الرئيسية » هاني المصري »   03 تموز 2019

| | |
مؤتمر مسارات الثامن - فلسفة المؤتمر وأهدافه
هاني المصري

في البداية، نرحبُ بالحضور الكريم، رجالًا ونساءً وشبابًا، الذين قَدِموا من مختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي 48، والذين جاؤوا إلينا في يوم عطلتهم وتحملوا عناء السفر تأكيدًا لأهمية المؤتمر.

يولي مركزُ مسارات اهتمامًا خاصًا ببرنامج المؤتمر السنوي، فمع أنَّ المركزَ ينظّمُ في العام عددًا من المؤتمرات وعشرات الندوات، وينتج ضعفَهم من الأوراق البحثية والمقالات، إلا أنه يعطي المؤتمر السنوي أهمية أكبر، إذ يختار في كل عام قضيةً أو قضايا عدة تكون محورَ الاهتمام في المؤتمر، وتكونُ ذاتَ صلةٍ بالهم الدائم الذي يحرِّكُ المركز، وهو السعيُ والبحثُ الدائمُ للإجابةِ على ثلاثة أسئلة:

أين تقفُ القضيةُ الفلسطينيةُ؟ أي ما نقاطُ القوةِ والضعفِ، والفرصُ والتحديات.
إلى أين يريدُ الشعبُ الفلسطينيُ أن يصل؟ أي ما الرؤيةُ والأهدافُ والمشروعُ الوطنيُ الجاري العملَ على تحقيقه.
وكيف يمكن أن يصل إلى ما يريد؟ أي ما أشكالُ العملِ والنضالِ والخططُ والإستراتيجياتُ الكفيلة بتحقيق ما نصبو إليه.

ما يعطي هذه الأسئلةِ والجوابَ عليها أولويةً وأهميةً فائقة، أنَّ القضيةَ الفلسطينيةَ تمرُّ بمنعطفٍ تاريخيٍ خطير، إما أن تنهضَ بعده كما حصل حتى الآن، حيث ينهضُ طائرُ الفينيق الفلسطيني من الرماد ويحلقُ من جديد، وإما أن تشهدَ نكبةً جديدةً، أو الأصحُ استمرارُ النكبةِ التي لم تتوقف يومًا واحدًا.

نحن أمام نهايةِ مرحلة يبدو فيها القديمُ في حالة انتظار حائرًا بين ما كان وما يجب أن يكون، ما جعله عاجزًا عن التحرك إلى الأمام، والجديدُ الذي لم يولد بعد رغم تزايدِ الحاجةِ لولادته، وعلينا جميعًا العمل من أسفل لأعلى ومن أعلى لأسفل، وأن نتحرك لتوفير مستلزماتِ الصمود وحمايةِ القضية على طريق تحقيق النصر العظيم قبل فوات الأوان، مع الثقة العميقة بأنَّ أيَ خسارةٍ أو هزيمةٍ لن تكونَ سوى لحظةً عابرةً في التاريخ، ولا تعني نهايةَ الصراعِ ولا نهايةَ نضالِ الشعب الفلسطيني من أجل تجسيد حقوقه وأهدافه.

وهناك من العوامل والأسباب ما تشير إلى أن النصرَ ممكنٌ، إن لم نقلْ حتميًا، إلا أنّ الثقة بالمستقبل لا تمنع من القول إنّ الوقتَ من دَمٍ وحقوقٍ وأرضٍ ومعاناة، والتاريخُ والشعبُ لا يرحمان.

يشعرُ الفلسطينيونَ اليومَ أنَّ لحظةَ الحسمِ تقتربُ، من خلال ما نشاهدُه من سباقٍ مع الزمن يظهرُ في الخطةِ الأميركيةِ الإسرائيليةِ التي تستهدفُ تصفية القضيةَ الفلسطينيةَ من مختلفِ أبعادها، وهي جسدت شراكةً كاملةً مستندةً إلى التحالفِ ما بين اليمينِ الأميركي واليمينِ الإسرائيلي، التي تسمى زورًا "صفقةَ القرن"، وما هي كذلك.

وتستهدف هذه الخطةُ استكمالَ تحقيقِ أهدافِ الحركة الصهيونية التي لم تستكمل حتى الآن، عبر محاولاتِ تصفية القضية الفلسطينية، بتحويلها من قضيةِ تحررٍ وطني ديمقراطي إلى قضيةٍ إنسانيةٍ، وإقامة "إسرائيل الكبرى".

ويتجلى ذلك في سياسات تعميقِ الاحتلال والاستعمار الاستيطاني؛ وتهويدِ القدس وأسرلتِها؛ والحصارِ الخانقِ على قطاع غزة؛ والضمِ الزاحفِ والتطهيرِ العرقي العنصري، كما يظهرُ في إقرارِ "قانونِ القومية"، الذي يؤسسُ لمرحلةٍ جديدةٍ أصبحت فيها العنصريةُ دستورًا في إسرائيل؛ والضمِ الزاحف الذي يحثُ الخطى ليصبحَ ضمًا قانونيًا رغم الأهوال والحروب والمؤامرات والمجازر والدمار الذي تعرّضَ لها الشعب الفلسطيني، ورغم ذلك بقيت القضيةُ الفلسطينية حيةً، وبقي حوالي سبعة ملايين فلسطيني على أرض وطنهم، وتمسكَ من يعيشُ في أماكن اللجوء والشتات بحقوقهم، وعلى رأسها حقُ العودة للاجئين الذين شردوا من ديارهم وممتلكاتهم وعانوا الأمرين طوال أكثر من 71 عامًا.

الحضور الكريم

يسعى المؤتمرُ لتحديدِ الاتجاهات المستقبليةِ لكل من المخاطر والتحديات التي يواجهها الشعبُ الفلسطينيُ وأرضُه وقضيتُه الوطنيةُ على المدى المباشر، واقتراح السياسات والخيارات والبدائل المتاحة وسياساتِ التدخل المطلوبة للتأثير على هذه المسارات لدرءِ المخاطرِ، وتحويلِ التحديات إلى فرص تدعمُ تحقيقَ الخيارات الفلسطينية المفضلة.

حاولنا بجدية توظيفَ تقنيات الدراسات المستقبلية كمنهجية علميةٍ لدراسة مختلف المسارات عند إعداد الأوراق البحثية التي سيعرضها المشاركون، وفتحنا الحوارَ حولها قبل وأثناء عقد هذا المؤتمر، وسنستمر بتلقي الملاحظات والتعديلات إلى ما بعد عقد هذا المؤتمر، لذلك حددت الورقةُ المفاهيميةُ للمؤتمر أربعةَ سيناريوهات، واقترحت على معدي الأوراق دراستها خلال السنوات القليلة القادمة، مع تعزيز التحليل بمؤشرات علمية، وبالاستناد إلى الخبرة والحدس والقدرة على التخيل، وعدم استبعاد دراسة كل السيناريوهات التي تبدو مستحيلةَ التحقق، على أساس أنَّ الدراساتَ المستقبليةَ لا يمكن أن تخرج بنتائج يقينيّة، وإنما تستقرِئُ المستقبلَ بكل احتمالاته، وتدعو إلى الاستعداد لكل السيناريوهات، والتحلي بالمرونة اللازمة للانتقال من سيناريو إلى سيناريو آخر.

وهذه السيناريوهات هي:

السيناريو الأول: بقاء الوضع الراهن، وهو غير مرجح في ضوء المتغيرات المحلية والإسرائيلية والعربية والإقليمية والدولية.

السيناريو الثاني: العودة إلى أوهام إمكانية تحقيق التسوية، وهو سيناريو مستبعد، لأن الظروف والعوامل التي أدت إلى تقدم هذا السيناريو بالماضي، إمّا أنَّها تغيّرت بالكامل، أو في طريقها للتغير.

السيناريو الثالث: فرض حلول أحادية بالقوة، وفرضُ الحقائق على الأرض، وهو سيناريو محتمل، بل بدأَ فعليًا بالتطبيق، مع أهمية التعامل معه ليس كقدر لا رادَّ له، بل هناك إمكانيةٌ لدحره، وهذا يقودنا إلى السيناريو الأخير.

سيناريو الخلاص الوطني، وهو السيناريو المفضل وبمقدورنا أن نجعله ممكنًا، وذلك بالاستناد إلى عناصر القوة والضعف التي نمتلكها ويمتلكها العدو، والتحديات والفرص لدى أطراف الصراع، ويستمدُ قوتَه من عدالة والقضية الفلسطينية، وتفوقِها الأخلاقي، وأبعادِها العربيةِ والإسلاميةِ والعالمية، ومن تمسكِ الشعب الفلسطيني وإصرارِه على إبقاء قضيته حيةً، واستعدادِه لمواصلةِ الكفاحِ من أجل تحقيقها وانتصارها مهما طال الزمن وغلت التضحيات، كما تدل وقائعُ وخبرةُ أكثرَ من مائة عام من الصراع.

******

ما يميزُ مؤتمر مسارات هذا العام أنّه وفّرَ مِنصَّةً للشباب، إذ شارك الشباب في إعداد الأوراق حول مختلف محاور المؤتمر وفي تقديم المداخلات الرئيسيّة، وهذا الأمر أصبح ممكنًا بعد أن أولى المركز اهتمامًا خاصًا بالشباب بوصفهم أصحابَ الطاقةِ والكفاءةِ والإبداعِ وأملَ المستقبل، فقد شارك في إعداد وإصدار الأبحاث السياساتية والأوراق الصادرة عن مركز مسارات منذ تأسيسه في العام 2011 أكثر من 150 شابًا، كما خرج المركز أربعة دفعات (90 خريجًا وخريجة) من برنامج التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات، ويستعدُ لتخريج الدفعة الخامسة في الشهر القادم. حيث شارك في هذا البرنامج منذ إطلاقِه في العام 2015، 120 شابًا وشابةً، حصلوا على مهاراتٍ ومعرفة، وأنتج كلُ واحد منهم ورقةَ تقدير موقف، وأنتجوا عبر مجموعات أوراقَ تحليل سياسات وأوراقَ حقائق، وكلهم أعضاءٌ طبيعيون في منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات، الذي يشرف عليه مركز مسارات، والذي يواصل العلاقة ما بين الشباب الخريجين ببعضهم البعض وبالمركز، كما يتيح لهم الفرصة لإنتاج أوراق بحثية مدفوعة الأجر أسوة بالكتاب والباحثين المحترفين.

في الختام، أقدم التحية لرعاة المؤتمر: الدكتور نبيل القدومي، الدكتور محمد المسروجي، الدكتور عبد المالك جابر، بنك القدس، صندوق الاستثمار، مؤسسة منيب رشيد المصري، مؤسسة الناشر، الراعي الإعلامي شبكة وطن الإعلامية.

كما أتقدم بجزيل الشكر لمعدي الأوراق والمتحدثين ومديري الجلسات وطاقم مسارات في الضفة الغربية وغزة، الذي يقوم بعمل يستحق التقدير رغم قلة العدد والإمكانيات الشحيحة، ولمحمود البربار الذي أطلق حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكل من ساهم في إرسال الملاحظات والاقتراحات، آملين بحوار غني أثناء جلسات المؤتمر، هذا مع العلم أنّ الباب ما زال مفتوحًا لإثراء الأوراق بتقديم المقترحات والملاحظات حتى أسبوعين بعد انتهاء المؤتمر.

واسمحوا لي أن أتذكر الأخَ الكبيرَ الراحلَ عبد المحسن القطان، مؤسس المركز وداعمه الأكبر، الذي فقدانه خسارة كبيرة، فهو كان دائمًا يردد أريد منكم شيئًا واحدًا: إقامة مركزٍ محترم، ولا تخافوا من نقص التمويل، فحاولوا أن تحصلوا على كل ما تستطيعون الحصول عليه، وأي عجز في الموازنة سأقوم بتسديده. ونحن الآن نواصل العمل والتقدم، لكننا لا نتمتعُ بالأمان الذي كان يوفره للمركز، فألف رحمة على روح أبو هاني، وعهدًا أن يبقى المركز محترمًا كما أراد، وأن يواصل العمل لتحقيق رؤيته ورسالته وأهدافه.

 

مشاركة: