الرئيسية » هاني المصري »   23 كانون الثاني 2013

| | |
التَّجمُّعَاتُ الفلسطينيَّةُ وتمثُّلاتُها، ومستقبلُ القضيَّة الفلسطينيَّة
هاني المصري

تحت هذا العنوان، وعلى مدار يومين كاملين عقد مركز مسارات مؤتمره السنوي الثاني، وشارك فيه أكثر من 200 شخصيّة سياسيّة وأكاديميّة وفعاليّات متنوعة.

لقد ركز هذا المؤتمر على دراسة العوامل الخارجيّة والداخليّة التي تؤثر في تكريس واقع التجزئة، وتلك التي تخدم معالجة هذا الواقع، وما تطلبه ذلك من دراسة تأثير المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني على تجزئة الشعب الفلسطيني من جهة، ومكامن الخلل والأخطاء والإخفاق في الأدوار والسياسات والبرامج الفلسطينيّة فيما يتعلق بالتصدي لواقع التجزئة، ومن ثم الانقسام.

ولم يهمل المؤتمر الإنجازات التي تحققت منذ نشأة القضيّة الفلسطينيّة، بالرغم من المؤامرات والحروب والمجازر والاختلال الفادح في ميزان القوى الناجم عن أن إسرائيل تجسد مشروعًا صهيوينًا استعماريًا إجلائيًا عنصريًا، وتحظى بدعم من الدول الغربيّة، خاصة الولايات المتحدة الأميركيّة، الدولة الأقوى في العالم.

بالرغم من الإنجازات الكبيرة للحركة الصهيونيّة إلا أنها لم تستطع طرد مجموع الشعب الفسطيني تطبيقًا لمقولتها "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب"، ولا ضم كل أرض فلسطين بالرغم من استكمال احتلالها لها في العام 1967.

لقد حافظ ستة ملايين فلسطيني على تواجدهم داخل فلسطين التاريخيّة، وحافظت القضيّة الفلسطينيّة على بقائها حيّة بسبب تصميم الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج على الكفاح من أجل إنجاز حقوقه بالرغم من التضحيات الغالية ومرور الزمن الطويل، واستمرت منظمة التحرير رغم تراجع دورها الكبير أداة تجسيد للقضيّة، وبوصفها الكيان الوطني الذي يجسد الهويّة، ويمارس دور تمثيل الشعب الفلسطيني.

 لقد تميز المؤتمر بموضوعه، حيث عالج موضوعًا في منتهى الأهميّة، وحسّاسًا للغايّة؛ فالتشظي والانقسام الذي يشهده النظام السياسي والتجمعات الفلسطينيّة المختلفة لا يقتصر على الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربيّة وقطاع غزة، المتمثل بوجود حكومتين وبمأسسة الانقسام وتعميقه أفقيًا وعموديًا، حيث بات يشمل كل شيء تقريبًا، وإنما استطال ليصل إلى مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني، بل ووصل الانقسام إلى التجمع الواحد.

لقد بحث المؤتمر في جذور وأسباب هذا الانقسام، وحقق نجاحًا لافتًا في تشخيص الواقع ونجاحًا أقل في تقديم الاقتراحات التي من شأنها أن تساعد على تجاوز هذا الواقع إلى الأمام، وذلك من خلال أربع عشرة ورقة قدمت قبل عقد المؤتمر ووزعت على المدعوين وستنشر بعد عرضها على المراجعة والتحكيم وتعديلها في ضوء ذلك، وبعد الملاحظات التي قدمت أثناء انعقاد المؤتمر، وتمثلت هذه الأوراق في ثلاثة محاور: المحور الأول، الفلسطينيون.. الهويّة وتمثلاتها، الذي تناول الهوية الوطنية والاجتماعية والثقافية. المحور الثاني، المشروع الصهيوني وواقع التجزئة، الذي تناول ملاحظات حول الصهيونية وماذا يريد الفلسطينيون، وخطاب التنمية وإستراتيجيات التغيير في الضفة وغزة وفلسطينيو الداخل وأوروبا والأميركيتين والشتات، وإنجازات التخطيط الإسرائيلي ونهاية الجغرافيات الفلسطينية. المحور الثالث، إستراتيجيات مواجهة التجزئة وبناء المشروع الوطني الجمعي، الذي تناول إعادة بناء التمثيل الوطني وواقع السلطة والسيناريوهات المحتملة لمستقبلها. وقدمت هذا الأوراق نخبة من الشخصيات الأكاديميّة والفكريّة المميزة قدمت من مختلف تواجد تجمعات الفلسطينيين.

وتم إبراز عدة أسباب للتشظي والانقسام الحاصل بين التجمعات الفلسطينيّة، أهمها:

أولًا. تراجع المشروع الوطني الجامع، سواء من خلال وجود عدة برامج وطنيّة مختلفة ومتنازعة مع بعضها البعض، أو من خلال التراجع حتى عن مرتكزات البرنامج الفلسطيني المقر منذ المجلس الوطني التوحيدي الذي أقرّ وثيقة الاستقلال وأطلق مبادرة السلام في العام 1988، فبعد عشرين عامًا وخلالها شهدنا الكثير من التنازلات.

ثانيًا. تراجع دور المؤسسة الجامعة المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينيّة، التي استطاعت في السابق أن تكرس نفسها بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وتراجع دورها كثيرًا بعد توقيع اتفاق أوسلو، حيث تضخم دور السلطة وتقزم دور المنظمة.

ثالثًا. غياب القيادة الواحدة، وما يعنيه ذلك من تعدد مراكز القيادة، ليحل محلها عدة قيادات ومرجعيات في الضفة الغربيّة وقطاع غزة وفلسطين الداخل والشتات.

رابعًا. ضرب اتفاق أوسلو لوحدة الشعب والأرض والقضيّة، حيث أصبحت القضيّة قضايا والشعب شعوب والأرض أجزاء، وتفاقم الأمر بعد سلسلة من التنازلات التي تضمنها وتلك التي لحقت به، التي مست الحقوق الأساسيّة من خلال الاعتراف بإسرائيل من دون حتى أن تعترف بأي من الحقوق الفلسطينيّة، وتجزئة الحل إلى مراحل انتقاليّة ونهائيّة من دون التزام إسرائيل بوقف مخططاتها المستمرة بخلق الحقائق الاحتلاليّة على الأرض، والتخلي عن أوراق القوة التي يملكها الفلسطينييون والتي تبدأ بأن قضيتهم عادلة ومتفوقة أخلاقيًّا، وتشمل بعدها العربي بوصفها قضيّة فلسطينيّة عربيّة، وعلى العرب تحمل مسؤولياتهم إزاءها بوصفهم شركاء وليسوا مجرد متضامنين مع الفلسطينيين، وبعدها الإنساني والدولي الذي أعطاها أسلحة مهمة، مثل التضامن الدولي مع القضيّة الفلسطينيّة، والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها، التي وبالرغم مما انطوت عليه من ظلم تاريخي للشعب الفلسطيني إلا أنها تضمنت الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينيّة، بما فيها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينيّة، وحق العودة والتعويض للاجئين. كما تم التنازل في أوسلو وملحقاته عن المقاومة وأشكال النضال ووصفها بـ"الإرهاب والعنف" من دون أن تحقق أهدافها، وأصبحت قضيّة اللاجئين مهمشة وتعني مسألة الرمزيّة، كما ظهر من خلال الموافقة على معايير كلينتون، وعلى مبادرة السلام العربيّة التي دعت لحل متفق عليه لقضيّة اللاجئين، أي وضعها تحت رحمة الفيتو الإسرائييلي.

وأخيرًا ارتُكِبَ خطأ فادح من خلال تقزيم القضيّة الفلسطينيّة وإظهارها كأنها قضيّة خلاف على طبيعة السلام، أو بين التطرف والاعتدال، أو أرض متنازع عليها، أو كأنها تفاوض بين طرفين متساويين بالحقوق، أو كأنها قضيّة تخص الضفة الغربيّة وقطاع غزة وليس الشعب الفلسطيني أينما تواجد داخل الوطن المحتل وخارجه، وكما تمت الموافقة على مبدأ تبادل الأراضي ليسمح بضم الكتل الاستيطانيّة الكبيرة، بما يؤدي إلى الوحدة الإقليميّة للأرض ارض المحتلة في العام 1967، وفتح المجال للمساومة الواسعة عليها.

لقد أظهر مؤتمر مركز مسارات أهميّة مراجعة التجارب السابقة مراجعة علميّة وعميقة، لأن الإستراتيجيات المعتمدة، وخاصة إستراتيجيّة المفاوضات كطريق وحيد، أو إستراتيجيّة المقاومة كطريق وحيد، لم تؤد إلى تحقيق الأهداف الوطنيّة بمجملها، كما لم تؤد إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة ـكما كان الأمل، ولو عن طريق مقايضة الدولة بحق اللاجئين، أو عن طريق الفصل ما بينهما، بحيث تقام الدولة من دون الاتفاق على قضيّة اللاجئين.

كما تناول المؤتمر أهميّة إعادة تعريف القضيّة الفلسطينة، بالتركيز على خطاب الحقوق، والإقلاع عن وهم إمكانيّة التوصل إلى تسوية، وضرورة إعادة بناء الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة والتمثيل الفلسطيني، وتوحيد النظام السياسي على أساس القناعة بأن فلسطين تمر بمرحلة التحرر الوطني.

واستعرض المؤتمر الخصائص التي تميز التجمعات الفلسطينيّة، دون أن يعني ذلك المساس بالمقومات التي تحقق وحدة القضيّة والشعب والأرض، فما يميز كل تجمع بعد أكثر من 64 عامًا على النكبة وتفاوت الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة؛ أوجد مصالحَ ومطالبًا خاصةً لا يجب إهمالها ولا تمس، بل تساعد على النجاح من أجل تحقيق الحقوق والأهداف الأساسيّة التي يجمع عليها الفلسطينيون جميعًا.

إن الاستخلاص الأساسي من المناقشات التي شهدها المؤتمر أن هناك إمكانيّة للجمع ما بين الكفاح لتحقيق القضيّة الفلسطينيّة بوصفها قضيّة تخص الفلسطينيين جميعًا، وبين الكفاح لتحقيق مصالح ومطالب وحقوق كل تجمع فلسطيني، وإن ما يفرض ما سبق أن الصراع طال كثيرًا، ومرشح للاستطالة أكثر، بحيث لا يوجد حل سريع لا عسكري ولا سياسي، وبالتالي لا يجب تأخير الاستجابة لتحسين شروط حياة الفلسطينيين أينما تواجدوا إلى حين حل قضيتهم الوطنيّة، أو اعتبار بؤس حياتهم مصدر مهم من مصادر استمرار قضيتهم الوطنيّة.

إن المؤتمر الثاني يمثل الانطلاقة الحقيقيّة لمركز مسارات، ويطرح على القائمين عليه والداعمين له وعلى رأسهم المؤسس والداعم الرئيسي السيد عبد المحسن القطّان تحدياتٍ كبرى للتقدم نحو الأمام، وعدم التنازل عن المستوى الفكري والمنهجي والإستراتيجي الذي عبر عن نفسه في هذا المؤتمر، وأصبح من الصعب التنازل عنه في المؤتمرات القادمة، ومختلف نشاطات المركز وأعماله، التي تشمل الأبحاث والأوراق الإستراتيجيّة والسياساتيّة والبرامج والمشاريع التي تعمل على ربط المعرفة العلميّة بتلبية الاحتياجات الحقيقيّة للإنسان الفلسطيني.

Hanimasri267@hotmail.com

 

 

مشاركة: