الرئيسية » هاني المصري »   13 نيسان 2014

| | |
مهمة كيري على حافة الهاوية
هاني المصري

وصلت مهمة كيري إلى حافة الهاوية . وخلال أسابيع سيتضح مصيرها، وفيما إذا كانت ستتواصل أو سيكون مصيرها الفشل والانهيار التام .
لقد كان فشلها متوقعاً وأفضل بكثير من نجاحها، لأن نجاحها يعني إما استمرار دوامة المفاوضات من أجل المفاوضات، بينما تواصل "إسرائيل" تطبيق المخططات الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية؛ أو فرض حل تصفوي للقضية الفلسطينية، انتقالي أو نهائي، يتبنى المواقف "الإسرائيلية" من القضايا المختلفة، وخصوصاً قضية اللاجئين التي تريد الحكومة "الإسرائيلية" تصفيتها تماماً من خلال الإصرار على عدم تطبيق حق العودة، وقضية الانسحاب "الإسرائيلي" من الأراضي المحتلة العام ،1967 حيث تحوّلها إلى تقاسم للضفة الغربية يجعل قيام دولة فلسطينية حقيقية وعاصمتها القدس وذات سيادة من رابع المستحيلات .

إن استمرار إجراء المفاوضات الثنائية في ظل ميزان القوى المختل لمصلحة "إسرائيل"، وبرعاية وسيط ليس نزيهاً وإنما منحاز بشكل سافر لمصلحة الاحتلال والعدوان، ودون ارتكازها إلى مرجعية واضحة وملزمة تستند إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، بحيث يكون التفاوض لتطبيقها وليس حولها، وضمن أسس تتضمن وقف إجراءات الاحتلال العدوانية والاستيطانية التي تريد حكومة نتنياهو من خلالها حسم المفاوضات عملياً بخلق أمر واقع لمصلحة الطرف القوي؛ يجعل الحل "الإسرائيلي" هو الحل الوحيد الممكن والمطروح عملياً .

وما يجعل مثل هذه النتائج الكارثية للمفاوضات هي المرجحة أن الطرف الفلسطيني ضعيف وفي أسوء أحواله، وفي ظل فقدان للرؤية الواضحة والمؤسسة الجامعة والقيادة الواحدة، بل يعاني انقساماً أسود يستنزف الطاقات الفلسطينية ويجعل الصراع الثانوي الداخلي يطغى على الصراع الأساسي مع الاستعمار الاستيطاني الاحتلالي .

السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هو: هل الأزمة الراهنة في المفاوضات وتوقيع الرئيس أبو مازن على 15 اتفاقية دولية انهيارٌ للمفاوضات ولما يسمى زوراً وبهتاناً "عملية السلام"، أم أنه من السابق لأوانه الوصول لمثل هذا الاستنتاج؟
إن هناك من المؤشرات ما يجعل التخوف من أن يكون التصرف الفلسطيني رداً على عدم إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى ليس أكثر من ردة فعل، وتكتيكاً يرمي إلى العودة إلى المفاوضات بشروط أفضل . 

الأزمة ناجمة عن رفض الحكومة "الإسرائيلية" الإفراج عن الدفعة الرابعة من أسرى ما قبل أوسلو، الذي كان من المتفق عليه أن ينفذ في التاسع والعشرين من شهر مارس/ آذار الماضي كآخر مرحلة من اتفاق تم التوصل إليه عشية استئناف المفاوضات، لا سيما أن القيادة الفلسطينية التزمت به بعدم التوجه إلى الأمم المتحدة طوال الأشهر التسعة التي ستستأنف فيها المفاوضات، مقابل إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين منذ ما قبل اتفاق أوسلو .

الإدارة الأمريكية بدلاً من أن تضغط على حكومة نتنياهو للالتزام بالاتفاق الذي كانت الراعية والضامنة له تلتزم الصمت، أو تحمل الطرفين المسؤولية عن الأزمة الراهنة على قدم المساوة، بالرغم من أن الجانب الفلسطيني كالعادة التزم بالاتفاق التزاماً كاملاً ومدهشاً، ولم يحرك ساكناً تجاه استكمال التوجه نحو الأمم المتحدة على الرغم من أن "إسرائيل" قامت منذ استئناف المفاوضات بإقرار إقامة أكثر من 11 ألف وحدة استيطانية .

وإذا كانت إدارة أوباما لم تقدر أو لم ترغب أو كليهما على إقناع حكومة نتنياهو بالالتزام باتفاق رعته بخصوص الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى، فكيف ستقدر على دفع الجانبين على التوقيع على معاهدة سلام نهائية تتضمن تحقيق الانسحاب "الإسرائيلي" من الضفة المحتلة، بما فيها القدس؟ وكيف ستقنع الحكومة "الإسرائيلية" بإزالة الاستيطان ووقف مصادرة الأراضي والعدوان وجميع المخططات الجاري تطبيقها بصورة متزايدة في جميع أراضي الضفة المحتلة، وخصوصاً في القدس، حيث هناك سباق محموم لاستكمال تهويدها وأسرلتها وإخراجها من المفاوضات، وفي الأقصى الذي بات يتعرض لاعتداءات ومطالبات بتقسيمه مكانياً وزمانياً، وتزايد الدعوات لهدمه وإقامة هيكل سليمان المزعوم بدلاً منه؟

من السابق لأوانه نعي مهمة كيري رغم أنها تعيش مفترقاً حاداً؛ ذلك لأن الجهود واللقاءات الفلسطينية "الإسرائيلية" الأمريكية للتوصل إلى صيغة تنقذ المفاوضات من الانهيار التام لم تتوقف . صحيح أنها فاشلة حتى الآن ولكن جميع الأطراف تحرص على استمرارها وعدم وصول الأمور إلى الانهيار التام .

هناك معلومات عن وجود صيغة يتم تداولها، وتقوم على عناصر عدة، تبدأ بإفراج "إسرائيل" عن الدفعة الرابعة، حيث يصرّ الجانب الفلسطيني على أن تتم فوراً ودون إبطاء ومن دون ربطها بأي شيء آخر كونها تنفيذاً لاتفاق سابق؛ بينما يصر الجانب "الإسرائيلي" على تجميد توقيع الرئيس الفلسطيني على الاتفاقيات والإعلان علناً عن موافقته على تمديد المفاوضات . في الوقت نفسه يجري التفاوض على اتفاق جديد لتمديد المفاوضات بعد نهاية شهر إبريل/ نيسان الجاري وحتى نهاية العام الجاري، أو لمدة عام مقبل، مقابل اتفاق على إطلاق سراح 400 أسير فلسطيني جديد، وإيجاد صيغة ما بخصوص تجميد الاستيطان . 

العقدة أمام التفاوض الجاري حالياً هي حول معايير إطلاق سراح الدفعة الجديدة من الأسرى، إذ تصرّ "إسرائيل" على أنها وحدها من يحدد المعايير التي ستعتمد للإفراج عن الدفعة الجديدة، وعلى أنها هي الطرف الذي سيحدد من الذين سيفرج عنهم . وهناك معلومات غير مؤكدة تتضمن موافقة "إسرائيل" على "حل وسط" بأن يتم الاتفاق بين الطرفين على القائمة الجديدة، مع أن صيغة اتفاق الطرفين لا تعني شيئاً لأنها لا تحل الأزمة . ف"إسرائيل" هي التي ستتحكم بالمفرج عنهم ما دامت موافقتها ضرورية وتملك حق الفيتو . 

وفي هذه الحالة سيتم إطلاق سراح الأسرى من الأطفال وكبار السن والمرضى والنساء، وخصوصاً من الذين أنهوا كل أو معظم محكوميتهم، بينما تريد القيادة الفلسطينية أن تشمل الدفعة الجديدة أسرى محكوميتهم عالية، ومن ضمنهم القادة مروان البرغوثي وأحمد سعدات وفؤاد الشوبكي، حتى تغطي على عورة المفاوضات الثنائية التي تشارك فيها، والتي تكشفت أكثر من خلال ما طرحه كيري من "اتفاق إطار" يلبي جوهر المطالب "الإسرائيلية"، ومن شأنه أن يصفي إن كتب له النجاح القضية الفلسطينية من جميع جوانبها دفعة واحدة أو على مراحل، لا سمح الله .

هناك نقطة أخرى قيد التفاوض، وهي أن الجانب الفلسطيني أبدى إشارات عن استعداده للموافقة على تجميد تنفيذ العطاءات الاستيطانية التي أقرّت منذ استئناف المفاوضات وحتى الآن، إضافة إلى عدم إصدار عطاءات جديدة، في حين أبدى الجانب "الإسرائيلي" استعداده لعدم إصدار عطاءات جديدة، وما صدر منها يكفي لسنوات، مقابل تجميد أي تحرك فلسطيني نحو الأمم المتحدة طوال فترة المفاوضات .

إن التداعيات المحتملة لانهيار المفاوضات التي يمكن أن تصل إلى حد الوصول إلى مجابهة كبيرة يمكن أن تتصاعد، وبما يؤدي إلى فقدان السيطرة عليها، حتى لو أراد الطرفان ذلك . هذا العامل بالضبط هو ما يجعل احتمال التوصل إلى اتفاق لتمديد المفاوضات محتملاً .

تخشى جميع الأطراف من عواقب انهيار المفاوضات، لأنها ستتضرر من ذلك، ولكن على القيادة الفلسطينية أن تدرك أن ليس لدى الفلسطينيين ما يخسرونه في ظل الواقع الذي يسير فيهم من سيئ إلى أسوأ، بينما لديهم ما يربحونه إذا اعتمدوا مقاربات جديدة بديلة من المفاوضات الثنائية التي خسروا منها خسارة صافية، أما "إسرائيل" فلديها الكثير لتخسره، خصوصاً أنها ستخسر أن واقع احتلالها للأرض الفلسطينية احتلال سبعة نجوم يعطيها فوائد جمة من دون خسائر تذكر .

يعزز احتمال التوصل إلى اتفاق لتمديد المفاوضات أن الطرفين اكتفيا بردود وخطوات الحد الأدنى . فمن جهة عباس اتخذ إجراء وصفه الخبراء والمحللون بأنه ضعيف حين اكتفى بالتوقيع على اتفاقيات تتعلق بالحقوق العامة وحقوق الإنسان، وليس السعي لعضوية كاملة في هيئات الأمم المتحدة، وذلك لتجنب دفع الولايات المتحدة لفرض عقوبات على الفلسطينيين، ويظهر ذلك جلياً من خلال التأكيد المستمر من قبل القيادة الفلسطينية على الإشادة والتمسك بالدور الأمريكي، وأنها لا تسعى إلى مجابهة مع أحد، خصوصاً مع الأمريكيين .

المعضلة تكمن في أنه من دون مواجهة شرسة طويلة مع الأمريكيين و"الإسرائيليين" تجعل الاحتلال مكلفاً ل"إسرائيل" ولمن يدعمها؛ لا يمكن التوصل إلى حل وطني ينقذ القضية والأرض والإنسان الفلسطيني، بينما "إسرائيل" اكتفت بعقوبات محدودة للسلطة على إجرائها، لكنها أطلقت تهديدات كبيرة طالت السلطة والقيادة والرئيس شخصياً .

هناك احتمال كبير كذلك لفشل الجهود المبذولة لتمديد المفاوضات، لأن آفاقها العقيمة والضارة أصبحت أكثر من واضحة، حتى للكثير من مؤيدي المفاوضات إلى الأبد .
كان ولا يزال ممكناً اعتبار الرفض "الإسرائيلي" للإفراج عن الدفعة الرابعة فرصة هبطت من السماء لاعتماد استراتيجيات جديدة بديلة من استراتيجيات المفاوضات الثنائية برعاية أمريكية انفرادية، ولكن القيادة الفلسطينية لا تزال تراهن على المفاوضات، وتعتبر أن البديل من المفاوضات هو المزيد من المفاوضات، وتخشى من عواقب أي مجابهة جديدة .

* كاتب وباحث فلسطيني
Hanimasri267@hotmail.com

مشاركة: