الرئيسية » هاني المصري »   10 أيلول 2013

| | |
أكبر من وخزة دبّوس .. أقل من حرب إقليميّة
هاني المصري

 

 

 

 

كل الأنظار مشدودة إلى سوريا، وإلى الحرب العدوانيّة التي ستتعرض لها، خصوصًا في حال أقرّ الكونجرس ما تطلبه الإدارة الأميركيّة من توجيه ضربة عسكريّة "محدودة" لسوريا، هدفها المعلن منع نظام بشار الأسد من تكرار استخدام الأسلحة الكيميائيّة ضد شعبه، وتوجيه رسالة إلى كوريا الشماليّة وإيران وكل من تسول له نفسه باستخدام أسلحة الدمار الشامل بأن جريمته لن تمر من دون عقاب، أما هدفها الحقيقي فهو الحفاظ على المصالح الأميركيّة والإسرائيليّة واستعادة قوة الردع المنهارة.

الإدارة الأميركيّة تقدم نفسها وكأنها "الأم تيريزا"، التي تعمل كل ما تستطيعه من خير للإنسانيّة، وحتى تؤكد "إنسانيّة" الحرب التي ستشنها تؤكد أنها "محدودة" مع أنها "أكبر من وخزة دبّوس" كما صرح وزير الدفاع الأميركي، ولن تستهدف إسقاط نظام بشار الأسد، وتروّج بأنها لن تتورط في ضربة واسعة تتحول إلى حرب إقليميّة، وربما دوليّة، لا تعرف نهايتها؛ لأنها تراهن على أن النظام السوري لن يرد وسيمتصها كما فعل بالاعتداءات الإسرائيليّة المتكررة عليه، وأن حلفاءه "حزب الله وإيران وروسيا سيفكرون كثيرًا قبل أن يشجعوه على الرد أو أن يحاربوا معه، لأنهم يدركون الثمن الذي سيدفعونه وستدفعه المنطقة والعالم في حال تحولت الحرب إلى إقليميّة، ولكن من يضمن صحة هذا الرهان.

وعندما يجد البيت الأبيض نفسه معزولًا، كما ظهر بشكل جلي في "قمة العشرين"، بالرغم من ادعاءات أردوغان عن الأغلبيّة التي تؤيد الضربة، في محاولة للخلط ما بين الرد القوي الذي طالبت به معظم الدول المشاركة في "قمة العشرين" والاتحاد الأوروبي والجامعة العربيّة وبين الضربة العسكريّة. فالولايات المتحدة مع أقليّة من دول العالم والمنطقة مع الضربة العسكريّة من دون التأكد القاطع من أن نظام بشار الأسد هو من استخدم الأسلحة الكيميائيّة، ومن دون انتظار تقرير المراقبين الدوليين، ومن دون عرض المسألة على مجلس الأمن.

وللتخفيف من الإحراج الأميركي، وخصوصًا بعد إعلان بوتين بأن روسيا ستؤيد عقاب النظام السوري عبر مجلس الأمن إذا ثبت استخدامه للأسلحة الكيميائيّة؛ صرح جون كيري بأن إدارته قد تعرض الأمر على مجلس الأمن، وهذا إن اعتمد سيعني تأجيل الضربة مرة أخرى، وإظهار أن أوباما زعيم ضعيف ومتردد. طبعًا، زعيم متردد في شن الحرب العدوانيّة أفضل من زعيم يقفز إليها سريعًا؛ وإذا تبلورت المبادرة السوريّة المدعومة من روسيا وإيران بشكل كافٍ بما يضمن إنجاز مرحلة انتقاليّة، بما فيها إجراء الانتخابات، وحل مسألة أسلحة الدمار الشامل؛ سيكون بعدها من الصعب شن حرب عسكريّة، ويمكن فتح الباب أمام الحل السياسي الذي يجنّب سوريا الدمار والتقسيم.

ومن أجل تبرير الحرب، حاول كيري أن يقلل من قوة الجماعات الإرهابيّة في المعارضة السوريّة في تغيير دراماتيكي للموقف الأميركي السابق، حيث كان دور هذه الجماعات هو السبب المعلن لعدم تقديم المساعدة العسكريّة الأميركيّة المطلوبة؛ خشية من أن تقع الأسلحة في أيدي مقاتلي "جبهة النصرة" وغيرها من الجماعات المسلحة، وتفضيل الحرب الطويلة التي تستنزف سوريا وتدمرها، ويمكن أن تقود إلى تقسيمها. وهذا ينفي الصفة الأخلاقيّة والإنسانيّة لهذه الحرب العدوانيّة، لأن الحرب الطويلة أسوأ بكثير من استخدام الأسلحة الكيميائيّة.

"إسرائيل والنفط والغاز"، هو الهدف من الحرب، وهذا ما صرح به أوباما بعظمة لسانه، وهذا ما نسمعه منذ بدء الحرب، ونشاهده من خلال التركيز على الأسلحة الكيميائيّة وعدم وقوعها في أيدي الجماعات الإرهابيّة المتطرفة قبل انهيار نظام الأسد أو بعده، أو في أيدي "حزب الله"، أو أي جهة معادية لإسرائيل.

الإدارة الأميركيّة مترددة بين ضربة محدودة، ولكنها أكبر من وخزة دبّوس وأقل من حرب إقليميّة، لأن الوخزة سيخرُج منها نظام الأسد وحلفاؤه منتصرين، أما توسيعها فلا يجعل هناك ضمان بألا تتحول إلى حرب إقليميّة ستغيّر وجه الشرق الأوسط ولا أحد يضمن نتائجها، أو عدم الحرب الذي يمكن أن يؤدي إلى المزيد من انهيار النفوذ الأميركي في المنطقة.

 

صمت "حزب الله"

صمت "حزب الله" يثير التساؤلات، حيث لم يصدر عنه موقف يشير إلى أنه سيشارك في الحرب أم لا؟، فيما يمكن تفسيره بأكثر من صورة، مثل: أنه يريد أن يُبقي أوراقه غامضة حتى يربك حسابات أنصار الحرب العدوانيّة؛ وأنه لا يريد أن يتعهد بالانضمام إلى الحرب نصرةً لسوريا، لأنه سيستفز بذلك خصومه في لبنان؛ وإذا تعهد بالحرب فسينفذ، لأنه حريص على مصداقيّته التي بنيت على أساس "إذا قال فعل"؛ وأخيرًا أنه لم يتخذ قراره النهائيّ حتى الآن، وأن تدخله من عدمه يتوقف على سير المعركة وحجمها، وهل سيطلب منه نظام بشار الأسد التدخل أم لا؟. مع أنه من المحسوم أن هذه الحرب حاسمة لـ"حزب الله" مثلما هي حاسمة لسوريا، لأن سقوط نظام الأسد يعني أن "حزب الله" هو الذي يليه في الدور.

 

كتّاب الحرب العرب

مثيرٌ حال كتّاب ومنظّري الحرب العرب الذين انحازوا للدفاع عن الحرب العدوانيّة، صراحة أو ضمنًا، بحجة أنها قادمة لا محالة، وليس بمقدور العرب منعها، كما ليس بمقدور العرب شنها لوحدهم لعدم القدرة وعدم الإجماع على الحرب، فهناك دول مندفعة مع الحرب، ودول مثل العراق ولبنان ضدها بقوة وصراحة، ودول مثل مصر والجزائر وفلسطين ضدها بهدوء، أو لصعوبة التقدير: هل هي حرب ناجمة عن الدفاع عن القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة، أم حرب مصالح تستهدف حماية إسرائيل حتى المستقبل البعيد؟

ولتبرير موقف هؤلاء الكتّاب يرددون أن ما قام به النظام السوري أعطى كل المبررات لشن الحرب، وتحالفه مع إيران أعطى المبررات لدول الخليج أن تقف في مقدمة أنصار الحرب لأنها دولٌ يؤرقها التمدد الإيراني.

وكل ما يتمنونه هؤلاء هو توخي الأميركيين وحلفائهم الدقة عند توجيه الضربة حتى لا يضيفوا إلى ويلات الشعب السوري ويلات جديدة، لأن الضربة تحصيل حاصل. يتناسى هؤلاء أنه كيف يمكن أن يستجيب الأميركان لهذه النصيحة، بعد أن أثبتت حروبهم القذرة في العراق وأفغانستان وليبيا أنها سببت ويلات للعراقيين والأفغان والليبيين أكثر من الويلات التي سببها صدام حسين والملا عمر والقذّافي، إلى درجة جعل كل ما قاموا به مقارنة بما حصل بعد الغزو أشبه بـ"لعب أطفال".

كاتب آخر يسخر من شعار "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" من خلال ما كتبه بأن الاستقلال التام سيتحقق إذا امتنعت الولايات المتحدة الأميركيّة وحلفاؤها الغربيون وغيرهم عن التدخل العسكري، فبذلك سيتحقق الاستقلال التام الذي طالب به العرب منذ بداية القرن الماضي ولم يحصلوا عليه، وإن حصلوا عليه وهم غير قادرين ولا موحدين على التدخل لمنع ويلات نظام بشار الأسد، وبالتالي سيقود الاستقلال التام إلى الموت الزؤام. فهذا الكاتب لا يريد الاستقلال ويؤيد الاستنجاد بالاستعمار بحجة أنه أهون من الاستبداد، ويتناسى أن الدول العربيّة المتحمسة للحرب ليست أنظمة تحترم الديمقراطيّة والحريّة وحقوق الإنسان، بل سجلها في هذا المجال وغيره أسوأ من سجل النظام السوري.

كاتب آخر يرثي حال مؤرخ المستقبل، شأنه مثل شأن مؤرخي التاريخ حتى الآن، الذين احتاروا سابقًا مثل حيرته حاليًّا لتقييم ما جرى ويجري، وحول: هل التدخل العسكري الخارجي هو انحياز أميركا لقيم العدالة، أم خدمة للمصالح الأميركيّة فقط، وخدمة إسرائيل عن طريق انتهاز فرصة غباء وتوحش النظام القائم؟

لم يعد ممكنًا وفقًا لهذا الكاتب معرفة الحق والعدالة والأخلاق، لأن التاريخ يكتبه المنتصرون، والمؤرخون منحازون. نعم، هذا صحيح ولكنه لا يجعل الحق باطلًا والباطل حقًا، ولا يسوغ مساواة الظالم مع المظلوم، ولا الثوري مع المستبد المستغل الفاسد، ولا المعتدي بالمعتدى عليه.

عندما تتوفر في العالم قوة عالميّة إنسانيّة تسعى لتقدم البشريّة وتتدخل لإنقاذ الشعوب يمكن الترحيب بالتدخل العسكري الخارجي، أما عندما يكون هدف التدخل واضحًا وضوح الشمس وناجمًا عن الأطماع الاستعماريّة والدفاع عن إسرائيل التي إن لم تحتاج لحماية الآن بسبب ما يجري من تطورات في المنطقة لصالحها، فإنها  ستحتاجها في المستقبل، فيجب رفضه ومقاومته والتصدي له، ومن يفعل ذلك يكون مثله "كـالمستجير من الرمضاء بالنار".

Hanimasri267@hotmail.com

 

مشاركة: