الرئيسية » أحمد قطامش »   10 شباط 2016

| | |
استحقاقات سياسية وتنظيمية يستوجبها الاشتباك الانتفاضي في الأراضي المحتلة
أحمد قطامش

مضى شهر ونصف تقريباً على الجولة الجديدة في سفر النضال التحرري الفلسطيني. وكل محاولات إخماد الإرادة الوطنية بإعادة العنصر الشبابي إلى «بيت الطاعة» انتظروا هناك مسعى سياسي في الطريق وإجراءات البطش المتنوعة أخفقت مثلما تبددت الكثير من الأوهام وعوامل التخدير.
ولم يعد ثمة قيمة علمية "لقراء التاريخ" "هذه عفوية تنتفخ وتنطفئ في أيام" فصناع التاريخ, شيدوا مقطعاً ميدانياً وأضافوا صفحة سطورها من دمائهم ووعيهم وبذلك سقطت النظرة الاستشراقية الاستعلائية "القوة و العصا أفضل وسيلة" و "القطيع يتبدد بإزالة من يقف في المقدمة" تكثيفاً لمقولة عالم النفس فرويد «الشعوب غير الأوروبية كاذبة، همجية,عنيفة,كسولة,متخلفة«.
أما التحليلات العنصرية "الإحباط,الفقر,تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية" هي محركات الغضب الفلسطيني لما لهذه العوامل من أهمية, غير أن المحرك الأكبر هو تطلع الشعب للحرية. فمنذ عقود ينهض الشعب ولا يكف عن المحاولة من أجل الوطن والتحرير. ففي أربعينيات القرن الماضي سقط نحو 60 ألف شهيد حسب كتابات المؤرخ عارف العارف, وأكثر منهم بعدئذ في مرحلة الفصائلية الفدائية الدكتور يزيد الصايغ وسواه بما يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد "إحباط وفقر".
وكان المجتمع الفلسطيني في الضفة وغزة بعد هزيمة حزيران 67 لا يتجاوز تعداده أكثر من ثلاثة أرباع المليون ومثلهم جرفتهم الهزيمة خارج الوطن,ولم يستسلم. وشخصياً كان رقم اعتقالي في سجون الاحتلال هو 301, فما بالكم وقد أصبح يناهز 5 مليون نسمة, ونحو مليون ونصف في الداخل وأكثر من 6 مليون في "دول الطوق" والشتات؟؟
إذ مهما بلغ تمادي المستَعمر ونظرته التمثيلية التي يسقطها على المُحتل كما شرحها الراحل إدوارد سعيد في "الاستشراق" فهي غطرسة لا تصمد أمام حقائق الحياة, وقد سقطت بعدد مرات اندحار الاستعمار واستقلال الشعوب.
وآخر التقديرات الأمنية الاحتلالية أن "الانتفاضة ستستمر" بخلاف ما قال رابين عن الانتفاضة الكانونية 87 " أنه سينهي الاضطرابات خلال أيام.
فمفردة "انتفاضة" لم تكن حاضرة في التقديرات الإسرائيلية, وغير واضحة المعالم في الأدب السياسي الفلسطيني, باتت راسخة بعد الانتفاضة الكانونية,ولها منظروها بصرف النظر عن مدى عمقهم ودراستهم للمؤلفات ذات الاختصاص وأهمها على الإطلاق " فن الانتفاضة-لوسو-1932",عن الانتفاضة الإيطالية.
لم تتراجع السياسة الاحتلالية قيد شعرة حتى اللحظة
رغم ما حصد "الانتفاض" الحالي والذي أتينا على ذكره في مقال سابق, وأسهب المحللون في تعداده يمكن التذكير أن الوعي الفلسطيني في مجمله, قد تخلص من خدعة أن مسار مدريد-أوسلو سيفضي لحل ودولة...فمثل هذه الخدعة دغدغت عواطف الناس الحالمين بالحرية والاستقرار, دون انتباه كاف أنه لا يوجد حزب إسرائيلي واحد يعترف بدولة فلسطين على حدود 67 أو أقل من ذلك أو الجلاء عن القدس الشرقية..حتى أن بيريس (حمامة السلام) قال لبسام أبو شريف حسبما أشار في لقاء تلفزيوني " يبدو أن صاحبك –أبو عمار- جدي في موضوع الدولة-وهذا لا تقبل به أي قيادة إسرائيلية، أما برنامج الليكود فكان ولا يزال سلطة واحدة من البحر إلى النهر) وهناك من هو أكثر يمينية من الليكود. وبالتالي لم يكن صدفة ألا تثمر "المفاوضات" السرية والعلنية والوسطاء من كل الأجناس, على امتداد عقدين ويزيد عن نتائج, وكانت أقرب لغطاء للتوسع الاستيطاني الاستعماري والذي صاحبه إجراءات كثيرة استباحت كل ما هو فلسطيني.
ودون التقليل من "حصاد أكتوبر" فالسياسة الاحتلالية هجومية, وأحد أركانها نشر آلاف وآلاف الجنود في الضفة الفلسطينية حيث نالت القدس الشرقية وحدها 3500 "شرطي" وإطلاق النار على المزيد من الفلسطينيين حيث سقط 18 شهيداً في غزة فيما حجارتهم لم تصل أهدافها وأكثر من ضعفهم, لأنهم يتظاهرون على نقاط التماس في الضفة, فيما تشير الإحصاءات أن عمليات الدهس والطعن لم تصل ل 40 عملية, وأما عدد الشهداء فيقترب من 100 .
ولم تعلن سلطات الاحتلال عن وقف الاستيطان بل زادته أو رفع الحصار عن قطاع غزة بل أضافت سوراً ترابياً أو إطلاق سراح الإداري بل أضافت المزيد, وحتى أكثر الرموز الفلسطينية اعتدالاً وبراغماتية باتوا مهددين فيما خطة برافر الاحتلالية تنتظر الظروف الملائمة لتنفيذها.
فالسياسة الاحتلالية هجومية ومنقوش على رايتها "سوف نخضعكم بالبطش" " أنتم لستم سوى جنادب قياساً بإسرائيل" شامير "والعربي يخضع للقوة" نتنياهو وباراك.. والآبارتهايد (هيمنة فئة من عرق على فئة أخرى من عرق أخر كجريمة) (المادة الثانية في التعريف القانوني للأمم المتحدة ) ليس سوى مزحة قياساً بما يتعرض له الفلسطيني...."وما نفعله بكم لا يقارن بما يفعله العرب بأنفسهم" يتردد في زنازين التحقيق" "لقد تخلى العرب عنكم".
وكأن كل ذلك وسواه يلغي عدالة القضية الفلسطينية أو يصلح لتزكية كلمة غولدا مائير " أين هو الشعب الفلسطيني ؟ " تماشياً مع مقولة هرتزل في مراسلاته لروتشيلد (الدولة اليهودية) "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض", ليقوم لاحقاً الباحث الاسرائيلي بنفنستي والصحافي جدعون ليفي بوصف هذا الكلام "بالمأزق الذي ينكر الوقائع".
ينزاح المجتمع الإسرائيلي بأسره حكومة وشارعاً نحو اليمين, بل اليمين المتطرف, يغذيه الفوبيا التي اشتدت جراء الماتسادا قبل ألفي عام, مروراً باللا سامية الأوروبية في القرنين الثامن والتاسع عشر, وصولاً إلى الهولوكوست الهتلرية, وما تراه العين اليوم عن خارطة صغيرة وسط خارطة عربية مكونة من 350 مليون "وشرق أوسط" يمتد من اندونيسيا إلى المغرب العربي بيئته الشعبية معادية في مجملها.
لكن هذا "الخائف" لا يأخذ بنصيحة حركة باريت شالوم في أربعينيات القرن الماضي والبروفيسور اغنس رئيس الجامعة العبرية (العودة للشرق ودولة ديمقراطية للعرب واليهود) ولا قرارات الشرعية الدولة (بالعودة والدولة وتقرير المصير) ولا بنصيحة دعاة الدولتين ولا حتى وقف الاستيطان لا تفكيكه, وإطلاق سراح الدفعة الرابعة لقاء استئناف المفاوضات. بل يمعن في سياسته التي يلمسها كل فلسطيني على جلده وروحه ومستوى معيشته.
ومن غير المتوقع أن يتراجع النظام السياسي الإسرائيلي "حكومة ومعارضة" عن تطلعات الهيمنة والتوسع, طالما أن الاحتلال مشروع رابح والثمن المدفوع ليس كبيراً ويمكن مكابدته.
فهذا المشروع سرق الوطن الفلسطيني, وكل النضال الفلسطيني قبل وبعد 76, وقبل أوسلو وبعد أوسلو وحتى الجولة الحالية, لم يبلغ الشأو الذي يجبر المشروع على الانكفاء, وحتى عندما أخلى قطاع غزة تحت الضغط, دون الانسحاب إذ استبقى السيطرة على الحدود والسماء والماء وثلاث حروب أقرب لحروب في أقل من عقد, أندفع بوتائر توسعية في الضفة تهويداً للقدس وابتلاعاً للأرض سيما في المنطقة «سي» التي تبلغ مساحتها 60% من الضفة الفلسطينية).
لكن الشعب الفلسطيني, كأي شعب آخر يتمتع بوطنية متقدة ونفس طويل ومصابرة, وهو لا يستسلم ابدأ ومن جيل إلى جيل إلى أن تحرر فلسطين والإندفاعة الحالية في بداياتها,وهي تعلن جهاراً نهاراً أن ثمة خيارا آخر غير خيار "أوسلو" وأن مؤتمر هرتسيليا الأخير الذي تجاهل القضية الفلسطينية وقد أمتد التجاهل إلى الجمعية العامة في دورتها الأخيرة من قبل الرئيس الأمريكي "الراعي الذي يحتكر عملية السلام" مثل هذه الحسابات تتساقط بفعل المبادرة الشبابية الفلسطينية, فما بالكم إن اتسعت القاعدة الشبابية وانضمت قطاعات جماهيرية على غرار مسيرة الجثامين الخمسة في الخليل وتظاهرة سخنين أو مجرد حيز مكاني في كل مدينة وقرية ومخيم تحتشد فيه الجماهير والعوائل طفلاً وشيخاً وما بينهما دون أي احتكاك بنقاط التماس رافعين شعاراً واحداً "لا للاحتلال ونعم للحرية" !! وهنا تحديداً يقع دور الحركات السياسية الفلسطينية اسناداً للميدان الشبابي في اللحظة الراهنة.
استحقاقات سياسية وتنظيمية فلسطينية
ترتيب البيت الداخلي, وفي المقدمة ترتيب الفكر السياسي الفلسطيني, استناداً لعلم التاريخ, العلم الوحيد الذي نعرفه ونعترف به، ماركس, يقتضي أولاً :-
تجاوز "أوسلو"
فهذا المسار أفضى لنتائج باتت, معروفة ولم تعد سجالية بين اجتهاديين مع وضد, إذ بلغت الدينامية التفكيكية للأهداف والخارطة والحقوق والشعب الحد الذي يوجب معه اغتنام اللحظة المواتية للنهوض الحالي, سيما وأنه صناعة فلسطينية نقية من كافة التيارات المؤطرة وغير المؤطرة, التي لها عناوين أو بلا عناوين, وبالتالي احتضانه ومكافأته بتجاوز أحد أسباب الانقسام الداخلي الذي ذهب إلى مديات تفوق التصور.
والتجاوز لا يقتضي الإلغاء الرسمي, والذي يبدو أن قوى وازنة بما عليها من التزامات وما لها من مساعدات لا تستطيع قطع المسافة لبلوغه,أي بلوغ الإلغاء الرسمي خشية ردات الفعل المتوقعة من قبل جهات عديدة.أما التجاوز فيفرضه منطق الحركة الموضوعية وما, يمكن أن يتوالد من توجهات أتعرض لها لاحقاً. وإلى أن يتم التجاوز الواضح يتعين الذهاب الى التالي :-
تكريس وتعميم الوحدة الميدانية
إن ميزة الوحدة الميدانية أنها لا تشترط الاتفاق أو التوافق على برنامج سياسي وخط سياسي, وإنما تأتي اعترافاً بغياب ذلك, وهي تستوعب التعددية السياسية والخطوط السياسية المتعددة ومصادر التمويل المتباينة بما للمال من دور لا يمكن تجاهله عندما نعلم أن نحو 40% أو أكثر من موازنة السلطة الفلسطينية هي مساعدات خارجية وأكثر من ذلك بل وضعف ذلك من موازنة "سلطة غزة" والبنى القتالية في القطاع, وهؤلاء يتخطون في مجموعهم 100 ألف موظف ومتفرغ ومناضل.
ولولا الوحدة الميدانية في مخيمات بيروت لما صمدت المخيمات بين 83-1985 رغم الانقسام السياسي واقتتال فتح-فتح, وهذا حال إضراب أكثر من 1000 أسير فلسطيني أربعة أسابيع عام 2013 بما أفضى "لتحرير" المعزولين وزيارة أهالي غزة لأبنائهم , ولما استمرت المواجهات على نقاط التماس منذ شهر ونصف ولما قام أي نشاط مشترك في الجامعات والنوادي..الخ .
وللوحدة الميدانية قواسم مشتركة عديدة, منها الحفاظ على حالة النهوض كون المقطع الميداني هو الأهم اليوم, والدفاع عن عروبة القدس بترابها وأهلها ومقدساتها الإسلامية منها والمسيحية ورموزها التراثية وحماية ما تبقى من أرض......
وإمكانية البحث في توحيد ما تبقى من القوانين الفلسطينية في الضفة وغزة وإصلاح قطاع التعليم التلقيني القديم (ما قاله العالم باز للرئيس السيسي "التعليم في مصر خرابة") فيه عبرة, والقطاع الصحي الذي يقول فيه أهل الاختصاص ما يقولون, والبحث في إمكانية مؤشرات تنموية بعد أن وصلت البطالة 35% والفقر 50% وهي أكثر من ذلك في قطاع الشباب كتربة خصبة لأكثر الطبعات تطرفاً,والوقف الجدي لإرساء حد معين من مشروع ثقافي يخاطب العقل والفؤاد ويصون الذاكرة, والقيم الطيبة والمبادئ الموجهة لمشروع تحرري يوحد ولا يفتت ولا يعود بنا إلى التقسيمات العشائرية والطائفية والجبريات ولا يسمح بتغليب الفئوية السياسية على النواظم الوطنية ويطلق طاقات الناس ويضخهم بالأمل والفرح والثقة بالمستقبل, والعمل المشترك وما أمكن على قاعدة الكفاءة في كل التنظيمات الاجتماعية والوحدات المهنية والاقتصادية.
ان المساحة كبيرة ومتنوعة, ولكن الاشتباك الميداني يحظى بالأولوية اليوم, وهذا يقتضي ثالثاً :-
تقبل التعايش والكف عن احتكار الوطنية
وأكثر النماذج سطوعاً,هو التعايش بين حكومة بيروت ومقاومة الجنوب منذ أواسط الثمانينيات حتى عام ٢٠٠٠, فالحكومة كانت في واد وحزب الله في واد, بينما في فلسطين لم نصل الى هذا القدر من التقاطب, فالجميع له تاريخه والجميع له أسراه والجميع له عيوبه, وهناك تقاطعات تجعل الفريق الواحد في عدة تحالفات مرة سياسية ومره اجتماعية , فخارطة القوى الفلسطينية متداخلة, ويخطئ من يعتقد أن بوسعه حمل القضية الوطنية منفرداً, أو يستقوي بهذا على ذاك, دون أن ننسى أن استطلاعات متكررة تتحدث عن ان 50% لا يؤيدون كل الخارطة السياسية الفلسطينية.
أما العنصر الذي لا يمكن تجاهله فهو العنصر الشبابي الذي يتقدم الصفوف وينتقد الصفوف ويملأ سجون الاحتلال الأمر الذي لا يستقيم العمل السياسي الفلسطيني دون إشراكه على أوسع نطاق والتخفيف من معضلاته على أوسع نطاق.
النظرة للذات والنظرة للسياسات الاحتلالية
يمتلك الشعب الفلسطيني كل مقومات القوة, فهو يناهز 13 مليون نسمة, نصفهم على أرض الوطن, وطبقة وسطى لا تقل عن 20% من قوة العمل بما تحمله من مستوى تعليمي, ومخيمات هي حاضنة البندقية وأرياف وعمال وطلبة كطاقة نضالية لا تنضب وقوة صمود لم تستلم لأشد الظروف جفاءً حتى في حرب بيروت 82 وسجون الاحتلال وحصار غزة "وتكتيك الضاحية" بتدمير مخيم الشجاعية, ومعاقبة السلطة بتقليص المساعدات الخارجية ووقف المستحقات الضريبية بما يتركه من إرباكات في دفع رواتب 170 ألف موظف وموظفة وأشد من ذلك على موظفي سلطة غزة.
ورغم إمكانات "غزة" المتواضعة مقارنة بجيش عصري نووي وسلاح طيران فتاك, باتت لديها قوة ردع , ورغم الطابع الفردي للأعمال النوعية الأخيرة فقد توالد الهلع لدى "مجتمع المستوطنين المرفه الشبعان "بكلمات فرانز فانون" ناهيكم عن التخوف الإسرائيلي الدائم من انتفاض ثالث يشارك فيه مئات الآلاف والملايين.
الشعب الفلسطيني حقيقة, يتعذر تبديدها أو تجويفها, وحاول التخطيط الإسرائيلي احتواءها وتفكيكها في أوسلو, ولكنه اصطدم بأسابيع النفق عام 1997 وسنوات التحدي 2000-2005 وحتى أكثر الفئات الفلسطينية اعتدالاً وبراغماتية, باتت مستهدفة .
أي أنهم يريدون تحويل القيادة الفلسطينية لوكيل أعمال للاحتلال وهذا لا تذهب إليه قيادة فلسطينية سواء معتدلة أو متشددة, يمينية أو محافظة أو يسارية أو بلا لون.
وبالتالي يتعين التخلص من وهم أن ثمة فرصة لتسوية سياسية قريباً, فهذا الوهم شتت الكثير من الجهود الفلسطينية وأشعل الكثير من الخلافات الفلسطينية في العقدين الأخيرين.
ويكفي استحضار خطاب نتنياهو الأخير في الجمعية العامة ( لا دولة فلسطينية خلال ال20 سنة القادمة.....وعلى الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية) بما يحمله ذلك من مخاطر تهجير ل1.5 مليون فلسطيني وراء "الخط الأخضر" وتصريحه الأخير "لا انسحاب من الأغوار" ومساحته 28% من الضفة, ومعروف أن حزب الليكود قد صوت ضد "أوسلو" بينما ثمة إجماع على الاستيطان الكولونيالي "والقدس عاصمة أبدية".
في الإستراتيجية السياسية الفلسطينية
وتحديداً ثلاث مفردات (الهدف- الخط السياسي-التحالفات),سواء كان الهدف تحرير فلسطين أو المرحلي بالعودة والدولة وتقرير المصير, أي تحرير الأرض وحرية الشعب والسيادة على الأرض والشعب,فهذا لم يتحقق.
أما الخط السياسي فقد تمحور نحو ربع قرن حول الكفاح المسلح ولم يحرز هدفه,وربع قرن من المفاوضات دون أن يحرز الهدف أيضاً, صاحب الكفاح المسلح نضالات جماهيرية وإعلامية و ديبلوماسية وانتفاضة جماهيرية استمرت خمس سنوات ما قبل توقيع اتفاق أوسلو, وانتفاضة أخرى كان المظهر النخبوي فيها أكثر حضوراً من المظهر الجماهيري مع بدايات الألفية الجديدة في مرحلة أوسلو وفي المسارين لم يرحل الاحتلال ولم تتحقق السيادة.
والآن ثمة خط يعتمد التوجه إلى الأمم المتحدة ومؤسساتها وخط يحمل البندقية, الأول مركزه في الضفة والثاني مركزه في غزة, مع تشابك جزئي بين الخطين في مرحلة يسودها الانقسام الفلسطيني.
ومنذ شهر ونصف اندلعت مواجهات شبابية في عشرات المواقع, ومبادرات فردية, تحاول أن تكتسب طابعاً جماهيرياً بمشاركة آلاف الناس في بيوت العزاء وجنازات الشهداء, وإضرابين عامين للفلسطينيين وراء "الخط الأخضر".
وبصرف النظر عن "الجدل" حول انتزاع قرار "دولة غير عضو" ورفع العلم الفلسطيني في الأمم المتحدة "وجدل" حول الذهاب لمحكمة الجنايات وفتح الملفات, فهذا خط صائب ولكن طاقته مهما اتسعت مدياته لا تزيل احتلالاً ولا تقيم سيادة.
ذلك أن السياسة الرسمية الإسرائيلية لم تنفذ قرار 242 سواء بصيغته الفرنسية (الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام 67) أو صيغته البريطانية (الانسحاب من أراضٍ احتلت عام 67) رغم مرور نصف قرن على ذلك, وهو القرار الصادر عن مجلس الأمن أي أعلى سلطة في الأمم المتحدة وليس إحدى منظماتها أو المستوى الثاني (الجمعية العمومية). أما السبب الجوهري فهو اختلال ميزان القوى والذي يسمح للسياسات التوسعية الاحتلالية بالاستمرار.
أما إخلاء قطاع غزة, دون الانسحاب منه, فهو جاء تحت ضغط المقاومة من جهة وإيلاء الاحتلال الأولوية للضفة والقدس ورغم صمود قطاع غزة أمام ثلاث حروب في أقل من عقد والندية أحياناً وقوة الردع أحياناً أخرى فخيار المقاومة في غزة لم يصل حد خروج الاحتلال من السماء والماء والحدود وفك الحصار,وبطبيعة الحال لم يزل الاحتلال من الضفة.
والأمر نفسه ينطبق على خيار المفاوضات والاعتدال... وجاء التحرك الشبابي الأخير الذي أشعل فتيلاً لم ينٍ يشتد ويتسع, ويحصد نجاحات معنوية وسياسية جوهرها إعادة القضية الفلسطينية للمشهد وإنها بلا حل وإرادة مصممة على المواجهة وانتزاع الحقوق .... ليمهد لثلاثة سيناريوهات :-
1) استمرار الوتيرة الحالية, كمحطة نضالية كسرت التراخي وبددت الكثير من الأوهام وكبدت الاحتلال خسائر متنوعة ...ولكنها غير كافية لتغير سياسي يفضي لجلاء الاحتلال. أو أحد تمظهراته سيما المستوطنات الكولونيالية كما حصل في مستوطنات غزة.
2)أن يكتسب طابعاً جماهيرياً ويتحول لانتفاضة. فللانتفاضة طابع جماهيري استناداً لخبرة الشعوب والتجربة الفلسطينية, حينها يمكن أن تتسلح بمطلب سياسي صريح "الحرية والاستقلال" كما كان الحال في انتفاض أواخر الثمانينيات,وهذا لم تتوافر اشتراطاته بعد, ولكنه ممكن إذا كفت القوى السياسية بما لها من ثقل, عن التنظيرات الشعاراتية, بصرف النظر عن مدى صحتها, وانخرطت في الميدان, ولا أقول نقاط تماس, بل مجرد حيّز مكاني يتجمهر فيه التماس في كل مدينة وقرية ومخيم بما لذلك من تفاعل جدلي مع "نقاط التماس".
3) أن تخبو بتدرج مساحة الاشتباك الميداني وأن تضع إجراءات الاحتلال حداً له.
والسيناريو الأوفر حظاً, في اللحظة الراهنة, هو السيناريو الأول.
أما على صعيد المفردة الثالثة, فعلى امتداد ربع قرن راهنت "القيادة الفلسطينية" على المسعى الأمريكي واستجابت لبعض الاشتراطات المرتبطة "بأوسلو"... والقوة الصاعدة "حماس" وثقت علاقتها بإيران ونظام دمشق لعقدين من الزمن إلى أن اندلعت الأزمة السورية, أما القوى الأقل وزناً فكان لها اجتهادها دون أن يكون لها فعلها الكافي.
والجديد أن المشهد الدولي يتغير ومعادلاته تتغير ( هذا يستحق وقفة منفصلة) والأمر نفسه ينسحب على المشهد الإقليمي.وهذا ينبغي أن يؤخذ بالحسبان لأن (التعاسة في السياسة هي عدم تمثل المتغيرات «لينين».
أمر لا يمكن نكرانه أن القراءات متعددة ومتباينة للتحولات في المشهد الدولي والإقليمي . كما أن الاستحقاقات الفلسطينية غير واضحة. ولكن لا أحد ينكر أن الأحادية القطبية قد سقطت والعولمة المتأمركة تواجه عقبات جدية وتمردات في غير قارة وأن إدارة اوباما أكثر دعماً للسياسات الإسرائيلية من الإدارات السابقة وأن جولات كيري لفكفكة ملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي هي بخار على صفيح ساخن... والسياسة الروسية أثبتت فاعليتها في الملف السوري والملف الإيراني...والصين تراكم عوامل تحولها لدولة عظمى مع رصيد يناهز 2.3 تريليون دولار و 1.1 تريليون سندات حكومية أمريكية.
فهل نستمر بالرهان على المسعى الأمريكي؟
كما انه لا أحد ينكر العداء المتنامي بين طهران وتل أبيب, وفيما فشلت الثانية في جرجرة الموقف الأمريكي لتوجيه ضربة عسكرية لإيران عام 2009 وبعدئذ تتحول الثانية بدأب لقوة إقليمية ليس بنفوذ متنامٍ في العراق وسوريا ولبنان فقط بل وفي وسط آسيا أيضاً, ومؤتمر هرتسليا الأخير قال (أن الخطر الأول على إسرائيل هو إيران) أما سياسة مبارك التي أضعفت مصر وأضعفت دورها العربي فقد أصبحت في ذمة التاريخ,و الحكم الحالي يقف على منعطف, ليقول وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق ديفيد بن اليعازر " أن ما حصل خطر إستراتيجي على إسرائيل».
وكل مخططات إسقاط النظام السوري واجتياح دمشق قد باءت بالفشل, بل وانتقل الجيش العربي السوري وحلفاؤه لمرحلة هجومية, رغم الدمار السياسي والمأساة الإنسانية, وصولاً إلى تمدد الدواعش وما يتوالد عن ذلك من معادلات سياسية... وحزب الله تجاوز سايكس-بيكو وترابطت الحلقات العربية بعضها ببعض,وبهتت حدود المشروع القطري وغدت السياسات عابرة لتخوم الدولة الوطنية.
فهل ستستمر علاقاتنا الخارجية وتحالفاتنا الخارجية ورهاناتنا الخارجية على ما كانت عليه؟ لا يمكن وإلا غردنا خارج سياق التاريخ ودفعنا ثمناً يتجاوزنا فيه التاريخ.
الجزء الثاني
إعادة تعريف السلطة

نشأ انقسام عمودي في الساحة الفلسطينية على الموقف من "اتفاق أوسلو" وأحد أهم تراكيب "المجلس الإداري للحكم الذاتي المحدود" كما جاء نصاً في الاتفاق واللغة السياسية الفلسطينية جعلت من ذلك "مجلسا تشريعيا وحكومة" علماً أن رئيس السلطة يعترف صراحة أنه يستحصل تصريحاً للانتقال وهذا حال سواه, ولا يستطيع "التشريعي" فرض قوانينه على معظم الضفة والقدس... وبطبيعة الحال على "المستوطنين" لتأكيد تشريعيته كما حال أي دولة ذي سيادة.
وليس الجانب الأهم ما أشرنا له,ولا الالتزامات المترتبة على "أوسلو", بل ما آلت إليه الأمور بعد انخراط معظم القوى السياسية في انتخابات التشريعي بما جعل العالم يعتقد أن قضية فلسطين وجدت طريقها للحل، وكأن فلسطين باتت محررة والشعب يزاول حقه الانتخابي بحضور مراقبين دوليين. أما الأنكى من ذلك, فهو انتقال المنافسة على مقاعد "التشريعي" إلى المنافسة على "تشكيل الحكومة" وصولاً إلى انقسام دموي وتحول السلطة إلى سلطتين والكيان الفلسطيني إلى كيانين.
ذلك أن "السلطة" غدت نقطة تجاذب وتصارع لا محور تكتيل وتوحيد.
أما منظمة التحرير فقد بهتت وانتقل مركز ثقل القرار والكادر والمال والتقرير بشأن القضية الفلسطينية إلى السلطة, وبينما كانت إطاراً جامعاً لكل الفصائل ومقاتليها والمنظمات الشعبية والصندوق القومي... فقد اختزلت وتقلص وزنها وباتت تستدعى للمصادقة على سياسات السلطة والاستقواء بها لمواجهة القوى التي لم تلتحق بها, وتحديداً حماس التي باتت قوة رئيسة, لا يشغلها المنظمة والتزاماتها وقراراتها, بما عمق الشرخ الداخلي وأفقد الشعب الفلسطيني مرجعيته الشاملة. وهذا لم يفض لتحسين النظام السياسي الفلسطيني بل أضاف عليه أزمات جديدة.
وتأسيسا، فالمفتاح,والبداية,علاوة على انتخاب وتشكيل مجلس وطني فلسطيني يتسع للتنوع والائتلاف والتنافر هو إعادة تعريف السلطة, وهذه الأطروحة ليست جديدة, وقد اقترب موقف "اتفاق القاهرة" بتشكيل "حكومة تكنوقراطية" من ذلك ولكنه لم يذهب للنهايات.
أما النهايات فهي اعتبار المنظمة والفصائل والشعب هي الحيز السياسي, أما السلطة فتختص بالحيز المدني الذي يتولى إدارة شؤون 5 مليون نسمة في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة أحوالهم في غنى عن الشرح وهم في مسيس الحاجة لنسق كفؤ ومهني لتحسين شروط صمودهم وحياتهم, مستوى يخضع سياسياً للمنظمة كمرجع شامل للشعب في الداخل والخارج بما يقتضيه ذلك من إعادة بناء.
وهذا يزيح الضغط الكثير عن السلطة باستخدام ورقة الدعم المالي الذي يصل الى 40% من موازنتها وأحياناً أقل وفي زمن الإجتياحات والحروب أكثر, كما يحررها من أية التزامات أمنية ويعفيها من الفعل السياسي وهي غير المؤهلة له أصلاً, جبناً إلى جنب مع انتهاء التزاحم السياسي على مناصبها الذي وصل حد الاقتتال وتقسيم الكيان .
وبالتالي يفيدنا كفلسطينيين أن نكف عن "تجريب المجرب" وحساباته الوهمية.
استحقاقات تنظيمية ضرورية
"أسيادكم في الجاهلية أسيادكم في الإسلام" هذه المقولة مستقاة من ارثنا العربي, بقطع النظر عن صوابيتها,والذي يعتقد أن بوسعه أن يبدل مقعده وينقذ الأوضاع فهذا لم يعد ممكناً.
إذ ينبغي الاعتراف بضرورة التجديد ليس السياسي والأدائي فقط, بل الإدراك أن ذلك غير ممكن, وعلى صله ببنيوية بضرورة التجديد التنظيمي أيضاً. فولادة الفصائلية الفدائية جاءت تجاوزاً للعمل السياسي ما قبل هزيمة 67, والمرحلة الحالية توجب مثل هذا التجاوز للوضعية التي أصبح عليها النظام السياسي الفلسطيني.
تجديد القيادات الفصائلية
أول خطوة هي تجديد البنى القيادية, بقناعة وأخلاقية دون كولسات ومراوغات اختبرها الشعب كثيراً, وليس بانقلاب بل برضى وتجاوباً مع متطلبات العمل في قادم السنين. وهذا يستدعي ليس أخذ العنصر الشبابي بالحسبان, بل وإحالة الراية له, مثلما نقلت الراية للمستويات السياسية العليا الحالية قبل عقدين أو ثلاثة وأكثر, وبالإفادة بداهة من خبرة وثقافة الجيل الأقدم.
ومن باب التعمية الترويج أن القوى الفلسطينية تفتقد للطاقات الشبابية إذ ليس ثمة انقطاعاً في الأجيال, أو أن المعرفة والصلاحية غير متوافرة إلا لدى الجيل الأقدم, فما أن يصبح المرء المناسب في خانة التحدي يستجيب لها بالضرورة.
"فالثوري حالة ثورية".... ما علينا سوى أن ننظر للقيادات الشابة التي تقود أهم دول العالم بما في ذلك البلدان المجاورة لفلسطين.
وحتى من ناحية علم النفس وعلم البيولوجيا, فالأول يتحدث أن قمة الإبداع تمتد بين 35-45 سنة, ومن الصعب أن تمتد لسنوات الشيخوخة, فليس الجسم يشيخ فقط بل والذاكرة أيضاً والحيوية والمصابرة على العمل. أما علم البيولوجيا فيقول ان الشيخوخة هي بوابة الرحيل عن الحياة, ومتوسط العمر في فلسطين 61 سنة وقلة يتجاوزون هذا العمر.
ولكن بتبجيل يمكن النظر إلى من يتجشم الهم العام وقد بلغ من السن ما بلغ, مؤثراً ذلك على رعاية الأحفاد والميل للهدوء,غير أن استحقاقات المرحلة الشرسة في إقليم غير مستقر تتطلب مواصفات غادرته منذ زمن, وباتت ملك الجيل الجديد الذي يمكن إسناده بحكمة وخبرة الجيل الأقدم.
تجديد المؤسسة القيادية الفلسطينية
يتبعثر الشعب الفلسطيني ويتحول لمزق وشظايا إن لم تتوافر لديه مرجعية قيادية شاملة, وهو مهدد في وجوده أكثر من أي شعب آخر لديه دولة مستقلة. فشعبنا دون دولة جامعة ويجثم على صدره احتلال إقصائي وهو مشتت وتنظر له سياسات أكثر من بلد كعبء وتتمنى أن تتخلص منه «لو أن البحر يبتلع غزة» قال رابين, وفي العراق تم التخلص من معظم الفلسطينيين بعد سقوط نظام صدام.
وعليه, فالضرورة الوجودية والسياسية تقتضي انتخاب مجلس وطني, انتخاب حيثما أمكن والتوافق حيثما أمكن تنفيذاً لاتفاق عمان 2012.
أي ليس عقد دورة جديدة للمجلس الوطني الحالي, الذي لم يثبت فاعليته,وهو جزء من أزمة النظام السياسي, والعشرات منه رحلوا عن الحياة, وقرابة نصف الخريطة الفلسطينية لا تشارك فيه, بل انتخاب مجلس وطني جديد يعكس الحراك في المجتمع في العقدين الأخيرين, فثمة شرائح فاعلة من اكاديميين وإعلاميين ونساء وشباب و"رجال أعمال" ومخيمات وقوى غير مشاركة يتطلب المستقبل الفلسطيني مشاركتها.
وهل يمكن القفز عن القاعدة الطلابية, وهي القاعدة الاجتماعية الأوسع, وتصل الى نصف مليون في الجامعات وصفوف الثانوي, وهي الأكثر تضحوية اليوم وسيكون لها حضورها الوازن في كافة مرافق المجتمع في الأعوام القادمة.
ويكفي أن نعود بالذاكرة, أو نلقي نظرة الى أرشيف دورات المجلس الوطني أو اتحاد المرأة أو القاء نظرة سريعة على صور هؤلاء الذين شقوا الدرب وتحدوا أهوال المخاطر والتحديات,ليسهل علينا ملاحظة العافية وفوران الشباب في ملامحهم أو ملامح الأغلبية الساحقة منهم.
فهذا حال الثورات يصنعها الشباب, أما في الشيخوخة فتتعاظم عاطفة الانسان ويصبح أكثر رقة وتتراجع اهليته للمواجهات الجدية.
وانتخاب مجلس وطني يحقق حزمة أهداف,فهو فرصة للتجديد وهو يشكل مخرجاً من الانقسام حيث يمثل الجميع وبيئة للإنعاش المعنوي وتجاوباً مع وحدة الميدان ,على أن يراعي التوقيت المناسب.
ولا يمكن أن يكون اجتماع "الإطار القيادي" بديلاً "للمجلس الوطني" ذلك أن الإطار القيادي سيحمل أزمة الانقسام في أسوأ الحالات والحفاظ على النظام السياسي الفلسطيني القائم في أحسن الأحوال ,بينما المطلوب هو الاستجابة للمرحلة الجديدة التي تتكون في الأرض المحتلة وتوحيد الشعب في الداخل والخارج والتجاوب مع التحولات في المشهد الإقليمي والدولي كيلا يتركنا خلفه. فالذي لا يركب العربة تقلع بدونه.
انتخاب السلطات المحلية والمنظمات الشعبية
استطراداً لما سقناه أعلاه فالأمر ينسحب على السلطات المحلية والمنظمات الشعبية, فكلها دون استثناء بحاجة لدماء جديدة, وهي كلها تقريباً انتهت دورتها, وهي على قدر من الأهمية بحيث تستحق التحفيز والتفعيل لأنها تدير الكثير من شؤون المجتمع, بل وغالبية الناس ينتظرون منها دوراً أكبر وخدمات أكثر وحل الكثير من المشكلات.
وأهم متغير ينبغي أن يجد صداه هو فتح البوابات العريضة لمشاركة الجيل الشبابي وأهل الاختصاص.
ويفيدنا اعتماد قاعدة "التمثيل النسبي" التي تتيح تمثيلاً اوسع بدل قاعدة الأغلبية التي تقصي الآخرين,فكل العملية التنظيمية, انما هدفها الأساسي توظيف أوسع الطاقات,وهذا معروف في علم السياسة,ولا يخدمنا كفلسطينيين استبعاد أحد,فمعركتنا هي معركة وجود ومستقبل بما يلامس وجود الجميع ومستقبله ومن حق الجميع وواجبه المشاركة في تقرير وجوده ومستقبله.
وإن كان أمرا طبيعيا في حالة الانقسام السياسي, وجود قيادة ومعارضة غير أن الشأن المدني يتسع للجميع. والتجربة السياسية تدلنا على أن الوحدة الميدانية ممكنة في حالة الانقسام السياسي, بل وأبناء شعبنا في الداخل الفلسطيني نجحوا في تأليف قائمة مشتركة انخرط فيها الجميع باستثناء من يقاطع انتخابات الكنيست, مثلما نجحوا في تشكيل لجنة المتابعة العليا للجميع,وهذا درس كبير.
خاتمة: الشعاراتية ليست بديلاً للدور المنتظر
كما سواي اتابع وسائل الإعلام الفلسطيني,وورشات ومؤتمرات تعقد هنا وهناك وتصريحات الناطق الرسمي أو الإعلامي لهذا الفصيل أو ذاك, وأكاد الحظ اجماعاً "يمجد الانتفاضة",وتوصيفها بذلك كأنها تحصيل حاصل,وهناك من يدعو لتشكيل قيادة موحدة على غرار "قوم" في انتفاضة اواخر الثمانينيات, وهناك من يدعو لتشكيل قيادة ميدانية,والشيء المؤكد أن كل هذا التيار إنما ينحاز للانتفاضة وثقافة المقاومة.
ولكن يتعين بعجالة الاشارة إلى :-
1) الذي سمح باستمرار الانتفاضة الكانونية مدة خمسة اعوام بين اواخر 87 إلى اوخر 92 هو الركيزة التنظيمية التي كانت تضم فصائلياً عشرات آلاف الأعضاء, وامتدادات ميدانية في كل منطقة ومدينة ومخيم وقرية ولجنة صياغة نداءات وقيادة سياسية عليا,ورغم استهدافها من قبل الاحتلال كان لديها القدرة والدينامية للاستمرار ومضاعفة القوى.
2) كان الإضراب الجماهيري العام الذي يشارك فيه كل الناس بمعدل ستة ايام شهرياً والتظاهرات الحاشدة التي يشارك فيها أعداد كبيرة من الناس,عشرات وعشرات الآلاف,في نفس اليوم, أوسع مظهرين جماهيريين, ناهيكم عن الامتناع عن دفع الضرائب وحديقة المنزل والمتاريس في كل مكان.... بما جعلها يحق انتفاضة شعبية أما العمل النخبوي والفردي فكان اضيق بما لا يقاس, فيما عدد سكان الضفة وقطاع غزة لم يتجاوز حين ذاك 2.2 مليون نسمة.
أما اليوم فعدد السكان وصل الى 5 مليون نسمة,وليس ثمة مظهر جماهيري سوى بيوت العزاء وجنازة الشهداء أما المسيرات فلا تحدث إلا لماما, فيما يغلب الاشتباك الميداني الشبابي بمشاركة العشرات والمئات على نقاط التماس.
وتكاد الأعمال الفردية والنخبوية تطغى أو تترك أثراً أكثر من سواها, واستناداً للتجربة الفلسطينية وتجارب أخرى سبقتنا سواء في إيران1979 أو إيطاليا 1931 أو فرنسا 1871 وروسيا 1917 والمانيا 1919 وعلم السياسة عموماً, فالانتفاضة كيما تحمل هذا التوصيف ينبغي أن يكون طابعها جماهيريا ولا يوجد انتفاض جماهيري دون جماهير .
وهذا يميزها عن اعمال المقاومة وفي نفس الوقت يستحث القوى المعنية للانخراط فيها وتطوير آليتها.
صحيح أن ترتيبات "أوسلو" أبقت على سيطرة الاحتلال مع تقليص نقاط الاحتكاك الجماهيري سيما في مراكز المدن وبقدر أقل في الأرياف, ولكن ما الذي يمنع القوى السياسية والمنظمات الشعبية وكل أشكال التنظيم المجتمعي من الاحتشاد في مراكز المدن وأي حيز مكاني وتقول لا للاحتلال و اجراءاته وتمظهراته ولا للاستيطان الكولونيالي ولا لانتهاك المسجد الأقصى هذا الانتهاك الذي لم يتوقف يوما واحدا ؟
على هذا النحو يمكن فك العزلة عن "الاشتباك الميداني الشبابي" وعلى هذا النحو يمكن اضفاء طابع شعبي, وخلق ديناميات جديدة.
لقد اخفق على نحو صارخ كل التنظيم الفلسطيني الرسمي, سياسياً كان أو نقابياً أو.... وكيلا تتسع الفجوة بينه وبين حركة الواقع ومبادرات المقطع الميداني, ثمة فرصة لتصحيح الأمور وإلا أصاب شعبنا ضربة جديدة. فالتنظيم الاجتماعي الفلسطيني متطلب بنيوي ووجودي في آن.

مشاركة: