الرئيسية » هاني المصري »   30 كانون الثاني 2014

| | |
استيطان في قلب القدس
هاني المصري

منذ احتلال ما تبقى من القدس في حرب حزيران ،1967 بعد احتلال القدس الغربيّة عقب تأسيس "إسرائيل" على حساب الشعب الفلسطيني بعد نكبة ،1948 تعرضت المدينة المقدّسة لأبشع عمليّة تهويد وأسرلة وتطهير عرقي غيّرت معالمها عبر الاستيطان المستمر والمكثف، إضافة إلى الإجراءات الاستعماريّة الأخرى: من هدم المنازل، وطرد السكان، والطرق الالتفافيّة، وفرض الضرائب الباهظة، والإفقار المتعمّد، وتشجيع المخدرات والجرائم المختلفة، وبناء جدار الفصل العنصري الذي عزل 120 ألف مقدسيّ خارج مدينتهم، وغزو الأحياء العربيّة بالمستوطنين وتعريضها بشكل دائم لاعتداءاتهم، والاعتداءات المتكررة على المقدسات، خصوصاً على الأقصى عبر الحفريات أسفله، التي تهدده بالانهيار، لبناء الهيكل المزعوم مكانه .

لا نتحدث عن مخططات هدم الأقصى وبناء الهيكل بدلاً منه كنوع من المبالغة أو الدعاية من أجل دفع المسلمين والأحرار في العالم كله للتحرك لإنقاذه، وإنما نتحدث عن إجراءات ملموسة متصاعدة . فقد كان منذ سنوات من يقوم بالاعتداء على الأقصى ويطالب بتقسيمه من حيث الزمان والمكان -كما حدث مع الحرم الإبراهيمي في الخليل- هي مجموعة أفراد تنتمي إلى جماعات صغيرة متطرفة وغير ممثلة في الكنيست "الإسرائيلي" أو تمثيلها ضعيف جداً، بينما الآن الذين يعتدون على الأقصى يعدّون بالمئات والآلاف، ويشارك معهم أعضاء كنيست ووزراء ويمثلون معظم الأحزاب المشاركة في الحكومة "الإسرائيليّة"، ووصل الأمر في خطورته إلى حدّ أن وزير الإسكان أوري أريئيل دعا منذ أيام لهدم الأقصى وبناء هيكل سليمان الثالث بدلاً منه، وادّعى أن الهيكل أقدس من الأقصى بكثير "فهو المسجد الثالث في الإسلام، بينما يعيش الشعب اليهودي على أطلال الهيكل الثاني الذي دُمِّر العام 70 للميلاد" .

إذا لم يتحرك الفلسطينيون والمناصرون لقضيتهم تحركاً فاعلاً وكافياً، وبمستوى المخاطر التى تهدد الأقصى والقدس، فسيصبحون يوما ما على وقع بدء العمل بتقسيم الأقصى تمهيداً لهدمه وبناء هيكل سليمان على أنقاضه، وتحول القدس إلى مدينة يهودية تقطنها أقلية عربية .

لوحظ أنه بعد استئناف المفاوضات وزيارات وزير الخارجيّة الأمريكي جون كيري المكوكيّة من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع، استغلت الحكومة "الإسرائيلية" هذه الفرصة بإصدار عطاءات ببناء عشرة آلاف وحدة استيطانيّة، قسمٌ كبيرٌ منها في مدينة القدس . فهذه المدينة المقدّسة أعلنتها "إسرائيل" عاصمة "أبديّة" موحدة لها، وهناك ما يقترب من الإجماع "الإسرائيلي" على رفض تقسيمها، بحيث تكون القدس الشرقيّة عاصمة للدولة الفلسطينيّة، والقدس الغربيّة عاصمة ل"إسرائيل" .

حتى ندرك حجم الخطر الذي تتعرض له القدس، علينا أن نعرف أن نصف المستوطنين المقيمين في الضفة الغربيّة المحتلة والبالغ عددهم أكثر من 700 ألف استوطنوا في القدس في 26 مستوطنة، تقع 16 منها ضمن الأراضي التي ضمتها "إسرائيل" إليها .

ومن المهم أن يعرف الجميع أن الاستيطان في القدس لا ينحصر في مستوطنات بعيدة عن الأحياء العربيّة، بل امتد كذلك إلى قلب الأحياء العربيّة والبلدة القديمة في القدس . فهناك أربعة آلاف مستوطن ضمن أربع كتل استيطانيّة و56 وحدة استيطانيّة يزاحمون نحو 33 ألف مواطن فلسطيني داخل البلدة القديمة التي لا تتجاوز مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً، وهذا العمل يستهدف قطع الطريق على أي حلول تتضمن تقسيم المدينة . وأفادت الخرائط التي أعدّتها سلطات الاحتلال بالتفاف جدار الفصل العنصري حول القدس بطول 142 كم مزوداً ب 12 حاجزاً عسكرياً لتعقيد حياة المقدسيين وفصلهم عن نسيجهم المجتمعي .

إن ما يجري في القدس من خلق حقائق احتلاليّة عنصريّة يهدف إلى استكمال تهويد القدس وأسرلتها، حتى يتم إخراجها نهائياً من المفاوضات، بحجة أن أعداد المستوطنين باتت تقارب عدد المقدسيين والمخطط أن يفوقوهم عدداً خلال أعوام قليلة، وأنه من المستحيل تقسيمها . و"إسرائيل" تحاول من خلال اعتماد هذه السياسة إقناع الإدارة الأمريكيّة باستحالة تقسيم القدس، لأن هذا الأمر لا تستطيع القيام به أي حكومة "إسرائيليّة"، حتى لو أرادت، لأنه سيعرضها لثورة عارمة من المستوطنين والمتديّنين والمتطرفين، الذين يشكلون الأغلبيّة في "إسرائيل" ولا يؤمنون بالتوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، وإنما يهدفون ويعملون من أجل فرض الحل "الإسرائيلي" عليهم بالقوة والعدوان وخلق الحقائق على الأرض . ومثلما أصبح "تبادل الأراضي" مبدأ مقبولاً به أمريكياً ودولياً بعد ورقة الضمانات الأمريكيّة التي منحها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ل"إسرائيل"، ثم أصبح مقبولاً فلسطينياً وعربياً، وهو مبدأ خطير جداً كونه يسمح ل"إسرائيل" بضم الأراضي والمستوطنات التي ترى أنها حيويّة لها في أي حل نهائي، فإن هذا المبدأ أعطى شرعيّة للاستيطان، وفتح شهيّة "إسرائيل" لاستخدامه للحفاظ على القدس الموحدة كعاصمة ل"إسرائيل"، وشجعها على خلق حقائق احتلاليّة جديدة، والمطالبة بعد ذلك بضمها إليها أسوة بما حصل بالكتل الاستيطانيّة الكبيرة .

إن ما كان يبدو مستحيلاً في قمة "كامب ديفيد" حول اقتراح تقسيم القدس الشرقيّة، بحيث تضم الأحياء العربيّة إلى الدولة الفلسطينيّة وتكون العاصمة، وتضم المستوطنات إلى "إسرائيل" (لاحظوا الحديث عن القدس الشرقيّة وليس عن كل القدس)، أصبح ممكناً في الأفكار التي اقترحها كيري كأساس للاتفاق . فقد جاء في هذه المقترحات أن البلدة القديمة في القدس توضع تحت رعاية دوليّة بإشراف لجنة خماسيّة مشكلة من ("إسرائيل" وأمريكا وفلسطين والأردن والسعوديّة)، أي إخراجها من السيادة الفلسطينيّة، وأن كل ما هو مطروح إقرار بالطموحات الفلسطينيّة لإقامة عاصمة في القدس من دون الإشارة إلى حدودها، وأين ستقوم؟ وبالتالي يمكن أن تقوم في أحياء في القدس مثل أبو ديس وفق اقتراح سابق اقترحه وفد التفاوض "الإسرائيلي" . وعندما انتقد المفاوض الفلسطيني كيري على هذا الاقتراح الذي يمثل تخليّه عن الموقف الأمريكي المعتمد منذ احتلال ،1967 الذي يطالب بإنهاء الاحتلال، ويتضمن المطالبة بإقامة دولة فلسطينيّة عاصمتها القدس الشرقيّة، أجاب كيري: بأن الموقف الأمريكي لم يتغير، وأن الاقتراح هو حل وسط ما بين الموقفين الفلسطيني و"الإسرائيلي"، وأن أي حل حتى يتحقق لا بد أن تقبل به الحكومة "الإسرائيليّة"، وبذلك جعل كيري مرجعيّة المفاوضات ما يقبله أو لا يقبله نتنياهو . وتجاهل أن الفلسطينيين قدموا قسطهم من التنازل مبكراً عندما اعترفوا في "اتفاق أوسلو" وملحقاته ب"إسرائيل"، التي قامت على 78% من مساحة فلسطين، والآن مطلوب منهم القبول باستمرار الحكم الذاتي، أو اقتسام الضفة بصورة تمكّن "إسرائيل" من الاحتفاظ بكل الأراضي التي تعتبرها حيويّة .

ما سبق لا يعني بأي حال من الأحوال بأن معركة القدس ميؤوس منها، وأن الحقائق الاحتلاليّة والاستيطانيّة لا راد لها، وأنها لا يمكن تغييرها . فما دفع "إسرائيل" إلى تفكيك مستوطنة "ياميت" في سيناء وإزالة مستوطنات قطاع غزة والانسحاب الذليل من لبنان في العام ،2000 يمكن أن يدفعها إلى إنهاء الاحتلال للضفة، بما فيها القدس . فما دفع مناحيم بيغين إلى الانسحاب من سيناء هو تقديره بأن السلام مع مصر سيخرجها من الصراع، وهذا الأمر مكّن "إسرائيل" من تحقيق أهداف ومصالح كبرى، أهمها التركيز على الجبهات الأخرى، خصوصاً الجبهة الفلسطينيّة، وهذا الأمر نفسه دفع شارون إلى إعادة الانتشار في غزة لقطع الطريق على المبادرات العربيّة والدوليّة، بحيث تبقى المبادرة "الإسرائيليّة" اللعبة الوحيدة في المدينة . وانسحب أيضاً أيهود باراك من لبنان عندما أصبحت هناك قناعة عند الأغلبيّة في "إسرائيل" بأن الاحتلال بسبب المقاومة اللبنانيّة مكلفاً وخسائره أكثر من أرباحه بكثير . تأسيساً على ما سبق، لا بد أن يصبح الاحتلال للضفة الغربيّة بما فيها القدس مكلفاً ل"إسرائيل" على مختلف الصعد، سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً وبشريّاً، وعلى مختلف المستويات، العربيّة والإقليميّة والدوليّة، وعندها ستكون "إسرائيل" مضطرة للانسحاب أو إذا لم تفعل سيفرض عليها قيام دولة واحدة على أنقاض المشروع الصهيوني الاستعماري العنصري .


Hanimasri267@hotmail.com

نقلًا عن جريدة "الخليج"

مشاركة: