الرئيسية » هاني المصري »   11 آب 2013

| | |
المفاوضات . . "إسرائيلية" - "إسرائيلية" برعاية أمريكية
هاني المصري
أنهت المفاوضات جلستها الأولى والاستعداد جارٍ للجلسة الثانية التي ستعقد خلال الأسبوع الثاني من أغسطس/ آب الجاري في “إسرائيل”، على أن تعقد الجلسة التالية لها في مناطق السلطة . . وهكذا دواليك .

إذا أجرينا جردة حساب لما جرى وما تكشّف حتى الآن سنجد ما يأتي:

لم يتم الاتفاق على مرجعيّة المفاوضات كما روّج الناطقون باسم القيادة الفلسطينيّة، وإنما ثبت أن المفاوضات ستكون سيدة نفسها بلا مرجعيّة ولا حتى التزام بقرارات الشرعيّة الدوليّة ولا بحدود ،1967 وحتى الإفراج عن أسرى ما قبل أوسلو استخدم كوسيلة ابتزاز للمفاوض الفلسطيني، حيث سيتم الإفراج عنهم على دفعات، ووفقاً لمدى جديّة المفاوض الفلسطيني كما صرحت تسيبي ليفني، رئيسة الوفد “الإسرائيلي” المفاوض .

كل المعطيات تقول إن المفاوضات الفلسطينية  “الإسرائيلية” ستكون أسوأ من مفاوضات أوسلو التي كانت لها مرجعيّة وإن كانت مختلّة، ومن مفاوضات ما بعد “مؤتمر أنابوليس” في أواخر العام 2007 التي استندت إلى خريطة الطريق الدوليّة التي نصّت على إنهاء الاحتلال الذي بدأ في العام ،1967 وعلى تجميد الاستيطان بما يشمل النمو الطبيعي .

كما ثبت بالملموس عدم وجود ضمانات أمريكيّة، وإنما تطمينات أرسلت في رسالتين متناقضتين إلى الطرفين الفلسطيني و”الإسرائيلي”:

الرسالة الأولى تؤكد للفلسطينيين أن الإدارة الأمريكيّة ستحرص على أن تكون المفاوضات على أساس حدود 1967 مع تبادل للأراضي من دون إلزام “إسرائيل” بذلك، ومن دون تحديد أن التبادل سيكون طفيفاً، وبالتالي يمكن أن يستوعب كل أو معظم الأراضي التي تطالب “إسرائيل” بضمها لأسباب أمنيّة واستيطانيّة ودينيّة واستراتيجيّة مختلفة، تصل إلى 60% عند بعض الأوساط “الإسرائيليّة”، ولا تقل عن 15% عند الأوساط الأقل تطرفاً في “إسرائيل” .

هذا مع استثناء طريقة الحساب “الإسرائيلي” لهذه النسب، فوفقها يتم استثناء القدس من الحسبة، وإذا وضعت لا يعرف أحد ضمن أي خريطة، فالقدس لها مساحات مختلفة تتراوح ما بين 5 - 20 من مساحة الضفة، هذا فضلاً عن السياسة الرسميّة “الإسرائيليّة” التي تتضمن بقاء القدس عاصمة موحدة تحت السيادة “الإسرائيليّة” .

إضافة إلى ذلك، هناك مطالبة “إسرائيليّة” ببقاء السيطرة على الأغوار التي تمثل حوالي ثلث مساحة أراضي الضفة، بالرغم من التباين في شكل هذه السيطرة، ما بين الإصرار على استمرار الاحتلال المباشر إلى حد المطالبة بضمها، وبين المطالب باستئجار هذه المنطقة لعشرات السنين وبعقد إيجار يشترط فسخه أو تجديده أو عدمه موافقة الطرفين، ما يعني أنه عقد أبدي . وهناك صيغة جرى تداولها، وقيل إن جون كيري يفضلها تسربت خلال جولاته التمهيديّة، وهي صيغة سيطرة ثلاثيّة على غور الأردن (“إسرائيليّة”  أردنيّة  فلسطينيّة) للتغطية على استمرار الاحتلال “الإسرائيلي” بغطاء فلسطيني أردني وعربي . ويعتبر هذا الموقف الأمريكي تراجعاً عن الموقف السابق الذي كان يطالب بوجود قوات دوليّة أو أمريكيّة من دون قوات “إسرائيليّة” ترابط على الحدود لطمأنة “إسرائيل” على أمنها في المستقبل .

 

تطمينات لـ”إسرائيل”

وحتى تكتمل الصورة أورد ما نشرته صحيفة “يديعوت أحرنوت” “الإسرائيليّة” نقلاً عن أعضاء في الكونجرس الأمريكي نقلاً عن كيري “إن الجلسة التمهيديّة لم تحصر البحث في جدول الأعمال والأمور اللوجستيّة والجداول الزمنيّة، بل تطرقت إلى القضايا الجوهريّة، حيث طُرِحَ موضوع المستوطنات وتبادل الأراضي، وأكد كيري أنه يعتقد أن “إسرائيل” ستحتفظ ب 85% من الكتل الاستيطانيّة الكبرى، وهذا يحافظ على المصالح “الإسرائيليّة”، كما أشار إلى موضوع القدس وهل يؤجل بحثه إلى نهاية المفاوضات أم لا؟” .

الرسالة الثانية تضمنت التطمينات التي قدمت إلى “إسرائيل” وترتقي فعليا إلى ضمانات من خلال تأكيدها بقاء “إسرائيل” كدولة للشعب اليهودي، وتوفير ترتيبات تحفظ الأمن “الإسرائيلي” الآن وفي المستقبل، حيث يواصل الجنرال الأمريكي جون ألن - الذي عين منذ أشهر - التباحث مع “الإسرائيليين” وكيري وطاقمه حول الترتيبات الأمنيّة الضروريّة ل”إسرائيل” من دون إعلام الجانب الفلسطيني بأي شيء حول هذا الأمر، كما صرح بذلك ياسر عبد ربه، كما تضمنت أخذ مطالب “إسرائيل” بضم مساحة من أراضي الضفة لتلبيّة مصالحها الاستيطانيّة والأمنيّة والاستراتيجيّة في إعادة إنتاج رسالة الضمانات الأمريكيّة التي منحها جورج الابن لشارون في العام 2004 .

 

مسائل أخرى لا بد من الالتفات إليها:

- إن فترة الشهور التسعة التي ستستمر خلالها المفاوضات ليست موعداً نهائياً كما أكد الجانب الفلسطيني، وإنما هذا الموعد مستهدف ويمكن تجاوزه إذا احتاج الأمر، كما صرحت الناطقة باسم الخارجيّة الأمريكيّة والقنصل الأمريكي العام في القدس، وأكدت مصادر موثوقة أن الجانبين قد تعهّدا لكيري بعدم الانسحاب من المفاوضات مهما كانت العراقيل، ما يعني أننا ممكن أن نكون أمام “مفاوضات ماراثونيّة” .

- خلافاً لما أعلنه الجانب الفلسطيني، ستكون المفاوضات ثنائيّة يساهم فيها الجانب الأمريكي كمسهّل وليس شريكاً كاملاً، والدليل عقد اجتماع ثنائي على هامش اللقاءات الأخيرة في واشنطن من دون حضور أمريكي، حتى تستفرد “إسرائيل” كليا بالجانب الفلسطيني من دون تدخل مزعج حتى من أوثق حلفائها الأمريكيين .

- إن المفاوضات ليست فقط من دون مرجعيّة، وإنما ستبدأ من الصفر، هذا طبعاً بالنسبة إلى “إسرائيل”، أما الجانب الفلسطيني فبدلاً من أن يرد على هذا الموقف بالإصرار على أن يبدأ - هو الآخر - من الصفر، وما يعنيه ذلك من التخلي عن جميع الالتزامات الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، بما فيها سحب الاعتراف ب”إسرائيل”، ووقف التنسيق الأمني والعمل باتفاقيّة باريس الاقتصاديّة، يؤكد التزامه بكل ما وقع عليه أو طرحه من أفكار، مثل الموافقة على مبدأ “تبادل الأراضي”، وما يعنيه من منح الشرعيّة لما قام به الاحتلال من خلق حقائق احتلاليّة واستيطانيّة، والموافقة على حل متفق عليه لقضيّة اللاجئين .

- كشفت صحيفة “معاريف” عن صفقة عقدها نتنياهو مع وزير الإسكان تقضي بالسماح بإقامة 4500 وحدة استيطانيّة خلال الأشهر القادمة مقابل الإفراج عن 104 من الأسرى المعتقلين من قبل أوسلو، وهذا يدل على أن نتنياهو مراوغ وكذّاب ولا يريد سلاماً، وإنما فرض الشروط “الإسرائيليّة” على الفلسطينيين استغلالاً لضعفهم وانقسامهم وللفوضى العارمة الناشبة في العالم العربي .

- شرع الكنيست “الإسرائيلي” بإقرار قانون للاستفتاء على أي اتفاق فلسطيني “إسرائيلي” تلبية لشرط من أحد الأحزاب الأكثر تطرفاً المشاركة في الحكومة لوضع العراقيل أمام الاتفاق، ولضمان ألا يستفرد نتنياهو بالتوصل إليه من تلقاء نفسه أو خضوعاً لضغوط أمريكيّة .

- إصدار قانون عنصري بترحيل 1300 فلسطيني من قرى جنوب الخليل تحت لافتة عدم إزعاج “وقت الراحة” للجنود “الإسرائيليين” .

- تشريع قانون برفع نسبة الحسم إلى 4% لتكريس مفهوم يهوديّة “إسرائيل” والحد إلى أقصى حد ممكن من تمثيل الأحزاب العربيّة في الكنيست “الإسرائيلي” .

- أصدرت “إسرائيل” تعليمات جديدة بخصوص الإقامة في القدس تؤكد إصدار هويّة لأهل القدس الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين باعتبارهم مقيمين في بلدهم، مما يعرضهم إلى احتمالات سحب الهويّة، كما حدث مع عشرات الآلاف من المقدسيين منذ الاحتلال “الإسرائيلي” عام 1967 .

- جدول الأعمال ليس متفقاً عليه كما صرح الجانب الفلسطيني، خصوصاً بالنسبة لإعطاء الأولويّة في البداية للحدود والأمن، حيث صرح أكثر من مسؤول “إسرائيلي”، بمن فيهم رئيسة الوفد “الإسرائيلي” التي أكدت أن الهدف من المفاوضات هو إنهاء الصراع ولا يمكن إنهاء الصراع بالاتفاق على الحدود فقط، وأشارت إلى أن كل القضايا مطروحة للتفاوض .

 

تكتيك “إسرائيلي”

إن التكتيك “الإسرائيلي” من هذا الكلام يبدو واضحاً تماماً، وهو تجنب الاتفاق على الحدود النهائيّة قبل معرفة المدى الذي سيذهب إليه المفاوض الفلسطيني في التنازلات، وهل سيعترف ب”إسرائيل” كدولة يهوديّة وبالترتيبات الأمنيّة التي تريدها “إسرائيل”؟ وهل سيقبل بالتنازل عن القدس أو بتقسيم القدس الشرقيّة بطريقة تقبلها “إسرائيل”؟ وهل سيرسم تنازله السابق عن عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم، بحيث يعود قسم منهم إلى أراضي الدولة الفلسطينيّة وقسم آخر يقبل التوطين والهجرة إلى كندا وغيرها مع التعويض؟!

إذا وافق المفاوض الفلسطيني على ذلك، يمكن البحث في الحدود، وإن لم يوافق سيصر المفاوض “الإسرائيلي” على التفاوض أولاً حول الأمن، وعندما يتم الاتفاق على الترتيبات الأمنيّة يتم الانتقال إلى البحث في الحدود حتى يتم رسمها بما ينسجم مع الترتيبات الأمنيّة . وإذا لم يوافق الجانب الفلسطيني على ذلك عليه أن يقبل بتأجيل البحث في الحدود النهائيّة والقدس واللاجئين، وتمرير حل انتقالي يتضمن دولة ذات حدود مؤقتة، ويمكن أن يغطى هذا الموقف بالقول إن الحل الانتقالي جزء من حل دائم سيجري الاتفاق عليه لاحقاً ويطبق على مراحل، ويمكن أن يسبق التطبيق الاتفاق على إطار عام يحمل عبارات فضفاضة حمّالة أوجه يفسرها كل طرف على هواه، والتطبيق الذي سيرى النور - كالعادة - هو الذي يطرحه الاحتلال المختلة موازين القوى لصالحه . وفي إطار الحل الانتقالي يمكن أن تتم إزالة بعض المستوطنات، وإعادة انتشار للقوات المحتلة، وتحسين شروط حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال .

تأسيساً على ما سبق، فإن المفاوضات تفتقر إلى جميع مقومات وأسس النجاح، وهي مفاوضات “إسرائيليّة” “إسرائيليّة” في الدرجة الأولى تستهدف حسم الموقف “الإسرائيلي” حول ما يمكن عرضه على الفلسطينيين، ومفاوضات أمريكيّة  “إسرائيليّة”، ما تنتهي إليه يتم العمل المشترك من أجل فرضه على الفلسطينيين .

Hanimasri267@hotmail.com

 

مشاركة: