الرئيسية » علاء الترتير »   31 كانون الثاني 2016

| | |
نحو إعادة بناء الحركة الوطنية: المجتمع قبل السياسة
علاء الترتير

في غمرة انشغالنا الدائم بالسياسة يبدو أننا -كفلسطينيين- ننسى المجتمع، وبالتالي فإننا نتناسى أن المجتمع هو أساس النظام السياسي وضابطه. فالسياسة لا تُصنع في الفراغ، أو من الفراغ، ومستهلكو ومعدّو السياسة ليسوا بالكائنات الوهمية. بل هي نتاج لحراك اجتماعي مستمر وجدل وتفاكر حول الخيارات المتاحة للشعوب.

 فالنظام السياسي هو انعكاس بشكل أو بآخر للمجتمع بأزماته أو بتقدمه. وفي الحالة الفلسطينية، والتي تنتقل من أزمة إلى أخرى أكثر مرارة، يستمر تناسي هذا الافتراض البديهي -طوعاً وعن قصد- واعتبار المجتمع مجرد تابع للسياسة وليس محركاً أو منتجاً لها.

 هذا التناسي مناسب ومريح للنخب السياسية -بيسارها ويمينها- لأنه يعفيهم من مهام مجتمعية شاقة كمسؤولية المساهمة في بناء المجتمع، ويعفيهم أيضا من الالتزام بما تمليه أسس العقد الاجتماعي. كذلك، فإن هذا التناسي يضمن غياب أسس المحاسبة والمساءلة المجتمعية للنخب السياسية، ويعطي الفرصة تلو الفرصة للسياسيين لتبرير فشلهم بسبب "انغلاق الأفق السياسي". ويزداد الطين بلة حين يعلّق السياسيون إخفاقاتهم على الاحتلال العسكري الإسرائيلي والظروف الإقليمية والأزمات الدولية.

 بدلاً من الإبداع في خلق البدائل واقتناص الفرص والنهوض بالفكر السياسي الجمعي، فقد اتقنت الحركة الوطنية الفلسطينية وخاصة على مدار العقدين الماضيين مهارات التملص من الواجبات والتبرير الدائم للفشل. أيعقل أن نمعن بالفشل، وألا تملك الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها بديلاً لنهج أوسلو؟ وماذا عن "الأفق المجتمعي" للحركة الوطنية؟ هذا الأفق الذي يشكل كابوساً للنخب السياسية عندما يصحو وينتفض، ويشكل حلما رقيقاً وناعماً عندما يرضى أن يكون مطية لتلك النخب.

 بكلمات أخرى، فشل الحركة الوطنية في إحراز الأهداف والتطلعات الشعبية الفلسطينية يترافق مع فشل في المنظومة المجتمعية وقيمها، ويتمثل ذلك بوجه الخصوص في غياب رؤية نهضوية جمعية تجمع الفلسطينيين أينما كانوا.

علينا ألا نُفاجأ من هذا الاستنتاج؛ إذ إن التجارب الأخرى على مستوى العالم قد مرت بهذه المرحلة أيضاً، لكن العديد من هذه التجارب استطاعت أن تعكس حالة الفشل هذه من خلال الاستثمار في "الأفق المجتمعي" قبل الاستثمار في "الأفق السياسي"، وهذا ما نحن بأمسّ الحاجة إليه كفلسطينيين. فوعي وثقافة التحرر والانعتاق الذي يؤسس لمجتمع فاعل في صُلب النظام السياسي، هو الأساس الذي سيقود بالضرورة إلى التغيير الإيجابي.

فأوسلو ومشاريع بناء الدولة وتجريم المقاومة وتجذر النيوليبرالية بنكهتها الفلسطينية كلها عوامل أعادت خلق المجتمع الفلسطيني -وخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة- لكن بالاتجاه الخاطئ، وبما لا يتناسب مع متطلبات التحرر والتحرير. والمطلوب اليوم هو نظم اجتماعية مختلفة تعنون الاختلالات البنيوية التي مر ويمر بها المجتمع الفلسطيني، أي الانخراط في عملية إعادة خلق مضادة.

من الذي يقوم بتلك العملية؟ بالتأكيد ليست النخب السياسية السائدة وليس جيل "منظمة التحرير" أو على الأقل أغلبيته. نعم، فثمة صراع واضح للأجيال في الساحة الفلسطينية وللمدارس الفكرية التي ينتمون إليها وللسبل التي يرغبون باتباعها، ولا يجب أن نخجل من مصارحة أنفسنا بذلك أو أن نختبئ وراء غطاء المحرّمات الوطنية، فقد سقطت كل أوراق التوت. ذاك الجسم الجامع، منظمة التحرير الفلسطينية، يعني القليل القليل للأجيال الجديدة بما فيها تلك المنتفضة الآن.

 هذه ليست بمحاججة "ضد المنظمة" وفكرتها أو جوهر رسالتها أو الحاجة لإصلاح مؤسساتها أو إجراء انتخابات لأجسامها، وإنما هي محاججة حول شخوصها وغياب مؤسساتها وترهل هياكلها. فالجيل الجديد لا يلمس أو يشعر بمعنى منظمة التحرير، ولا يجب لومهم على ذلك، فلا متسع لمزيد من الرومانسية حول المنظمة وتاريخها.

 ولكن النخب السياسية الحالية ترفض الاعتراف بذلك فلا مصلحة لها بهذا حتى لا تقزّم نفسها أكثر من الآن. إذن، فصراع الأجيال يكمن في صُلب الحاجة لتقديم المجتمع وبناه على السياسة، فالأسس الصحيحة للمجتمع القابع تحت شرط استعماري كولونيالي ستفرز وتساهم في بلورة أطر وأسس صحيحة لنظام سياسي تقدمي ومشتبِك.

 بالطبع ما هو صحيح لشخص أو جماعة لن يكون صحيحاً لآخرين، فهذا معيار نسبي وذاتي ولا ضيّر في ذلك، وهنا بالضبط تظهر الحاجة الملحّة لجدل وتفاكر جمعي حول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية وأدوات نضالها ورؤيتها وخططها العملية لتنفيذ وتطبيق هذه الرؤية. التركيز على المجتمع وإصلاح التشوهات البنيوية وربما القيميّة ليس بالمشروع السهل، لكنه الأساس لنظام سياسي مختلف

مشاركة: