الرئيسية » هاني المصري »   13 آب 2013

| | |
المصالحة بعد عزل مرسي واستئناف المفاوضات
هاني المصري

كان هدف إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنيّة مستبعدًا قبل عزل محمد مرسي، وما أدى إليه من استقطاب حاد في مصر، وقبل استئناف المفاوضات الثنائيّة برعاية أميركيّة في ظل ازدياد حدة الخلافات الفلسطينيّة على ضرورتها وضررها وشروطها وتداعياتها على القضيّة الفلسطينيّة، وأصبح الآن مستبعدًا أكثر في ظل الاعتقالات المتبادلة والتراشق الإعلامي و"حرب الوثائق" التي يحاول كل طرف فيها إلقاء المسؤولية عما شهدته العلاقات المصرية - الفلسطينية على الطرف الآخر.

قبل العزل واستئناف المفاوضات لم تتحقق المصالحة بالرغم من سلسلة لا تنتهي من الاتفاقات والجداول الزمنيّة، نص آخرها على تشكيل حكومة في الرابع عشر من شهر آب (غدًا)، ولكن هناك جذور وأسباب فلسطينيّة وعربيّة وإقليميّة ودوليّة حالت دون الالتزام بها، وبعدهما لن تتحقق أكثر ما لم تحدث معجزة في زمن لم يعد يشهد معجزات.

وعلى الرغم من أن الزلزال الذي ضرب المنطقة وأدى إلى سلسلة من المتغيرات والثورات وفّر فرصة نادرة لإنهاء الانقسام، على خلفيّة انشغال المحاور العربيّة والإقليميّة والدوليّة بهذا الزلزال وتداعياته، ما أعطى حريّة نسبيّة للأطراف الفلسطينيّة كان بمقدورهم توظيفها لتحقيق المصالحة، وفي ظل عمليّة الانتقال التي بدأت بها "حماس" من معسكر محور الممانعة إلى معسكر محور الاعتدال، وأصبحت تقريبًا في نفس المحور الذي تقف فيه المنظمة، بدليل تدهور علاقاتها بالكامل مع النظام السوري، الأمر الذي أدى إلى انتقال مقر قيادتها من دمشق إلى الدوحة والقاهرة، وتراجع علاقاتها بشكل كبير مع طهران وحزب الله.

لقد راهنت "حماس" بكل ثقلها تقريبًا على صعود الإسلام السياسي، خصوصًا بعد فوز محمد مرسي بالانتخابات الرئاسيّة المصريّة، واعتقدت أن أبواب الاعتراف بها والتعامل معها عربيًا ودوليًا قد فتحت، خصوصًا بعد أن عززت إشارات الاعتدال التي بدأت بإطلاقها منذ سنوات، فواصلت تعليق المقاومة وتمديد التهدئة، لدرجة الالتزام باتفاق التهدئة الذي تم برعاية مرسي، الذي نص على وقف الأعمال العدائيّة الفلسطينيّة. وأعلنت "حماس" التزامها بالمقاومة الشعبيّة، وفوّض خالد مشعل الرئيس "أبو مازن" – في خطابه في حفل التوقيع على اتفاق القاهرة في الرابع من أيار 2011 - بالتفاوض لمدة عام كامل بالرغم من أن الأفق السياسي لم يكن يشير إلى أي إمكانيّة لانطلاق مفاوضات جادة من دون تنازلات فلسطينيّة جديدة. وأبدت "حماس" مرونة بالنسبة للمصالحة من خلال توقيع خالد مشعل على "إعلان الدوحة"، الذي نص على تشكيل حكومة وفاق وطني برئاسة الرئيس "أبو مازن" (رئيس منافستها "فتح") ولكن المصالحة لم تحدث، فـ"حماس" كانت تتصرف حينذاك من موقع قوة وأمل بالمستقبل.

الآن، أصبحت المصالحة أصعب وأبعد، لأن عزل مرسي وتأزم العلاقات بين النظام المصري وأوساط شعبيّة وسياسيّة وإعلاميّة واسعة وضع "حماس" في مأزق شديد، وهي في ظله لا تستطيع أن تتقدم على طريق المصالحة إلا وفق شروط مناسبة لها، لا تجعلها تبدو مستسلمة لشروط منافستها "فتح". ويزيد الطين بلة استئناف المفاوضات بلا شروط فلسطينيّة ووفق الشروط الإسرائيليّة، ما يجعل "حماس"، إذا تمت المصالحة على هذا الأساس، تبدو وكأنها تغطي على ما يسمى "عمليّة السلام" في وقت واجهت فيه هذه العمليّة انتقادات واسعة من معظم الفصائل، بما فيها فصائل المنظمة، ومن قطاعات شعبيّة واسعة. هذا في الوقت الذي يقف فيه الفيتو الأميركي الإسرائيلي ضد المصالحة بفعاليّة أكبر في ظل استئناف المفاوضات عما كان عليه في ظل وقفها.

كانت المصالحة دائمًا ممكنة - ولا تزال –  إذا تم توقيع وتطبيق اتفاق يخرج منه الجميع منتصرًا "لا غالب ولا مغلوب"، ولكن فشلت الجهود في تحقيق المصالحة ولم تطبق الاتفاقات لأن كل طرف من أطرافها أراد أن تحقق المصالحة كل شروطه بحذافيرها، أو جوهرها على الأقل، ولم تتبلور قوة ضغط سياسية شعبيّة كافية وقادرة على فرض إنهاء الانقسام على أسس وطنيّة وديمقراطيّة وشراكة حقيقيّة على الطرفين المتنازعين.

الآن، "حماس" تخشى أكثر من السابق من أن هدف "فتح" من المصالحة هو استعادة غزة إلى الشرعيّة التي تقودها عن طريق صناديق الاقتراع، أي من نفس البوابة التي دخلت فيها "حماس" إلى السلطة.

وبعد ما حصل في مصر، تنمو دعوات متزايدة في أوساط "فتح" والسلطة تراهن على استنساخ التجربة المصريّة في غزة، خصوصًا في ظل العداء الشديد ما بين النظام الجديد في مصر وبين جماعة الإخوان المسلمين التي تشكل "حماس" امتدادًا لها.

وجدد أبو مازن في الأسابيع الأخيرة وبعد استئناف المفاوضات دعوته القديمة إلى تشكيل حكومة على أساس برنامجه السياسي، وتحديد موعد الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة بعد ثلاثة أشهر من دون إعادة بناء المنظمة، من خلال إجراء انتخابات المجلس الوطني أو عبر توافق وطني؛ ما عزز مخاوف "حماس" من أن المطلوب منها التحاقها الذليل بالسلطة الشرعيّة التي تقودها "فتح" كأقليّة لا تستطيع أن تغير قرارات الأغلبيّة.

و"حماس" أصلا كانت تفضل الاحتفاظ بالسلطة في غزة على أي شيء آخر، وبالتالي لم تكن متحمسة لهذا العرض قبل التطورات الأخيرة، لأنه سيجعلها تخرج خاسرة في كل الأحوال، فإذا فازت بالانتخابات ستكون مطالبة بالموافقة على شروط اللجنة الرباعيّة وتسير في الطريق الذي قامت أساسًا من أجل معارضته وإسقاطه، وهي قطعت شوطًا كبيرًا في طريق الاعتدال، ولكنها إذا وافقت عليها ستفقد روحها ومبرر وجودها مقابل مجرد الاعتراف بها، وإذا لم تعترف بشروط الرباعيّة فإنها لن تتمكن من الحكم في الضفة، وستجري مطاردتها، واعتقال النواب وقادتها، واستمرار الحصار على غزة، وسيكون هذه المرة أشد من سابقه في ظل توتر العلاقات الحمساويّة – المصريّة، وبعد الحملة المستمرة لإغلاق الأنفاق.

وإذا خسرت الانتخابات ستكون مطالبة بإنهاء سيطرتها على غزة والتصرف كأقليّة لا تستطيع أن تغير قرارات وحكم الأغلبيّة.

تأسيسًا على ما سبق، "حماس" تراهن على عودة مرسي أو التوصل إلى صفقة في مصر تسمح بمشاركة الإخوان المسلمين بما يسمح بتحسين العلاقات بين مصر و"حماس"، كما بذلت مؤخرًا جهودًا لإعادة تحالفها مع حزب الله وإيران، ولكن هذا يهدد تحالفها مع قطر من دون ضمان عودة المياه إلى مجاريها، وخصوصًا من دون عودة سوريا، حيث قطعت "حماس" شعرة معاوية مع نظام الأسد، ومن الصعب استعادتها في ظل استمرار الصراع المدمر في سوريا من دون أفق واضح لنهايته.

وإذا لم يحصل لا هذا ولا ذاك قد تلجأ "حماس" إلى تفعيل خيار المقاومة المسلحة وإطلاق الصواريخ، وهو محفوف بالمخاطر، ولكنه قد يصبح خشبة الخلاص الأخيرة على قاعدة "شمشون" الذي هدم المعبد عليه وعلى أعدائه، لذا تقتضي المسؤولية الوطنية فتح مخرج لـ"حماس" يسمح لها بالانضواء تحت مظلة الوحدة الوطنية، بما يحفظ ماء وجهها وضمن شراكة حقيقية وتوافق على إستراتيجيات وطنية قادرة على إعادة بناء المنظمة ووضع السلطة في مكانها الطبيعي وفي خدمة المصلحة الوطنية.

أما "فتح"، فإنها تتصرف، حتى الآن على الأقل، من موقع المنتصر، وهي تراقب اشتداد أزمة منافستها "حماس"، وتراهن على مزايا المفاوضات التي إن لم تتوصل إلى اتفاق فإنها ستحافظ على السلطة، وستحصل على دعم سياسي واقتصادي ومالي يمكنها من تحسين شروط الحياة تحت الاحتلال، وتتجاهل "فتح" الأضرار الفادحة التي تعود عليها من استئناف المفاوضات من دون مرجعيّة ولا تجميد الاستيطان، بل في ظل توسيعه بصورة غير مسبوقة، ولا التزام إسرائيلي بحدود 67.

المصالحة مستحيلة من دون الجرأة على وضع إستراتيجيّات جديدة، تستهدف إحياء القضيّة الفلسطينيّة ومشروعها الوطني، وإعادة بناء مؤسسات المنظمة على أسس وطنيّة وديمقراطيّة وشراكة حقيقيّة، وبصورة تضمن مشاركة الجميع بحيث تكون قولًا وفعلًا هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

لا يمكن الاكتفاء بدعوة "حماس" وغيرها للانخراط بالمنظمة وبقاء المنظمة على ما هي عليه، فهي بحاجة إلى تغيير وإصلاح وتجديد حتى من دون انضمام "حماس" و"الجهاد" و"المبادرة" إليها، فكيف بانضمامهم؟

كما لا يمكن استمرار السلطة على ما هي عليه بعد أن عجزت عن تحقيق الاستقلال الوطني وبعد تجاوز إسرائيل لاتفاق أوسلو سيئ الصيت والذكر، وبعد الحصول على الدولة المراقبة، فهناك حاجة إلى تغييرات جوهريّة، لم تعد قابلة للانتظار، فالسلطة تستمر بتمسكها بالالتزامات السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة، وأقصى ما يمكن أنت حصل عليه في هذه الحالة استمرار الوضع الحالي أو التوصل إلى حل انتقالي جديد أسوأ من اتفاق أوسلو؛ يؤكد واقع أنها سلطة حكم ذاتي محدود على معازل مقطعة الأوصال تحت الاحتلال، يمكن أن تسمى بعد الاتفاق الجديد "دولة"، ولكنها أبعد ما تكون عن الدولة وعن تلبية مصالح الشعب الفلسطيني وأهدافه وحقوقه وتطلعاته، وحتى المقيم منه في الضفة الغربيّة وقطاع غزة.

Hanimasri267@hotmail.com

 

مشاركة: