الرئيسية » هاني المصري »   06 تموز 2009

| | |
جــديـد أوبـامـا قديــم
هاني المصري

 

اذا أردنا ان نختصر خطاب اوباما في عبارتين نقول في الاولى: انه محاولة لفتح صفحة جديدة في العلاقات الاميركية مع العرب والمسلمين بعد الصفحة السوداء التي ميزتها في فترة رئاسة جورج بوش الابن.

وفي العبارة الثانية نقول: ان جديد اوباما قديم، فهو استخدم في خطابه لغة تصالحية مثيرة للانطباع تهدف لاعادة السياسة الاميركية الى ما كانت عليه في العهود السابقة، خصوصا عهدي ادارتي كلينتون وجورج بوش الاب.

 

ان الولايات المتحدة الاميركية انتخبت اوباما الاسود والاب المسلم، حامل شعار التغيير، لان المصالح الاميركية تضررت جدا في حقبة الرئيس السابق الذي خضع لسيطرة "المحافظون الجدد". فلقد لحق بالسياسة الاميركية اخفاقات كثيرة لا تعد ولا تحصى، رغم انه تولى الرئاسة في وقت كانت اميركا في اوج قوتها وعظمتها بعد ان ترسخت بوصفها الدولة العظمى الوحيدة المهيمنة على العالم كله بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية .

لقد استغل "المحافظون الجدد" احداث 11 سبتمبر 2001 لاجراء انعطافة كبيرة في السياسة الاميركية، بحيث اصبحت تعتمد جنون القوة والغطرسة والهيمنة واعتماد الحروب الاستباقية لفرض وتثبيت هيمنة الارادة الاميركية على العالم كله. لقد اخترع "المحافظون الجدد" عدوا جديدا اسمه الاسلام بدلا من الشيوعية، وشنوا حربا شعواء ضده سموها الحرب العالمية على الارهاب، واعتمدوا تقسيم العالم الى خير مطلق وشر مطلق، على اساس ان من هو ليس معي فهو ضدي.

ان الفشل الذي حصدته الادارة الاميركية السابقة بلغ الذروة في الازمة العالمية الاقتصادية، التي الحقت خسائر فادحة بالاقتصاد العالمي، وبصورة وقيادة اميركا للعالم، وهذا جعل اميركا بحاجة لمساعدة الاطراف الاخرى في العالم، بمن فيهم العرب والمسلمون حتى تستطيع الخروج من مستنقع الازمات والحروب الخاسرة في باكستان وافغانستان والعراق، ومن أتون الازمة المالية وتداعياتها.

مع اهمية الترحيب بالتغيير الاميركي الذي بدأ اوباما عهده به وبشر به في خطابه التاريخي، ومع اهمية ان يمد العرب والمسلمون يدهم لمصافحة اليد الاميركية الممدودة، من اجل فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين، يجب التأكيد مرة اخرى ان التغيير الاميركي ناتج عن ازمات، ولا يزال في بدايته وغير واضح وبدون بلورة في خطوات محددة وملموسة.

ان حدود التغيير في السياسة الاميركية ترسم وتطابق مساحة الفشل والاخفاقات التي لحقت بها جراء مناهضة ومقاومة اطراف وبلدان وشعوب واحزاب لعصر الهيمنة والاحتلالات الاميركية، وضد السياسة الرعناء الحمقاء التي سيطرت على ادارة البيت الابيض.

في هذا السياق يجب ادراك اهمية عوامل الصمود والمقاومة والممانعة والمعارضة وتجميع اوراق القوة والضغط العربية والاسلامية واستخدامها لاحداث توازن على الاقل، مع الضغوط المعاكسة ومصدرها اوساط اميركية وضغوط اسرائيل واللوبي القوي المؤيد لها بالولايات المتحدة الاميركية .

ان ما سبق يقتضي التمسك بالاهداف والمصالح والحقوق بدون تفريط، ورفع سقف الموقف العربي والاسلامي من خلال فتح جميع الخيارات والبدائل بدون الوقوع في مصيدة بديل او خيار واحد، بالحديث عن السلام كخيار استراتيجي وحيد.

ان اتباع سياسة فاعلة مبادرة مقاومة هو وحده الذي يمكن ان يشجع ويدفع ويقنع ادارة اوباما لاحداث تغيير حقيقي في السياسة الاميركية. اما الاستمرار باعتماد سياسة التمنيات والمناشدات والزيارات وحدها، فهي التي أدت الى تآكل مستمر بالبرنامج. والاستمرار الفلسطيني والعربي بهذه السياسة فلن يؤدي الى التغيير، وانما الى تفصيل الموقف على مقاس ادارة اوباما. فالمسألة مسألة صراع على مصالح وليست مسألة اخلاقية او صحوة ضمير. فبدون استخدام لغة المصلحة لا يمكن للعرب ان يحصلوا على ما يريدون، لا من اوباما ولا من غيره. فلن تأخذ شيئا من احد، ولن يعطيك احد شيئا، الا ما تستطيع فعلا الحصول عليه.

ان التغيير الاميركي يمكن ان يظل شكليا بحيث يتم اعتماد الحوار والمفاوضات والحوافز لتحقيق نفس الاهداف التي لم يستطع الرئيس السابق تحقيقها من خلال اعتماد جنون القوة والحروب الاستباقية، والادعاء بانه ظل الله على الارض.

يجب ان نتذكر ونحن نستقبل اوباما ان جورج بوش الاب عقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 وكانت مرجعيته الشرعية الدولية وخصوصا قراري مجلس الامن رقم 242، 338، ومبدأ الارض مقابل السلام. ورغم المآخذ الكبرى على مؤتمر مدريد الا انه كان افضل بكثير من حيث مرجعيته واهدافه من كافة المؤتمرات والاتفاقيات التي عقدت بعده، من اتفاق اوسلو الى خارطة الطريق ومؤتمر انابوليس.

اقول ما سبق حتى ندرك ان جديد اوباما حتى الان قديم، بل واقل من القديم . فجوهر السياسة الاميركية الحالية يقوم على احياء خارطة الطريق، ولم يتطرق الى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. لم يورد اوباما في خطابه اي حديث او حتى مجرد كلمة واحدة عن الاحتلال عندما تطرق لمعاناة الفلسطينيين. هذا مع العلم انه لن يكون هناك اي مصداقية للسياسة الاميركية اذا لم تقم على هدف انهاء الاحتلال وكل ما بني على الاحتلال. ان جورج بوش الابن بالرغم من كل سوئه دعا في خطابه الذي القاه في حزيران عام 2002، والذي طرح فيه لاول مرة رؤيته لحل الدولتين الى انهاء الاحتلال الذي بدا عام 1967، كما ان خارطة الطريق سبق وان حددت سقفا زمنيا لاقامة الدولة الفلسطينية هو عام 2005، ومؤتمر انابوليس حدد عام 2008 للتوصل الى اتفاق. ومضت كل هذه التواريخ بدون تحقيق اي شيء. لذا يجب الحذر من الاكتفاء بما يقوله اوباما عن حل الدولتين وعدم شرعية الاستيطان او عن تجميد الاستيطان، رغم انه كلام مهم، لكن الاستيطان جزء من كل اسمه الاحتلال، وبدون ان يكون هدف السياسة الاميركية انهاء الاحتلال الاسرائيلي لا قيمة للحديث عن تجميد الاستيطان.

وما يزيد الطين بلة ان الحكومة والمعارضة الاسرائيلية تعارضان تجميد الاستيطان ولم يقل لنا اوباما كيف سيحقق هذا الهدف خصوصا انه حتى الان ليس بوارد الضغط الجدي على اسرائيل.

ليست هذه هي المرة الاولى، ولن تكون الاخيرة الذي يقوم فيها رئيس اميركي باغضاب اسرائيل، فهناك حالات عديدة اشهرها ما قام به جورح بوش الاب ووزير خارجيته بيكر بالضغط على اسحاق شامير لحضور مؤتمر مدريد، وللربط ما بين حصول اسرائيل على ضمانات القروض وتجميد الاستيطان. فماذا كانت النتيجة ؟؟

لقد شارك شامير بمؤتمر مدريد ولكنه قال إن المفاوضات ستستمر 10 سنوات بدون نتيجة، وهذا ما حصل فعلا. لقد سار جميع رؤساء حكومات اسرائيل على درب شامير مما ادى الى استمرار المفاوضات منذ مؤتمر مدريد وحتى الان، وهي لا تزال تدور حول نفسها دون ان تحقق شيئا. في نفس الوقت حصلت اسرائيل على ضمانات القروض واستمر الاستيطان وتضاعف عدة مرات وخلقت اسرائيل على الارض امرا واقعا يفرض الحل الاسرائيلي شيئا فشيئا على الجميع.

اعود واؤكد ان جديد اوباما حتى الان وعلى اهميته، وخصوصا وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية قديم. فالسياسة الاميركية قبل جورج بوش الابن كانت افضل، بل الادق اقل سوءا، من السياسة في عهده، ولكنها كانت في كل الاحوال منحازة بشكل مطلق لاسرائيل، وهذا ما اكده اوباما في خطابه بقوله ان العلاقة الاميركية الاسرائيلية غير قابلة للانكسار.

ان اوباما يدعم اسرائيل ومنحاز لها شأنه شأن اي رئيس اخر. ولكنه لا يدعم البرنامج الاسرائيلي الاكثر يمينية، بل يدعم برنامج اليسار الاسرائيلي في مرحلة تحكم اسرائيل فيها حكومة يمينية.

لذا علينا ان لا نفصل برنامجنا على مقاس برنامج اوباما، اي على مقاس برنامج اليسار الاسرائيلي، لان برنامج هذا اليسار، بعيد جدا عن برنامج الحد الادنى الوطني الفلسطيني.

على اوباما ان لا يكتفي بإطلاق الاشارات الايجابية وابداء النوايا الطيبة. فاذا اراد حل الصراع وتحقيق السلام عن طريق حل الدولتين عليه ان يعيد الاعتبار للمرجعية الدولية لعملية السلام بحيث تستند الى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، والى اطار دولي فاعل وضمانات دولية حقيقية، وان يضع هدف انهاء الاحتلال كهدف للمفاوضات منذ البداية ويحدد سقفا زمنيا قصيرا لأن ضياع المزيد من الوقت يعني ضياع ما تبقى من ارض فلسطينية لم تخضع للاستيطان والجدار.

على اوباما ان يكف عن مطالبة الدول العربية بتقديم المزيد من الخطوات نحو السلام لانهم قدموا من خلال مبادرة السلام العربية اكثر مما يفترض بهم ان يقدموا. فعلى عكس ما جاء في خطاب اوباما، فالمبادرة العربية نهاية وليست بداية، وعليه ان يعلن تبنيه لها، وعزمه على بذل كل ما يستطيع لكي تتبناها اسرائيل كما هي بدون تعديل او تطوير او تزوير.

ان هناك خشية اذا اعتمد العرب على اوباما بدلا من ان يعتمدوا على انفسهم ان يتقزم جديد اوباما، ويبقى في حدود الحديث عن حل الدولتين وتجميد الاستيطان بدون تصور متكامل وخطة عملية قابلة للتحقيق.

على اوباما ان يكف عن مطالبة العرب بالمزيد من التطبيع مع اسرائيل بدون ان تقوم اسرائيل باي شيء بالمقابل. كما على اوباما ان يكف عن مطالبة الرئيس ابو مازن باستئناف المفاوضات رغم استمرار قيام حكومة نتنياهو بالعدوان والحصار والاعتقالات.

ان الشروط الفلسطينية لاستئناف المفاوضات ضعيفة وبحاجة الى تقوية لا الى اضعافها اكثر واكثر. فهي ولا بد وان تشمل وقف العدوان بكافة اشكاله ووقف كل الخطوات التي تقوم بها الحكومة الاسرائيلية لاستكمال فرض امر واقع يجعل التوصل الى اتفاق سلام عادل ومتوازن امرا مستحيلا بل من رابع المستحيلات.

لماذا لا تأخد القيادة الفلسطينية على الأقل بالنصيحة الضمنية التي قدمها اوباما في خطابه لاعتماد المقاومة الشعبية كاستراتيجية اساسية في مواجهة الاحتلال.؟

لماذا لا يقاطع الاستيطان عملاً وتعاملاً وتجارة ؟؟

لماذا لا يتم وقف كل اشكال التطبيع مع اسرائيل ؟؟

لماذا لا يتم التقاط دلالة التغيير المحدود في السياسة الاميركية ازاء "حماس" والذي بدا بان اوباما لم يصف "حماس" في خطابه بالارهاب والتطرف، واعتبرها طرفا فلسطينيا يحظى بتأييد قسم من الفلسطينييين، وذلك من خلال تقديم مبادرة قابلة للنجاح بإنهاء الانقسام، مبادرة لا تلتزم بشروط الرباعية وانما بتشكيل حكومة وفاق وطني منسجمة مع الشرعية الدولية ومرجعيتها منظمة التحرير الفلسطينية.

 

مشاركة: