الرئيسية » هاني المصري »   28 تموز 2013

| | |
"السَّفير".. من بقايا الزمن الجميل
هاني المصري

توقيت ميلاد "السفير" عشيّة اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة ليس مجرد صدفة، فهذه الحرب لم تكن مجرد حرب داخليّة، وإنما كانت حربًا على القضيّة الفلسطينيّة وفك ارتباطها بلبنان، وحربًا على القوميّة العربيّة، تهدف في النهاية، إن لم يكن ممكنا في البداية، إلى فرض حلٍ منفردٍ إسرائيليٍّ لبنانيٍّ على غرار معاهدة «كامب ديفيد» واتفاق «أوسلو» ومعاهدة «وادي عربة». وقد تم فعلاً توقيع اتفاقيّة أيار اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة، ولكنها لم تصمد بعد تصاعد المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في لبنان.
أقامت "السفير" (صوت من لا صوت لهم، وجريدة الوطن العربي في لبنان وجريدة لبنان في الوطن العربي) متراسًا عاليًا مبكرًا في مواجهة الطائفيّة والانعزاليّة والخضوع للهيمنة الإسرائيليّة؛ لتؤكد أن لبنان التعددي الذي يجمع سحر الشرق وتقدم الغرب عربي في العمق ومدافع شديد عن القضيّة الفلسطينيّة (حتى عندما لا يكون مع الفلسطينيين، فهناك قول شائع إن لبنان يحب القضيّة الفلسطينيّة و"يكره" الفلسطينيين).
لبنان منارة الحريّة والحضارة والأناقة لا يمكن أن يخرج من جلده، ولا يمكن أن يكون ضد القضيّة الفلسطينيّة، وعندما فشلت الحرب التي تذرّعت بفلسطين والفلسطينيين في تحقيق أهدافها جاء الغزو الإسرائيلي في العام 1982 لتحقيق الأهداف ذاتها، فأخرجت الثورة الفلسطينيّة من لبنان بالرغم من الصمود العظيم الذي حققته، خصوصًا في بيروت، واقتحمت القوات الإسرائيليّة بيروت وتفجرت المقاومة اللبنانيّة ولاحقت قوات الاحتلال وكبدتها خسائر فادحة، انتهت إلى انسحابها من لبنان من دون اعتراف بإسرائيل ولا اتفاقيات والتزامات تمس السيادة وتصادر المستقبل وتنبذ "الإرهاب" وتلاحقه.
علاقتي بـ"السفير" بدأت قبل أن أشرع في قراءتها أو في الكتابة لها، شهدت فصلها الأول عندما كنت أمر بالقرب منها عائدًا إلى البيت بعد عناء العمل، أو في طريق الذهاب أو العودة من السينما، هوايتي المفضلة التي ترعرعت أثناء إقامتي في بيروت، فمن فضائل بيروت وصديقتي المخرجة عرب لطفي عليّ أنهما رسّخا فيّ حب السينما وحضور الأفلام، وليس أفضل من بيروت وشارع الحمراء آنذاك لممارسة هذه الهواية التي لها فوائد لا تحصى، فهي أم الفنون جميعًا، وكما قال لينين: "من بين جميع الفنون السينما هي الأهم".
لكن علاقتي الفعليّة بـ"السفير" لم تبدأ مؤخرًا عندما شرعت في الكتابة لها، بل حينما جازفت بإرسال مقال لي في منتصف السبعينيات، ونشر من دون واسطة ولا تدخل من أحد، وكان أول مقال لي ينشر في صحيفة، بحجم "السفير"، رغم أنني كنت مغمورًا وأحمل اسمًا حركيًّا، وكانت فرحتي كبيرة بنشره، وكان يتناول نقد فيلم سينمائي.
من دون المواظبة على قراءة "السفير" لا يمكن معرفة ما يدور فعلًا وإلى أين تسير الأمور، حيث كانت السباقة في تغطية الأحداث والتطورات واستشراف المستقبل. ففي "السفير" تابعنا الاجتياحات الإسرائيليّة، وخصوصًا اجتياح العام 1978، ثم غزو لبنان في العام 1982، وصمود بيروت الأسطوري، والوداع المهيب للفلسطينيين.
لقد كان الفلسطيني واللبناني في خندق واحد، وجعلا شارون يقف على أبواب بيروت لا يعرف ماذا يفعل بعد أن صمدت المدينة وقاتلت بعد السقوط السريع للجنوب، وارتكبت مجزرة صبرا وشاتيلا، وتفجرت المقاومة اللبنانيّة هذه المرة، وقاتلت طوال ثمانية عشر عامًا إلى أن تحرر لبنان، باستثناء مزارع شبعا، وجعلت المشروع الصهيوني يرتد إلى داخل حدوده.
وإذا استمر المشروع الصهيوني بالرغم من نجاحاته الباهرة على عدم القدرة على هضم الضفة وغزة، ولم ينجح في جعل إسرائيل الدولة المركزيّة المهيمنة في المنطقة سينهار كليًا.
فإسرائيل لم تقم لتحقيق وعد الرب بإقامة وطن قومي لليهود في أرض إسرائيل الموعودة كما يزعمون، بل من أجل أن تكون امتدادًا للهيمنة الإمبرياليّة في المنطقة، وأداة في يدها لإبقائها أسيرة التخلف والتبعيّة والتجزئة والفقر حتى تبقى ثروتها وموقعها ومستقبلها في يد الغير لا في يد أصحابها.
ولدت "السفير" كعلامة على رفض هذا المشروع، واستمرت كدلالة على استمرار المشروع العربي والمقاومة، بالرغم من الهزائم والإحباطات والمرارة، وستبقى راية "السفير" المقاومِة والمؤمنة بالمصير العربي وأحلام الحريّة والوحدة والثورة والتغيير والديموقراطيّة، خفاقة إلى أن ترفع زهرة من زهرات الأمة العربيّة أو شبلاً من أشبالها علم العروبة في سماء العواصم العربيّة، فأشد لحظات الليل ظلمة أقربها إلى الفجر، فهل اقتربت يا فجر أم يجب علينا أن ندفع المزيد من دمنا وأحلامنا حتى تبزغ؟
بين ميلاد "السفير" وبين يومنا هذا فترة طويلة جدًا، مليئة بالأحداث المشجعة والمحبطة التي تنتهي حاليًا بأبشع ما يمكن أن يحدث للعرب، من خلال ظهور شياطين الفتنة الداخليّة والمؤامرات الخارجيّة، التي تجعل "سايكس بيكو" يغدو طموحًا، نتمنى أن يستمر بالرغم من أنه قسّم المنطقة بين الدول الاستعماريّة. شياطين تريد مصادرة الثورات العربيّة قبل أن تحقق أهدافها، وتعيد زمن الحريّة والثورة والقوميّة والأحلام الكبيرة، فالحلم العربي عندما ولدت "السفير" كان محلقًا في السماء العربيّة، والقضيّة الفلسطينيّة كانت لا تزال القضيّة المركزيّة للعرب جميعًا، أما الآن فهمشت تمامًا وهناك خطر حقيقي بتصفيتها.
سامحوني.. كان من المفترض أن أكتب عن "السفير" في ذكراها الأربعين، فأخذت أكتب عن فلسطين وبيروت والثورة والحرب الأهليّة والأحلام المتكسرة، وهذا لم يكن مخططًا له ولكنه تحصيل حاصل، فـ"السفير" مندمجة بفلسطين، وإحدى علامات بيروت ولبنان، مثلها مثل المقاومة و"النهار" و"المنارة" و"الروشة" و"مغارة جعيتا"، لذا لا يمكن التمييز بين بيروت و"السفير"، والدليل أن "السفير" تعرضت للتفجير وصمدت كما صمدت بيروت، ولا تزال حيّة شأنها شأن بيروت رغم صعوبة الصمود في زمن تكسر الأحلام.
كيف يمكن أن أكتب نصًا حميميًا عن "السفير" أو عن أي شيء آخر ونحن نعيش في زمن يفتقد إلى الحميميّة؛ فالأحلام تكسرت والثورات سُرِقَت أو هُزِمَت، لكن الأمل لا يزال موجودًا، فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، والأمل ليس تمنيًا بالأفضل فقط، وإنما هو عمل من أجل تحقيقه، فبالرغم من كل الإحباطات لا تزال عناصر وقوى عديدة صامدة تقاوم وتعمل من أجل تغيير المصير العربي، ومن أجل قيام المشروع العربي الذي يضع الأمة العربيّة في المكان الذي تستحقه في خارطة العالم.
إنّ أسوأ ما يحدث حاليًّا أن العرب يتم تقسيمهم ويقسّمون أنفسهم إلى طوائف وأقليات، ما ينذر بقيام دويلات دينيّة في العراق وسوريا ولبنان ومصر، مثلما حدث في السودان، الأمر الذي يقدم تبريرًا للدولة اليهوديّة، ويصبح حينها "مفيش حدا أحسن من حدا"، مع فرق واحد هو المراد أن تكون دولة إسرائيل اليهوديّة هي الدولة المركزيّة المهيمنة على دويلات الطوائف المتحاربة.
آه يا «سفير».. كم نحن بحاجة إلى استمرارك وإلى مثيلاتك!
Hanimasri267@hotmail.com

مشاركة: