الرئيسية » أحمد قطامش »   20 كانون الأول 2015

| | |
هل يفرمل أردوغان إنزلاقته أم يتهاوى ويسقط ؟
أحمد قطامش

بلا ريب أن تركيا أحرزت نجاحات باهرة في عهد حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان الذي أمسك الحكم في 2003. ولئن استخدم الإعلام تعبير “المعجزة الاقتصادية التركية” فقد شملت القفزة كافة الميادين.

وبلغة الأرقام, كان الإنتاج القومي التركي 400 مليار$  سنوياً عام 2003 فأصبح 800 مليار وأكثر بما وضع تركيا في الترتيب 16 عالمياً. وهذا انعكس بداهة على دخل الفرد سنويا الذي كان أقل من 4 آلاف$ فأصبح 11 ألفاً والأجور ارتفعت بنسبة 300% كما تم تسديد المديونية التراكمية التي بلغت 300 مليار$.

وفيما أغلقت أوروبا بواباتها أمام انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة, كتب الأكاديمي أوغلو الذي أصبح رئيساً للحكومة كتاباً عن عودة تركيا لمحيطها الجغرافي والتاريخي, بل واستقبلت تركيا استثمارات أوروبية كبيرة تصل 70% من الاستثمارات الكلية وأكثر من 5 مليار$ من الخليج العربي, وفتحت شواطئها ومراكزها التراثية وجمال بلادها للسياحة التي تجاوزت 20 مليون سائح سنوياً بينهم 4.5 مليون روسي ينفقون سنوياً 10 مليار$.

وانتعش قطاع الصناعة والخدمات والزراعة ووصل حجم الصادرات سنوياً 150 مليار$ بينما كان مجرد 25 مليار واتسع مع العرب ليصل 50 مليار, فيما الاستثمارات التركية في حلب وحدها 7 مليار$.

وهذا بداهة, صاحبه, نهضة في قطاع التعليم وبناء عشرات الجامعات ومثلها مستشفيات وبنية تحتية عصرية ومطارات ضخمة وصولاً إلى صناعة سيارات ودبابات وطائرات دون طيار وأقمار صناعية وتشجير مساحات هائلة بأشجار مثمرة واحراج.

وهذه الإنجازات استقطبت الرأي العام التركي فصّوت لحزب أردوغان الذي بات يشكل الحكومة منفرداً, والمضي في بناء دولة مؤسساتية وصولاً إلى إزاحة وصاية الجيش دون المساس “بعلمانية الدولة وديمقراطيتها”.

لقد قطعت تركيا شوطاً كبيراً في بناء دولة برجوازية قومية, بما في ذلك تأمين تعليم مجاني, حتى أنها فتحت أسواقها للأيدي العاملة الأجنبية, وصولاً إلى هدنة طويلة مع حزب العمال الكردستاني اليساري.

وأصبحت تركيا “صفر مشاكل” حسب اللغة الدارجة.

انزلاق أردوغان

ما الذي حدث في الأعوام الأخيرة؟؟

كشفت بروفيسورة أمريكية  في مقال لها منذ ثلاثة أعوام أن أردوغان قام بزيارة لواشنطن قبل نحو خمسة أعوام وبصحبته القائد في الأخوان المسلمين “الشاطر” المعتقل اليوم في السجون المصرية. والملخص أن أردوغان قال “الشرق الأوسط إسلامي, فأما أن يحكمه بن لادن أو الإسلام المعتدل الذي يمثله الأخوان المسلمون”.

ومثل هذا التقدير الاستراتيجي لم يكن دون أساس. إذ أعلن المعارض السوري ميشيل كيلو (أن الأخوان المسلمين يشكلون 40% من الائتلاف الوطني) وفاز الأخوان المسلمون والاتجاه السلفي بثلاثة أرباع مجلس الشعب بعد خلع مبارك, وبالمركز الأول الذي سمح لكيران بتشكيل الحكومة المغربية, مثلما فاز حزب النهضة التونسي (إسلامي دون عضوية في الأخوان) بأغلبية بعد الإطاحة ببن علي, وحصلت حماس على 44% من الأصوات في انتخابات التشريعي فيما حصلت فتح على 42% في القائمة النسبية.

وفي الأردن يعتبر الأخوان القوة المنظمة الأولى وهذا حالهم في اليمن, غير أن “السياسة جبر لا حساب” على رأي دوبريه, وفيها المجهول كما أن خرائطها ليست ثابتة.

التدخل التركي القوي في الأزمة السورية

روجت وسائل الإعلام في السنة الثانية للأزمة للخطة أ و ب و ج لاجتياح المعارضة لدمشق, وحفزتها تقديرات “متفائلة” أن النظام على أبواب سقوط… والمعارك الطاحنة حصدت دماراً رهيباً وخسائر بشرية ومآسي إنسانية تفوق الوصف وصولاً إلى هجرة نحو 5 مليون إلى لبنان والأردن وتركيا…ومثلهم وأكثر نازحون داخل الأراضي السورية.

وكانت تركيا حاضنة للمعارضة وتقاطعت هنا مع المحور الأمريكي / الأوروبي/ القطري/ السعودي. غير أن النظام لم يسقط وفي مناطق سيطرته يعيش نحو ثلثي الشعب السوري.

وطرأت تحولات جذرية على القوى المناهضة للنظام, إذ اتسع نفوذ “القاعدة” وفي العام الأخير تمددت “داعش” (بما لهما من جذور مشتركة, وهما معاً “يكفران” الأخوان المسلمين) وتدفق “المجاهدون” من عشرات الدول (اعترف الأمريكان مؤخراً ب60 ألف جهادي من 100 دولة في سوريا والعراق) بمصفحاتهم  الحديثة باللون الفضي وكأنها حرجت من مصانعها للتو, وكانت تركيا “ممراً ومستقراً” بل وفي المناطق الحدودية يتمركز اليوم نحو 10 آلاف جهادي غالبيتهم من الشيشان وداغستان والصين حيث يتموضع أيضاً التركمان (سوريون من أصل تركي) بقواتهم المسلحة.

وعليه لم ينحصر الرهان التركي على الأخوان وقوى المعارضة السورية, بل ذهب أيضاً إلى الرهان على حركة الجهاد العالمي.

وبصرف النظر عن اتهام تركيا بدعم الدواعش والقاعدة, ونفي تركيا لذلك, “فالجهاديون” كانوا يمرون من تحت أعين المخابرات التركية, وهناك الكثير من المقابلات الصحفية تمت معهم في أنقرة واستانبول, كما أن تهريب النفط العراقي والسوري (مصدر تمويلي لا تقل عوائده عن مليار دولار سنوياً) يمر عبر الأراضي التركية.

وعلى أقل تقدير يمكن استخدام قاعدة ( عدو عدوي صديقي) أو مقولة تشرشل “أتحالف مع الشيطان”, دون تجاهل تحليلات أخرى تذهب لمساحات أخرى, من بينها قلق تركيا من النزعة الاستقلالية الكردية وسعيها لقطع الطريق على هذه الدينامية التي يمكن أن تشمل كرد العراق وتركيا وسوريا, علماً أنها تحافظ على علاقة جيدة مع كرد العراق وتحديداً الحزب الديمقراطي بزعامة البرازاني.

كما لا يمكن إنكار تسليح تركمان سوريا وتطلعات تركيا أن يكون لها نفوذ في شمال العراق وسوريا.

ومن جهة أخرى لقد فتحت تركيا حدودها للاجئين السوريين بما فيهم الكرد الذين فروا من أرض المعارك, سواء معارك المعارضة مع جيش النظام أو اقتتال المعارضات فيما بينها وبشكل أخص بين داعش والكرد (الاتحاد الديمقراطي-اليساري) وبين داعش وسواه من جيش الشام المكون من عدة قوى.

والتقديرات التي كانت تقول أن اللجوء مؤقت ذهبت أدراج الرياح, فمخيمات اللاجئين باتت أكثر ثباتاً بما تتطلبه من تعليم وعلاج وعمل.  قالت تركيا أنها أنفقت عليها أكثر من 3 مليار دولار وأنها تضم 2 مليون نسمة.

أما محاولات تركيا إقامة منطقة عازلة أو أمنة فلم تحظ بتأييد أحد ومعروف أن الحدود التركية السورية تمتد على 900 كم أغلبيتها امتدادات كردية. ومع الدخول الروسي لم يعد لهذا المسعى أي فرصة, ونفس الشيء بالنسبة للإطاحة بالرئيس الأسد الذي أنتقل جيشه وحلفاؤه للهجوم في الشهرين الأخيرين.

أما “تصدير” مليون سوري لأوروبا, فقد استوعبت أوروبا هذا العبء بصرف النظر عن المأساة السورية ومأساة “قوارب الموت وعابرو الحدود” فأوروبا هي شريك في خلق الأزمة السورية, ولن يضيرها وهي التي يقطنها 500 مليون نسمة  أن يضاف إليهم مليون رغم أزمتها الاقتصادية ومديونيتها التي ناهزت 10 تريليون دولار… وهي تعترف اليوم أن هنالك أكير من 3 آلاف داعشي أوروبي في سوريا بل وتستضيف الورش الأكاديمية وأهل الرأي لتحليل أسباب هذه الظاهرة دون تحميل أجهزة مخابراتها أو سياساتها التهميشية للمسلمين ايه مسؤولية.

وتلخيصاً : لقد أخفقت السياسة التركية في سوريا. وان كانت الكارثة الكبرى قد عادت على السوريين, فثمة خسائر تركية أيضاً, وحتى الأرباح المحدودة التي استفادت منها أوساط تركية  من تجارة النفط مع داعش, فالأمور تسير باتجاه إغلاق هذه لبوابة, إضافة للخسائر المباشرة لأكثر من 3 مليون تركي كانوا يستفيدون من التجارة مع سوريا قبل اندلاع أزمتها الكبرى, سيما القرى الحدوديه ناهيكم عن توتير علاقتها مع حكومة بغداد التي اعترضت على تمدد قوات تركية في الأراضي العراقية.

الاشتباك المفتوح مع حزب العمال الكردستاني

منذ آذار 2013 توصلت السلطات التركية وحزب العمال الكردستاني لهدنة مستقرة, وما أن تعرضت أنقرة لتفجير مزدوج قتل العشرات من الأكراد من أنصار حزب الشعوب الديمقراطي, أعلن أردوغان الحرب على حزب العمال الكردي, علما أن داعش هي من أعلنت مسؤوليتها عن التفجير.

وسقطت الهدنة وعاد السجال بالرصاص والدم وقصف الطائرات, وجاء هذا في سياق الإعداد لانتخابات مبكرة بعد أن فشل حزب العدالة والتنمية في الحصول على أغلبية أو التحالف مع أحد من الأحزاب الثلاثة الفائزة, أو تحالف هذه الأحزاب الثلاثة لتأمين النصاب لتشكيل حكومة.

ودخل النظام السياسي في أزمة تهدد استقرار تركيا. ولكن الشعب التركي صوّت لاردوغان بحثاً عن الاستقرار وفاز حرب العدالة والتنمية, غير أن سياسة فتح الجروح مع الأكراد استمرت كما سياسة تركيا في سوريا والعراق حيث اقتربت بغداد من إيران فيما اقتربت تركيا من الإقليم الكردي.

المواجهة مع الروس

ما قبل إسقاط الطائرة الروسية التي تمنى اردوغان لو أنها لم تحدث, سمح بنصب “الدرع الصاروخية” الأمريكية التي تهدد روسيا استراتيجياً, وأصطف في المحور الأمريكي-الأوروبي-السعودي-القطري لإسقاط نظام الأسد حليف روسيا وإيران بعد رفض الرئيس الأسد عام 2009 السماح بمد أنبوب للغاز من قطر إلى السعودية-الأردن فسوريا الى أوروبا لتوجيه ضربة قاصمة للاقتصاد الروسي الذي يزود أوروبا بالنفط والغاز.

وما تشكله تركيا من ممر للجهاديين بما فيهم 4 آلاف قوقازي من أصل روسي يمثلون تهديداً حقيقياً للأمن القومي الروسي.

أي أن المسألة كبيرة وتتجاوز الطائرة أو أن القاذفات الروسية تقصف “جبل التركمان” أو صهاريج النفط. وفي اليوم التالي لإسقاط الطائرة لجاً ارودغان لحلف الناتو, أي الاستقواء بالحلف الذي يحاصر روسيا و ينصب الفخاخ لها في أوكرانيا والصواريخ الإستراتيجية حول حدودها, وتقديرات بوتين المعلنة “أن أمريكا تحاول إسقاط الدولة الروسية” كمقدمة للعبث بالساحة الصينية الداخلية والهيمنة على العالم, وهذه أحلام أشبه بالأوهام والذي يراهن عليها انما يراهن على حصان خاسر.

وكان حجم المبادلات التجارية الروسية-التركية عام 2014 أكثر من 40 مليار دولار, وهناك اتفاق على مد أنبوب الغاز من روسيا إلى تركيا فأوروبا وبناء مفاعلات نووية بتكنولوجيا وتمويل روسيين في تركيا وسياحة نشطة ومئات الشركات التركية العاملة في روسيا, كل هذا بات في مهب الريح.

ويساورني اعتقاد أنه لا يزعج أمريكا بتاتاً اشتعال أزمة بين روسيا وتركيا أو بين إيران وتركيا, فهذا كله يجعل امريكا أكثر قوة وتأثيراً وهي التي تشهد تراجعاً في تأثيرها إقليمياً وعالمياً وبشكل أخص في الشرق الاوسط والقارة اللاتينية فيما تصعد قوى عالمية جديدة (محور البريكس المكون من روسيا,الصين,الهند,جنوب افريقيا,البرازيل).

مصر

كما سوريا والعراق, فمصر كانت بحاجة لطرف “محايد” لا يصطف في محور ضد محور, فالاصطفاف يصب الزيت على النار, وكانت تركيا القوة الإقليمية الصاعدة مؤهلة حينما كانت “صفر مشاكل”  غير أن اردوغان ذهب مذهب أخر. و لم يسقط نظام السيسي, بصرف النظر عن التفاصيل.

فالعرب من المحيط إلى الخليج بحاجة”للحظة سلام” وأي تدخل خارجي بساعد على ذلك سوف يربح ويربح العرب, أما اشعال النيران وتمزيق البلاد والعباد فلن يربح منه أحد, بل ومهّد ذلك لمخرج لم يعرف له التاريخ مثيلاً هو( الدولة الإسلامية), التي لا تعترف بحدود أو سيادة. بل وليس لها وزير خارجية للتباحث معه ولا تتردد في التفجير في أي مكان ضمن سياسة إدارة التوحش وهذا لن ينأى عنه أحد.

لم يفت الأوان

إن سياسة اردوغان, وهو القائد القوي في تركيا, تتدحرج في منزلق, ويمكن أن يعيد هذا المنزلق إنتاج نفسه بوتائر أبعد, مثلما يمكن أن يفضي لمراجعة وتمحيص من منطلق المصالح التركية ومصالح الغير وتقليص الأضرار على الجميع وخدمة الجميع.

ثمة مربع ذهبي يمكن الإمساك به. ففي الأمس القريب نجحت تركيا, ونجاحها عاد بفوائد متبادلة مع سوريا وروسيا وإيران والعراق وفلسطين ولن يكون الغاز القطري أو الإسرائيلي أو أوروبا وأمريكا بديلا وخياراً أفضل.

وجدير الإشارة أن معدلات النمو القومي كانت  2.5  قد تراجعت إلى 1.6 وأن الليرة التركية خسرت ليس أقل من 15% من قيمتها السوقية, والتناقضات في الساحة الداخلية في تفاقم أما على صعيد أهم البلدان المجاورة فحدث ولا حرج مع احتمالات أن تتفاقم الأمور مع روسيا وإيران.

مشاركة: