الرئيسية » هاني المصري »   04 أيار 2014

| | |
مَنْ يسبق مَنْ: المصالحة أم المفاوضات؟
هاني المصري
 
 
نكثت حكومة نتنياهو الاتفاق ورفضت إطلاق سراح الدفعة الرابعة من أسرى ما قبل أوسلو، بحجة أن من ضمنهم 14 أسيراً من حاملي الجنسية "الإسرائيلية"، وأن عليهم الموافقة على ترحيلهم إلى قطاع غزة أو الخارج، وعلى التنازل عن الجنسية "الإسرائيلية"، وطرحت شرطاً إضافياً يقضي بموافقة الجانب الفلسطيني على تمديد المفاوضات بعد التاسع والعشرين من إبريل/ نيسان الماضي حتى تطلق سراحهم .

في المقابل رفض الجانب الفلسطيني هذه الشروط، وطالب بالفصل ما بين إطلاق سراح الدفعة الرابعة وبين تمديد المفاوضات، لأن الأولى جزء من اتفاق منفصل نفّذ الجانب الفلسطيني ما عليه بالكامل من خلال تجميد التوجه إلى الأمم المتحدة خلال فترة الشهور التسعة التي استؤنفت فيها المفاوضات .

أمام استمرار الرفض "الإسرائيلي" وقّع الرئيس الفلسطيني على 15 اتفاقية دولية، وشكّل وفداً قيادياً من منظمة التحرير لزيارة قطاع غزة والتباحث مع "حماس" في تطبيق "اتفاق القاهرة"، خصوصاً بالنسبة لتشكيل حكومة وفاق وطني من كفاءات برئاسة الرئيس أبو مازن، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وتفعيل لجنة منظمة التحرير التي تشارك فيها "حماس" والجهاد الإسلامي، إضافة إلى الفصائل الممثلة في المنظمة وعدد من الشخصيات المستقلة .

وبالفعل، ذهب الوفد القيادي وتمّ "اتفاق مخيم الشاطئ" خلال ساعات، حيث تمّ الاتفاق على تشكيل الحكومة خلال خمسة أسابيع، على أن يتم تفعيل لجنة المنظمة خلال نفس الفترة، وعلى إجراء الانتخابات خلال فترة لا تقل عن ستة أشهر وذلك بالتوازي، إذ تجرى انتخابات المجلس الوطني بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية .

سر الاتفاق السريع أنّ "حماس" في أزمة وبحاجة إلى مخرج من الحصار، وتردي الأحوال المعيشية في قطاع غزة، وسوء علاقاتها مع مصر . و"فتح" كذلك تعيش أزمة جرّاء تعنت "إسرائيل" وإفشال المفاوضات وجهود وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي بدأ مهمته متفائلاً وحالماً بالتوصل إلى اتفاق سلام نهائي خلال تسعة شهور أو أكثر قليلاً، وانقضت المدة من دون اتفاق حتى على "اتفاق إطار" أو حتى على تمديد المفاوضات ما بعد التاسع والعشرين من شهر إبريل/ نيسان المنصرم .

"إسرائيل" فوجئت بسرعة حصول اتفاق المصالحة، كما فوجئت قبل ذلك بأيام بتوقيع الرئيس الاتفاقيات الدولية، واتخذت سلسلة من المواقف التي دلت على تعنتها واستيائها الشديد من الاتفاق، كما دلت على ارتباكها . فبعد اتخاذ سلسلة من العقوبات الخفيفة من نوع خفض مستوى اللقاءات الفلسطينية - "الإسرائيلية" ما عدا المتعلقة بالأمن والمفاوضات؛ تم الإعلان عن وقف المفاوضات، ثمّ تعليقها، ثم وقفها . هذا إضافة إلى وقف تحويل العائدات الجمركية، وشن حملة سياسية وإعلامية على القيادة الفلسطينية بشكل عام، وعلى الرئيس بشكل خاص، على أساس أنه اختار التحالف مع "حماس"، أي مع "الإرهاب" على "السلام"، بدليل أنه وضع شروطاً لاستئناف مفاوضات السلام يعرف سلفاً أن حكومة نتنياهو لا يمكن أن تقبلها، ولا ندري كيف تتوقع هذه الحكومة العنصرية بأن يتم تمديد المفاوضات بعد حصاد الفشل الذريع خلال الأشهر الماضية من دون إطلاق سراح الأسرى، سواء الدفعة الرابعة أو دفعات جديدة، وتجميد الاستيطان بشكل كامل، بما يشمل القدس، والاتفاق على أن الأولوية في المفاوضات يجب أن تكون على الحدود بما ينسجم مع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين المراقبة على حدود 1967 .

رداً على اتفاق المصالحة وعلى الشروط الفلسطينية لاستئناف المفاوضات رغم أنها متواضعة جداً؛ بدأ الوزراء والقادة "الإسرائيليون" يتنافسون في إطلاق التهديدات ضد الفلسطينيين وفي الإجراءات التي يطالبون بتنفيذها ضدهم، فوزير طالب بالرد على اتفاق المصالحة بتكثيف الاستيطان؛ وآخر طالب بضم مساحات من الضفة المحتلة ل"إسرائيل"؛ وثالث طالب بإلغاء رسمي لاتفاق أوسلو، والاستعداد لمرحلة ما بعد اتفاق أوسلو، التي ستكون على حد وصفه من دون مفاوضات ولا اتفاقيات، وإنما يدرك فيها الطرفان ما يمكنهما تحقيقه بشكل واقعي . وكأن هذا الاتفاق لم تتجاوزه الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة، حيث لم تعد تعترف سوى بالالتزامات الفلسطينية فيه، أما الالتزامات "الإسرائيلية" فأصبحت نسياً منسياً منذ وقت طويل .

هناك تسريبات مفادها أن وزراء في الحكومة "الإسرائيلية"، من ضمنهم وزير الحرب يعدّون خطة بديلة في حال لم تنجح الجهود المبذولة لتمديد المفاوضات . 

البند الأول في الخطة يتحدث عن إدارة الصراع، والبحث عن تسويات محلية مع الفلسطينيين، مروراً بإعادة انتشار للجيش والمستوطنين، ووصولاً إلى تنفيذ خطوات "إسرائيلية" أحادية الجانب مع الحفاظ على الوضع القائم حالياً في الضفة الغربية والاتفاقات الموقعة .

"إسرائيل" تعمل وستعمل جاهدة لعدم نشوء فراغ بسبب فشل الجهود الأمريكية يمكن ملؤه من أطراف أخرى، ولمنع اعتماد بدائل أخرى طالما تحدث عنها الفلسطينيون وجسّدوها بأشكال محدودة موسمية متفرقة، ويمكن أن يعتمدوها كاستراتيجيات جديدة، مثل العودة إلى المقاومة المسلحة، رغم أن التقديرات "الإسرائيلية" الصائبة تشير إلى أنّ لا "فتح" ولا "حماس" بوارد العودة إلى المقاومة المسلحة حالياً؛ مع احتمال العودة إلى المقاومة الشعبية، حيث هناك خشية "إسرائيلية" حقيقية من تفعيل المقاومة الشعبية بصورة جدية ومتصاعدة وصولاً إلى انتفاضة شعبية ثالثة، وما يمكن أن تصل إليه من تداعيات يمكن أن تؤدي إلى انهيار السلطة تحت وطأة الضغوط والمواجهة، وما يعنيه ذلك من إزالة القناع عن وجه الاحتلال الذي تغطى به منذ توقيع اتفاق أوسلو حتى الآن .

تأسيساً على ذلك، ستحاول "إسرائيل" جاهدة إلى عدم الوصول إلى هذه المرحلة، وإذا وصلنا إليها، ستحاول "إسرائيل" دفع الأمور نحو تشجيع زعامات محلية ومجموعات مسلحة لتولي الزمام بدلاً من السلطة، وهذا إن حصل فهو وصفة للفوضى والقتال الداخلي، الذي ستكون فيه كل سلطة وزعامة بحاجة إلى دعم سلطات الاحتلال حتى تنتصر على السلطات المحلية الأخرى، أو حتى تحافظ على ما لديها من سلطة ومكاسب . لذا من الضروري أن تكون نقطة البدء بالمصالحة تشكيل إطار قيادي مؤقت للمنظمة بما لا يمس مؤسساتها إلى حين إجراء الانتخابات، بحيث يضم ممثلين عن مختلف ألوان الطيف السياسي والتجمعات الفلسطينية المختلفة، على أن يحظى الشباب والمرأة بنسبة مناسبة .

إضافة لما سبق، لا بد من تفعيل استراتيجية المقاطعة السياسية والاقتصادية والأكاديمية والثقافية وصولاً إلى فرض العزلة والعقوبات على "إسرائيل" حتى يصبح احتلالها مكلفاً وليس مربحاً كما هو عليه الآن، كما لا بد من استكمال التوجه إلى الأمم المتحدة من خلال الانضمام إلى جميع المؤسسات الدولية وتوقيع الاتفاقيات، لأن هذه الخطوة ضرورية وتشبه السعي للحصول على السلاح الذي من دونه لا يمكن خوض معارك ناجحة .

إن التجربة السابقة دللت على أن القيادة الفلسطينية لم توظف الرصيد الهائل من القرارات الدولية والفتوى القانونية لمحكمة لاهاي بشأن جدار الفصل العنصري وما يتيحه القانون الدولي، لأنها تصورت أن هذا الطريق طويل وثماره غير مضمونة، وسارت في طريق المفاوضات الثنائية والرهان على الإدارة الأمريكية فضاع وقت أطول ووصلنا إلى كارثة، وعلى ما يبدو الآن فإنها مترددة في استكمال توقيع الاتفاقيات والانضمام إلى المؤسسات الدولية، كما اتضح من خطاب الرئيس أمام المجلس المركزي ومن بيانه الختامي، حيث نصّ على استكمال التوجه إلى الأمم المتحدة وفق الخطة المعدّة من دون الإشارة إليها بالتفصيل .

هناك تقديرات بأن الإدارة الأمريكية الغاضبة من اتفاق المصالحة، والتي هددت بإعادة النظر في العلاقات والمساعدات مع السلطة الفلسطينية؛ أعطت نوعاً من الضوء الأخضر لاتفاق المصالحة، في مقابل استمرار الضوء الأحمر فيما يتعلق باستكمال التوجه االفلسطيني نحو الأمم المتحدة . فاتفاق المصالحة يتم تحت سقف اتفاق أوسلو والتزاماته، ولا يغلق طريق المفاوضات، بينما التوجه نحو الأمم المتحدة يمثل تجاوزاً جوهرياً لهذا الاتفاق وسعياً جديّاً للحصول على الأسلحة الضرورية للمعركة المحتملة بين الاحتلال والشعب الواقع تحته .

فالإدارة الأمريكية كما صرح أوباما وكيري أعطت للمفاوضات مهلة يقال إنها لستة أشهر تفحصت فيها الأطراف المختلفة البدائل التي لديها، وتستعد لاتخاذ القرارات الكفيلة باستئناف المفاوضات ووصولها إلى اتفاقيات تنقذ ما يسمى "عملية السلام" من الانهيار التام . طبعاً، ما سبق صعب جداً في ظل التعنت "الإسرائيلي" الذي يجعل حياة القيادة الفلسطينية المعتدلة صعبة وغير قادرة على قبول ما هو مطروح عليها.

المطلوب استراتيجيات طويلة الأمد تُكمل بعضها بعضاً وبشكل مثابر ومنسجم، تجمع ما بين المقاومة والمقاطعة ورفض التطبيع واستكمال التوجه الدولي واستعادة الأبعاد العربية والإسلامية والتحررية الإنسانية الأممية، وترتكز على وحدة وطنية حقيقية تقوم على أساس برنامج القواسم المشتركة وشراكة سياسية حقيقية وديمقراطية .

هناك سباق بين المفاوضات والمصالحة لأن "إسرائيل" تعوّل على الانقسام الفلسطيني وعلى انهيار "اتفاق مخيم الشاطئ"، فالوحدة تقوي الموقف التفاوضي الفلسطيني، وهذا آخر ما تريده، فهي تريد إخضاع المفاوض الفلسطيني لقبول مفاوضات وفق الشروط والإملاءات "الإسرائيلية"، وهذا لا يمكن أن يتحقق في ظل الوحدة الفلسطينية، لذلك يطالب نتنياهو أبو مازن الاختيار ما بين "حماس" أو "إسرائيل"، ما بين "السلام" أو "الإرهاب" .

* كاتب وباحث (فلسطين)
Hanimasri267@hotmail.com

نقلًا عن جريدة "الخليج".

مشاركة: