الرئيسية » محمد ياغي »   20 كانون الأول 2015

| | |
لا تحالف من أجل فلسطين!
محمد ياغي

للعرب تاريخ طويل في إعلان تحالفات يافطتها المعلنة حماية الأمن العربي المشترك، لكن الأهم هو أن أيٍ من هذه التحالفات لم يكن من أجل فلسطين.

حلف بغداد مثلاً الذي تشكل العام ١٩٥٦ كان يستهدف محاصرة النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط، والغريب أنه كان تحالف سني - شيعي، حيث ضم إلى جانب العراق، إيران وتركيا والباكستان وتلقى الدعم من دول أخرى مثل المملكتين الأردنية والسعودية.

في العام ١٩٨٠ أعلن العراق الحرب على إيران، وهذه الحرب أُعطيت صفة الدفاع عن البوابة الشرقية للعرب وتم دعمها من قبل جميع العرب باستثناء سورية، ولم يكن هنالك تحالف رسمي، ربما بسبب الرغبة في الحفاظ على مسافة من الخطاب السياسي لنظام صدام، لكن كان هنالك تحالف واضح حيث تلقى العراق دعماً مالياً وسياسياً وإعلامياً كبيراً وصل حد توجه قادة عرب لتفقد الجبهة الشرقية وإطلاق قذائف المدفعية على إيران.

في العام ١٩٩١ قادت الولايات المتحدة أيضاً تحالفاً ضم جميع الدول العربية باستثناء اليمن والأردن والسودان ومنظمة التحرير لطرد العراق من الكويت، والتحالف لم يضم إيران، لكنها بالتأكيد كانت سعيدة به لأنه أراحها من خصم لدود حاربها ثماني سنوات.

 وفي العام ٢٠٠٣ قادت الولايات المتحدة تحالف الدول الراغبة لإسقاط نظام صدام واحتلال العراق، وبعض العرب كانوا جزءاً من التحالف حيث فتحوا حدودهم وقواعدهم العسكرية لاحتلال العراق، وبعضهم مثل سورية سعى إلى إفشال الاحتلال خوفاً من أن يكون التالي على قائمة الدول المستهدفة.

في السنوات الخمس الأخيرة، كان هنالك أولاً تحالف الدول التي أسقطت نظام القذافي حيث شارك بعض العرب بطائراتهم في عمليات القصف الجوي لقوات النظام الليبي وقاموا بدعم المعارضة سياسياً ومالياً وعسكرياً حتى تمكنوا من السيطرة على طرابلس.

 وكان هنالك تحالف الدول الداعمة للمعارضة السورية والتي نظمت العديد من المؤتمرات تحت مسمى أصدقاء سورية، وجميع الدول العربية المشاركة في هذه المؤتمرات ساهمت في تحشيد الأموال والسلاح لإسقاط نظام الأسد، وجميعها خاض المستحيل لإقناع الغرب بضرورة إعلان حرب على النظام السوري كما فعل سابقاً في ليبيا. كل هذه الدول شكلت مجموعات عسكرية تابعة لها مباشرة وتخوض الحرب نيابة عنها: تركيا وقطر لهم جبهة أحرار الشام إلى جانب مجموعات أخرى، والسعودية لها جيش الإسلام ومجموعات أخرى.

شاهدنا بعد ذلك تحالف عاصفة الحزم الذي يحارب الحوثيين في اليمن منذ تسعة أشهر.

 واليوم نشاهد المولود الجديد: التحالف الإسلامي للحرب على الإرهاب. ٣٦ دولة عربية وإسلامية ليس بينها إيران وسورية والعراق تعلن الحرب على الإرهاب.

من الواضح أنه ليس تحالفاً من أجل محاربة الإرهاب وإلا لما تم استثناء إيران والعراق منه على الأقل بافتراض أن سورية عليها خلاف، لكنه تحالف موجه ضد إيران وحلفائها.

الأصل في محاربة الإرهاب هو وقف الدعم المالي والعسكري والإعلامي للمجموعات الإرهابية، لكن هذا هو آخر ما يقوم به التحالف.

حدود تركيا ما زالت مفتوحة للجماعات الإرهابية للدخول إلى سورية ومنها إلى العراق، والسلاح والأموال لا تزال تنقل للجماعات الإرهابية في سورية، والجزيرة القطرية ما زالت تقدم للقاعدة منبراً إعلامياً، والعشرات من الفضائيات الدينية لا تزال تنشر خطاب الكراهية وتبث سمومها الطائفية في العالمين العربي والإسلامي.

البعض يقول: إن هذه التنظيمات التي تتلقى الدعم ليست قوى إرهابية لكنها قوى الثورة السورية، لكن السؤال الذي يتجنب هؤلاء الإجابة عن هو كيف يمكن دعم قوى هي أسوأ من النظام نفسه وهي طرف رئيس في مأساة الشعب السوري.

المشترك بين هذه التحالفات هو التالي:

 أولاً: جميعها لم يستهدف حماية الأمن العربي المشترك ولكن إضعافه. حلف بغداد كان موجهاً ضد مصر، والتحالف ضد إيران كان يستهدف دولة فكت تحالفها مع إسرائيل وكان يمكنها، لولا الحرب عليها، أن تساهم في تعديل موازين القوى المختلة لصالح إسرائيل في المنطقة، أما التحالفات اللاحقة فقد عمقت الانقسام في العالم العربي على أسس مذهبية. ثانيا: جميعها (باستثناء تحالف الحرب على إيران الذي قادته العراق) استهدف دولاً عربية تُركت مفككة بعد الإطاحة بأنظمتها مثل ليبيا والعراق واليمن.

ثالثاً: جميعها حصل على موافقة أو مباركة أميركية وهو ما يعني أن مجال عمل هذه التحالفات لا يشمل أصدقاء لأميركا في المنطقة مثل إسرائيل، بل على العكس ربما نكشف لاحقاً أن إسرائيل كانت جزءاً من هذه التحالفات جميعها. رابعاً: وهو الأهم، أن فلسطين لم تكن يوماً أحد عناوين هذه التحالفات. لا الاحتلال الإسرائيلي الممتد منذ ستة عقود للأرض الفلسطينية أثار النخوة لإعلان تحالف من أجلها، ولا تدمير بيروت العام 1982 استفزهم لإعلان تحالف لحماية لبنان وفلسطين، ولا حصار وتجويع غزة وحروب ثلاث عليها دفعهم لذلك، ولا انتفاضات الفلسطينيين الثلاث حركت فيهم ساكناً.

هل نفهم من ذلك أن فلسطين ليست على أجندة النظام العربي الرسمي منذ عقود، ربما.

 هل نفهم من ذلك أن الهوية الطائفية لا زالت أقوى في العالم العربي من الهوية العربية الجامعة، ربما.

 هل نفهم من ذلك أن محرك هذه التحالفات من خارج دوائر العرب وصانعي القرار فيها، ربما أيضاً.

لكن هنالك سبباً أكثر أهمية من كل ذلك وهو أن محرك هذه التحالفات جميعها هو سعي الأنظمة العربية الرسمية لحماية نفسها.

 ليست الوطنية ما يحركها، ولا الطائفية المذهبية، ولا علاقاتها مع الغرب، ولكن الخوف الذي يسكنها من خسارة الحكم. إسرائيل، وبالتالي القضية الفلسطينية، ضمن هذه الحسابات لا تشكل تهديداً، لهذا لا غرابة ألا يكون لفلسطين تحالف من أجلها.

 

مشاركة: