الرئيسية » هاني المصري »   26 كانون الثاني 2014

| | |
عين يعلون على منصب رئيس الوزراء
هاني المصري
 
 
في تصريحات نادرة من نوعها، قام موشيه يعلون، نائب رئيس الحكومة في "إسرائيل"، وزير الحرب، وأحد أهم أقطاب حزب الليكود الحاكم بشن هجوم حادّ على وزير الخارجيّة الأمريكي جون كيري، متهماً إياه بأنّه لا يعرف حقيقة ما يحاول التوصل لاتفاق حوله، وأنه "جاء بحركة استحواذ غير مفهوم وشعور بأنه المنقذ المخلص، وأنه لن يحل عن "إسرائيل" إلا عندما يحصل على جائزة نوبل للسلام، فليأخذها ويحّل عنا" .
وتابع يعلون: إن الخطة الأمنيّة التي طرحها كيري على "إسرائيل" لن "تحقق الأمن والسلام، ولا تساوي الحبر الذي كتبت عليه" . وأكثر ما أغاظ يعلون وجعله يوجه هذه الاتهامات السوقيّة إلى كيري أن مساعدي الأخير قاموا بالاتصال بضباط في جيش الاحتلال، في محاولة لإقناعهم بتبني "خطة كيري" والسعي لإقناع الجيش والحكومة بها .

أيّد تصريحات يعلون عدد من وزراء الحكومة وزعماء الأحزاب اليمينيّة المنضوية في الحكومة، مع أن بعضهم قال، مثل يوفال شتاينتس، وزير الشوؤن الاستراتيجيّة: "إن يعلون محق، ولكن من الضروري تجنب الإهانات الشخصيّة"، بينما قالت تسيبي ليفني، وزيرة العدل، ورئيسة وفد المفاوضات: "إننا نستطيع معارضة المفاوضات بأسلوب مسؤول من دون المساس بالعلاقات مع أفضل صديق لنا" . وردّت وزارة الخارجيّة الأمريكيّة على تصريحات يعلون بحدّة، معتبرة أن هذه الأقوال "مرفوضة ومهينة وغير لائقة"، وخصوصاً في ظل العلاقات الأمريكيّة "الإسرائيليّة" المميزة، وما يقوم به كيري من جهود من شأنها خدمة أمن ومصالح "إسرائيل" .

بعد الضجة الكبيرة التي أحدثتها تصريحات يعلون، اعتذر عمّا اعُتبر إهانات شخصيّة في أقواله، إلا أنه تمسك بما جاء فيها، وذلك لإدراكه أنها تعبّر عن موقف الشارع "الإسرائيلي"، وهذا من شأنه أن يزيد من فرصه للعب دور سياسي أكبر في المستقبل، بحيث -على ما يبدو- أنه يخطط لمنافسة نتنياهو على منصب رئيس الحكومة، خصوصاً إذا قام رئيس الحكومة الحالي بتوقيع اتفاق مهما كان نوعه انتقالياً أو نهائياً لا يحقق الشروط التي رددها يعلون في نفس المقابلة التي وجه فيها الإهانات لكيري، وهي ضرورة اعتراف الرئيس أبو مازن - حتى تقبله "إسرائيل" شريكاً في السلام - بحق "إسرائيل" في الوجود بوصفها "دولة للشعب اليهودي"، (لاحظوا ليس دولة يهوديّة، أي لليهود المقيمين في "إسرائيل"، بل دولة لجميع اليهود أينما كانوا)، وإسقاط حق العودة للاجئين، وتوقيع معاهدة تنص على إنهاء الصراع وإسقاط كل المطالب .

وحتى نتعرف إلى أفكار يعلون أكثر، وهي بالمناسبة تعكس الرأي الحقيقي للحكومة ولنتنياهو نفسه، الذي لا يعبّر عنها بمثل هذه الصراحة تفادياً لإغضاب الإدارة الأمريكيّة، علينا أن نعرض تصوّراته من مختلف القضايا، وخصوصاً الأمنيّة: فهو يدافع عن استمرار القدس موحدة عاصمة أبديّة ل"إسرائيل"، وعن الحفاظ على المستوطنات والاستمرار في توسيعها، والإبقاء على الجيش "الإسرائيلي" في الأغوار والمدن وعلى الحدود، لأن الوسائل التكنولوجيّة والتقنيات المتطورة والأقمار الصناعيّة والرادارات والطائرات المتطورة من دون طيار، التي تتضمنها "خطة كيري"، لا تكفي لحماية "إسرائيل" في وجه الصواريخ التي يمكن أن تنقل أو تنقل صناعتها من غزة إلى الضفة، ولا تمنع خليّة "سلفيّة" أو "جهاديّة" من تنفيذ عمليّة ضد أهداف "إسرائيليّة"، فلا شيء يمكن أن يوفر الأمن ل"إسرائيل" بالنسبة ليعلون سوى بقاء الجيش "الإسرائيلي"، خصوصاً أنه لا يثق بالفلسطينيين والعرب مهما بلغ "اعتدالهم" و"سلميّتهم"، وثقته غير كافية حتى بقوات من الناتو أو قوات أمريكيّة، لأنه مقتنع أنه لا أحد يمكن أن يوفر الأمن ل"إسرائيل" سوى جيش الاحتلال .

وحتى يبرهن على وجهة نظرة أضاف يعلون: بأن أبو مازن موجود على رأس السلطة في الضفة بفضل وجود القوات "الإسرائيليّة"، وسينتهي في نفس اللحظة التي ستنسحب من هناك، فهو مؤمن أن الوضع الفلسطيني والعربي الذي يشكل فرصة تاريخيّة الآن ل"إسرائيل" بعد تدمير الجيشين العراقي والسوري، وانشغال مصر بخلافات داخليّة، وما يجري في بقيّة البلدان العربيّة من تركيز على أوضاعها الداخليّة وتراجع مكانة القضيّة الفلسطينيّة غير قابل للاستمرار إلى الأبد، وعلى "إسرائيل" أن تكون مستعدة لكل الاحتمالات والتطورات المستقبليّة حتى لا تجد مدنها ومطاراتها ومواقعها الحيويّة مستهدفة بالصواريح أو بأعمال تنفذها مجموعات جهاديّة .

إذا كان ما سبق يبين الأسباب الراهنة لتصريحات يعلون، أما جذورها العميقة فنجدها في تاريخ وعقيدة اليمين "الإسرائيلي" الذي ينتمي إليه . فإذا أردنا فهم هذه الجذور علينا أن نتذكر أنه ينتمي إلى حزب الليكود الذي يحكم في "إسرائيل" ضمن ائتلاف يضم عدداً من الأحزاب اليمينيّة المتطرفة، وهو يشكل امتداداً لحركة "حيروت" التي أسسها فلاديمير جابوتنسكي، الذي آمن باستحالة التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين والعرب، لأنهم ببساطة لا يمكن أن يقبلوا طواعية بأهداف عدوهم الذي أقام دولة على حسابهم، ولذلك دعا إلى اعتماد القوة والعدوان، وخلق الحقائق على الأرض التي من شأنها دفع الفلسطينيين لقبولها أو التعايش معها مرغمين في النهاية بعد عمر طويل، لذلك يسعى اليمين "الإسرائيلي" إلى فرض الحل "الإسرائيلي"، وليس الوصول إلى تسوية مع الفلسطينيين، إن لم يكن ممكناً مرة واحدة فيمكن تطبيقه على مراحل، وهذا ما حصل فعلاً حتى الآن .

فلقد عارض اليمين "اتفاق أوسلو" عندما كان في المعارضة، وتجاوزه عملياً عندما شكل الحكومات برئاسة نتنياهو أكثر من مرة، وبرئاسة شارون، أو حتى برئاسة أولمرت، وعندما لم ينفذ اليمين "اتفاق أوسلو" لم يسارع إلى إعلان إلغائه، وإنما نصّت برامج الحكومات المتعاقبة على التمسك بأوسلو، وذلك لضمان استمرار التنازلات التي قدمها الجانب الفلسطيني في هذا الاتفاق، فالذي مات الالتزامات "الإسرائيليّة" في أوسلو، أما الالتزامات الفلسطينيّة فيجب أن تبقى مستمرة لأنها تتضمن الاعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود، والتخلي عن "الإرهاب" ومحاربته، والالتزام بالاتفاقيات الموقّعة .

في هذا السياق فقط، يمكن تفسير الانتقادات التي قدمها يعلون وغيره من القادة "الإسرائيليين" ل"خطة كيري"، وذلك لأنهم يدركون أن هذه الخطة، حتى يمكن أن يقبلها القادة الفلسطينيون ويوفر لها القادة العرب الغطاء المطلوب، لا بد أن تتضمن بعض التنازلات "الإسرائيليّة"، التي ستكون في معظمها تنازلات لفظيّة وشكليّة، ولن يتم تطبيقها على أرض الواقع، ولكن من دونها لا يمكن الحصول على التوقيع الفلسطيني والغطاء العربي على "خطة كيري" التي تنتقص بشكل جوهري من الحقوق الفلسطينيّة، وتقدم مرجعيّة للتفاوض اللاحق على أساس هذه الخطة التصفويّة .

إذا فشلت "خطة كيري" بالرغم من أنها تتضمن فوائد عظمى ل"إسرائيل"، فإنها ستفشل لعدم وجود قائد تاريخي "إسرائيلي" مثل بن غوريون، الذي قبل قرار التقسيم الذي ينص على إقامة "إسرائيل" على أقل من نصف مساحة فلسطين، لأنه كان مقتنعاً بأن هذا هو الممكن في تلك اللحظة، وهو أضمر في نفس الوقت نيته لتوسيع المساحة التي قامت "إسرائيل" عليها، حيث أصبحت بسرعة 78% من مساحة فلسطين .

الخلاصة من كل ما سبق، أن اليمين "الإسرائيلي" الذي يحكم في "إسرائيل" لا يريد سلاماً ولا تسوية، وإنما فرض ما يمكن أن نسمّيه "السلام الإسرائيلي"، لأن أقصى ما يمكن أن يقبله دولة بنظامين: الأول تمثله "إسرائيل"، والثاني تمثله سلطة حكم ذاتي فلسطينيّة، يمكن أن تسمى "دولة" أو "إمبراطوريّة"، ولكنها لا تملك من السيادة شيئاً، فهي يراد لها أن تكون ناقصة السيادة وبلا عاصمة أو جيش، وتقبل بتصفية قضيّة اللاجئين وبقاء المستوطنات .

لدى اليمين في الكنيست "الإسرائيلي" الحالي 88 عضواً (68 عضواً منهم تشارك أحزابهم في الحكومة الحاليّة، و20 عضواً يمثلون أحزاباً يمينيّة لا تشارك في الحكومة) من أصل ،120 أما البقيّة، فأكثر من ربعهم أعضاء كنيست عرب، والنصف يمثلون الوسط، ولا يبقى سوى حزب "ميرتس" اليساري الذي له 6 أعضاء في الكنيست .

إن كيري يحاول أن يلتقط الفرصة التاريخيّة الثمينة القائمة حالياً وتوظيفها لمصلحة "إسرائيل"، وهي ناجمة عن أن الأوضاع الفلسطينيّة والعربيّة في أسوأ أحوالها، وذلك من أجل فرض "تصفية" شاملة للقضيّة الفلسطينيّة، مقابل ترضيات وتنازلات شكليّة يمكن تجاوزها لاحقاً في التطبيق، مثل الحديث عن أن حدود 67 هي أساس التفاوض مع تبادل أراضٍ غير محدد النسبة، ومع أخذ الحقائق التي أقامها الاحتلال بالحسبان عند رسم الحدود، ولكن غطرسة القوة والتعنت الأيديولوجي والتطرف السياسي وغياب قائد تاريخي مستعد للمجازفة قد تفشل مهمّة كيري، وهذا أمر جيد لأن بقاء الوضع الراهن سيئ جداً، ولكنه ليس أسوأ من توقيع تسوية تصفويّة تضيف قيوداً ثقيلة على نضال الأجيال القادمة .

لا يعني ما سبق أن استمرار الوضع الحالي المتمثل بالتعلق بأذيال العمليّة السياسيّة والمفاوضات الثنائية برعاية أمريكيّة التي تغطي على ما تقوم به "إسرائيل" من خلق حقائق احتلاليّة على الأرض، تجعل الحل "الإسرائيلي" هو الحل الوحيد المطروح والممكن عملياً، أمراً جيداً على الإطلاق، فاستمرار السير في المفاوضات من دون أوراق قوة ولا وحدة وطنيّة فلسطينيّة وبلا حاضنة عربيّة يقود إلى تآكل القضيّة الفلسطينيّة تدريجيًاً، وصولاً إلى تصفيتها بالكامل تحت اسم "معاهدة سلام" . فلا فرق جوهرياً بين الاستسلام أو تصفية القضيّة بالمفرق أو بالجملة .

* كاتب وباحث فلسطيني
Hanimasri267@hotmail.com

___________________________________
نقلًا عن جريدة "الخليج"

مشاركة: