الرئيسية » هاني المصري »   05 حزيران 2014

| | |
المفاوضات والمصالحة والحكومة
هاني المصري
 
 
 
تجاوزت المشاورات لتشكيل حكومة الوفاق الوطني العراقيل والخلافات الرئيسيّة التي اعترضتها، لأن الأزمة التي تمر بها "فتح" و"حماس" كبيرة، وتدفعهما للمصالحة إلى حد توفير الإرادة السياسيّة لتجاوز العقبات، التي كان أقل منها في السابق يؤدي إلى أزمة تؤدي إلى انهيار كل شيء .

أهم عقبة جرى تجاوزها تتعلق بالبرنامج السياسي . فبعد أن أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خطابه أمام المجلس المركزي للمنظمة أن الحكومة القادمة حكومته وبرنامجها برنامجه، فهي بذلك ستعترف ب"إسرائيل" وتنبذ "العنف والإرهاب"، وستلتزم بالاتفاقات المبرمة، أي الوفاء بشروط "اللجنة الرباعيّة الدوليّة"، وردة فعل "حماس" كانت مفاجئة، حيث اعتبرت أن الخطاب إيجابي مع أن عدداً من قادتها أكدوا أن الحكومة حكومة وفاق وطني وخدماتيّة من دون برنامج سياسي، لأن السياسة من اختصاص المنظمة، وأن المصالحة ستعيد الاعتبار للمقاومة، وأن التنسيق الأمني مرفوض، ولكن "حماس" لم تسبب أزمة على حديث الرئيس عباس حتى بعد أن أعلن أن التنسيق الأمني "مقدّس"، وسيستمر سواء إذا كان هناك مفاوضات أو لم تكن، ولكن هذا الاختلاف حول البرنامج السياسي لغم كامن قد ينفجر في أي وقت إذا لم يتم نزع فتيله من خلال الاتفاق على برنامج سياسي يجسد القواسم المشتركة .

كما لم تثر "حماس" أزمة على عدم دعوة "الإطار القيادي" المؤقت للاجتماع المتفق على عقده في نفس موعد تشكيل الحكومة، ولا على التعامل معه كمجرد لجنة استشاريّة لتفعيل المنظمة، لأنها تراهن على ما يمكن أن تحققه من المصالحة، خصوصاً التخلص من أعباء الحكومة في ظل الأزمة الماليّة التي تعانيها، وفتح معبر رفح، وتصحيح العلاقات الحمساويّة - المصريّة التي تردّت كثيراً بعد سقوط محمد مرسي، إضافة إلى المشاركة في المنظمة وتفعيل المجلس التشريعي الذي تتمتع فيه بالغالبيّة .

من أجل ذلك، وافقت "حماس" على تولي رامي الحمد الله رئاسة حكومة الوفاق بالرغم من دلالة ذلك الرمزيّة، حيث يظهرها مهزومة، بدليل موافقتها على أن يكون رئيس حكومة منافستها في مرحلة الانقسام هو رئيس حكومة مرحلة المصالحة، وكذلك وافقت على تولي عدد من وزراء حكومة الحمد الله حقائب أو مسؤوليات مهمة في الحكومة القادمة، حتى إنها سحبت معارضتها لتولي رياض المالكي للخارجيّة بالرغم من استمراره بها طوال فترة الانقسام، ورغم الانتقادات الواسعة لأدائه داخلياً وخارجياً، ومن "فتح" و"حماس" وغيرهما، فهو على ما يبدو وزيراً مقطوعاً وصفه، لدرجة أن المصالحة تعرّضت لتهديد على خلفيّة تمسك الرئيس به رغم أن "حماس" وافقت على أن يتولى حقيبة الخارجيّة زياد أبو عمرو أو حنان عشراوي أو مصطفى البرغوثي .

وظهرت عقبة أخرى أمام تشكيل الحكومة حول فصل هيئة الحج عن وزارة الأوقاف، وتم تذليل الخلاف من خلال بقائها كما كانت، وكذلك تم إسناد وزارة الأسرى مؤقتاً إلى رامي الحمد الله؛ بسبب إصرار "حماس" على إعلانها الرافض لإلغاء وزارة الأسرى وتحويلها إلى هيئة تابعة للمنظمة، وذلك إلى حين البت في وضعها حول بقائها أو تحويلها إلى هيئة، وتأتي رغبة الرئيس في تحويلها إلى هيئة نزولاً عند طلب "إسرائيلي" مدعوم أمريكياً ومن بعض البلدان الأوروبيّة؛ بحجة أن الوزارة تقدم أموال الدول المانحة كرواتب للأسرى الذين يعتبرون "إرهابيين" بعُرف هذه الدول، وليسوا أبطال حريّة كما هم بنظر شعبهم وكل الأحرار في العالم كله .

أما عقبة وزارة الداخليّة، فقد تم تسليمها لرئيس الحكومة بعد الخلاف حول من يستلمها، وحول صلاحياتها إزاء أجهزة أمنيّة تدين بالولاء للرئيس في الضفة وأجهزة أمنيّة تدين بالولاء ل"حماس" في غزة . هذه العقبة ظهرت جرّاء اتفاق شفوي بين "فتح" و"حماس"، تضمن بقاء الوضع على ما هو عليه أمنياً إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة القادمة، بصورة مخالفة لنصوص "اتفاق القاهرة" الذي تضمن بنوداً شاملة تهدف إلى إعادة بناء وتوحيد الأجهزة الأمنيّة على أسس وطنيّة بعيداً عن الحزبيّة . وهذا التأجيل للملف الأمني وصفة مؤكدة للفشل القادم . 

لقد أثار هذا الأمر الكثير من النقد في العلن والحوار في السر في محاولة للاتفاق على اتخاذ بعض الخطوات، مثل الشروع في توحيد جهازي الشرطة في الضفة الغربيّة وغزة، ودمج ثلاثة آلاف عنصر مع الأجهزة القائمة في غزة . إن استمرار الواقع الأمني على ما هو عليه حالياً أدّى إلى إطلاق اتهامات وجيهة بأن حكومة الوفاق الوطني ستكون حكومة محاصصة وإدارة للانقسام لا إنهاءه .

إن تشكيل حكومة واحدة من المفترض أن تحكم في الضفة الغربيّة وقطاع غزة بعد سبع سنوات من الانقسام خطوة مهمة جداً، ولكن لا يمكن إنهاء الانقسام بضربة واحدة بسبب الثغرات والأخطاء والألغام والمحاصصة الثنائيّة وجماعات المصالح والتدخلات الخارجيّة، خصوصاً "الإسرائيليّة" .

لقد أظهرت مشاورات تشكيل الحكومة والتغييرات المستمرة للوزراء وعدم الاحتكام إلى القانون الأساسي، الذي ينص على تكليف رئيس الحكومة بتشكيلها بعد التشاور مع الكتل النيابيّة والقوى ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، حيث تم حصر المشاورات لتشكيل الحكومة بعدّة أشخاص من "فتح" و"حماس" بإشراف الرئيس من دون التشاور مع الفصائل الأخرى، بما فيها "فتح" و"حماس" .

ما حدث هو أن الرئيس لم يكلف نفسه وفقاً ل"إعلان الدوحة" الذي نصّ على ترؤس الرئيس للحكومة الوفاقيّة، وإنما كلّف رامي الحمد الله بتشكيلها في نفس اليوم الذي انقضت فيه مدة الأسابيع الخمسة المنصوص عليها في "إعلان الشاطئ"، ما يعني أن الحمد الله سيترأس حكومة لم يساهم في تشكيلها، وكيف بالتالي سيتحمل المسؤوليّة عن أعمالها، خصوصاً أنها مرشحة للاستمرار أكثر من ستة أشهر إذا لم تنفجر في وجهها أحد الألغام التي تعترض طريقها، التي تم الالتفاف عليها وتأجيلها من دون نزع فتائل الانفجار التي تحتويها؟!

إذا انتقلنا الآن إلى تأثير المصالحة وتشكيل الحكومة الوفاقيّة على المفاوضات والعلاقات الفلسطينيّة من جهة، والعلاقات الأمريكيّة والأوروبيّة و"الإسرائيليّة"؛ سنجد أن الموقف الأوروبي واضح، وهو أن أوروبا ستتعاطى مع الحكومة إذا التزمت بشروط الرباعيّة، وإذا لم يشارك فيها أي وزير من "حماس" أو من الفصائل المصنفة "إرهابيّة"، وهذه الشروط متوفرة .

أما الموقف الأمريكي فهو يضع الحكومة تحت الاختبار، وسيتعامل معها إذا ثبت عدم تأثير "حماس" عليها، وهذا أمر من الصعب توفيره، لأن المجلس التشريعي الذي من المفترض أن يراقب عمل الحكومة ويستطيع أن يحجب الثقة عنها أو عن وزير أو أكثر من وزرائها تحظى "حماس" فيه بالأغلبيّة، وبالتالي تحقيق الشرط الأمريكي يعني بالضرورة تجميد عمل المجلس التشريعي . أما الموقف "الإسرائيلي"، فهو انتهى إلى مقاطعة الحكومة وفرض العقوبات المتنوعة عليها، وخاصة وقف تحويل العائدات الجمركيّة التي تجمعها "إسرائيل" وتحولها إلى ميزانيّة السلطة وتبلغ أكثر من 100 مليون دولار شهرياً .

هذا الموقف "الإسرائيلي" سيضع الحكومة في موقف صعب، لأن حكومة نتنياهو تريد إدامة الانقسام وتعميقه لأنه حقق لها فوائد كبيرة وأضعف الفلسطينيين بشكل غير مسبوق، وذلك بالرغم من أن المؤشرات حتى الآن تشير إلى أن المصالحة لم تغير الموقف الفلسطيني، لا إزاء الالتزام بشروط الرباعيّة الظالمة، ولا إزاء ما يسمى زوراً "عمليّة السلام" والمفاوضات مع "إسرائيل"، وبالتالي ستكون المصالحة تحت مظلة "اتفاق أوسلو" حنى الآن على الأقل، ويمكن أن تساهم بترويض "حماس" وجعلها أكثر اعتدالاً وتقترب من الوفاء بالشروط الأمريكيّة والأوروبيّة و"الإسرائيليّة" للحوار معها والاعتراف بها، أو يسهّل عمليّة تجاوزها إذا لم تلب المطلوب منها، لأن المطلوب منها تنازل جوهري مجاني من دون مقابل يناسبه، وإذا أقدمت عليه "حماس" ترتكب انتحاراً سياسياً، ومن الصعب أن تقوم بذلك بعد أن قامت "فتح" والقيادة الفلسطينيّة بتقديم كل التنازلات المطلوبة ولم تؤد إلى اعتراف "إسرائيل" بالحقوق الفلسطينيّة، وإنما إلى تعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان وتقطيع الأوصال والجدار والحصار والانقسام وتهميش القضيّة الفلسطينيّة .

ستبقى "إسرائيل" معارضة لأي مصالحة فلسطينيّة لأنها يمكن أن تقوي الموقف الفلسطيني، إن لم يكن فوراً فبعد حين، فهي تنزع الذرائع من "إسرائيل"، كما أنها يمكن أن تفتح الباب أمام اعتماد استراتيجيات فلسطينيّة جديدة بعد فشل الاستراتيجيات المعتمدة سابقاً، خصوصاً بعد فشل خيار المفاوضات الثنائيّة برعايّة أمريكيّة انفراديّة، وبعد التعنت "الإسرائيلي" المتزايد .

ما يساعد على الموقف الانتظاري الأمريكي أن المفاوضات في حالة سبات الآن، يتم فيها تقويم الموقف ودراسة البدائل التي يملكها كل طرف . فأوباما لم ييأس ولا وزير خارجيته بالرغم من فشله في تحقيق حلمه بالتوصل إلى "اتفاق سلام" أو حتى "اتفاق إطار" أو مجرد تمديد للمفاوضات .

فالإدارة الأمريكيّة حذرت من الخطوات الأحاديّة، وتراهن على أن الطرفين سيعودان إلى طاولة المفاوضات عندما يدركان خطورة استمرار الأمر الواقع الحالي من دون مفاوضات، ولا أمل في الحل، وعندما يعودان للتفاوض يمكن أن يكونا أكثر استعداداً لاتخاذ الخطوات المطلوبة للتوصل إلى اتفاق، أو إلى تقدم يمنع بروز خيارات وبدائل وأطراف أخرى تبدو مستعدة للعب أدوار في الخريطة الجديدة، التي يتم رسمها للمنطقة في ظل التغييرات العاصفة التي تشهدها ويشهدها العالم كله .

* باحث وكاتب فلسطيني
Hanimasri267@hotmail.com

___________________

* نقلًا عن جريدة "الخليج"

مشاركة: