وأقرب إلى برنامج الرئيس والمنظمة مما يتم تصويره، وأمام خطر أن تتنازل عن برنامجها قطعة قطعة بلا مقابل ودون السيطرة حتى على السلطة المعرضة للانهيار إذا اشتد الاقتتال.

وحتى لا تتحول الوثائق والمبادرات واللقاءات مع الأوروبيين والأميركيين، وربما لاحقاً معالإسرائيليين أكثر وأكثر سوقاً للمناقصات تقدم فيها الأطراف المتنازعة فلسطينياً تنازلات وعروضاً أقل وأقل، حتى يتم القبول بهذا الطرف أو ذاك كممثل للفلسطينيين ولاعب رئيس يتم الاعتراف به والتعامل معه وحده دون الآخرين.

الدولة تلوح في الأفق

إن الشرط الحاسم لقطع الطريق على التداخلات والتدخلات والمحاور الإسرائيلية والعربية والإقليمية والأميركية والدولية التي تقسّم الفلسطينيين وتتعامل معهم بالقطعة، والكفيل بالتقدم على طريق تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية، يتمثل بإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني عبر اعتماد برنامج وطني واقعي يحفظ الحقوق وقادر على الإقلاع. هذا هو الشرط الحاسم الذي سيقود حتماً، إذا توفّر، إلى تبلور القناعة بضرورة تشكيل حكومة وحدة، مهما كان شكلها تجسد المصلحة الوطنية والشراكة الحقيقية، بعيداً عن المحاصصة والفصائلية، ودون إلحاق من طرف للآخر. وإذا تحققت الوحدة والحكومة والبرنامج الوطني الواقعي والشراكة الحقيقية، ستصبح الدولة الفلسطينية على مرمى حجر.

فالدول العربية المعتدلة محرجة للغاية، وتطالب الإدارة الأميركية بحل القضية الفلسطينية حتى تقبل أو تغطي على المشاركة مع الولايات المتحدة الأميركية بتطبيق استراتيجية بوش الجديدة في العراق.

يجب ألا يقبل الفلسطينيون والعرب بحقنة تخدير جديدة تحقنها رايس أثناء جولتها القادمة حتى تضمن استمرار وجود عملية السلام في غرفة العناية المشددة أو في أحسن الأحوال يمكن أن تقدم مبادرة لإقامة دولة ذات حدود مؤقتة تحقق جوهر المشروع الإسرائيلي بتصفية القضية عبر تأجيل قضايا الصراع الأساسية إلى أجل غير مسمّى.

بوش سيفشل في استراتيجيته الجديدة، مثلما فشل في استراتيجيته القديمة، لأنه لم يأخذ حتى بتوصيات لجنة بيكر - هاملتون، وكما يقول المثل: "الذي يجرّب المجرّب عقله مخرّب".

يجب أن نستعد لما بعد الفشل المرجح لاستراتيجية بوش الجديدة. يجب أن نستعد للرئيس الأميركي القادم بعد سنتين، الذي سيطرح على الأغلب سياسة جديدة، سواء أكان جمهورياً أم ديمقراطياً، أفضل من سابقتها أو أقل سوءاً في أدنى تقدير. بوحدتنا وقدرتنا على وضع أهداف قابلة للتحقيق، سنفرض على الرئيس الأميركي والعالم كله، وعلى إسرائيل تحقيق حقوقنا لأن عدم تحقيقها سيكلف ثمناً أكبر بكثير. أما انقسامنا واقتتالنا فيودي بنا جميعاً إلى التهلكة!

مشاركة: