الرئيسية » رائف زريق »   26 أيلول 2019

| | |
القائمة المشتركة والانفجار الكبير
رائف زريق

منذ البداية كان هناك خطران يهددان القائمة المشتركة وعملها، وكلاهما مستمد من نظريات في  عالم الفيزياء ( وكنت قد كتبت عنهما مع تأسيس القائمة): الأول خطر " الثقب الاسود" وأما الثاني فهو خطر البيغ بانغ أو " الانفجار الكبير". الخطر الأول هو أن تختفي الخلافات والنقاشات والسجالات الفكرية والاجتهادات السياسية  الحيوية كما يختفي الضوء في الثقب الأسود ويسود الظلام. أما الخوف الثاني فهو خوف " الانفجار الكبير" غير المضبوط والذي لا قانون له ولا يمكن ضبطه ولا التنبؤ بنتائجه ولا توقيته ولا تبعاته. في الحالة الاولى تماثل تام لدرجة يغيب فيها الاختلاف، وفِي الحالة الثانية يسود خلاف على كل شيء علما أنه لا توجد أي قواعد تضبط قوانين اللعبة السياسية. كما هو متوقع فقد حصل الأمران : الثقب الأسود والانفجار الكبير معا، أي أنه لم تنتج أي آلية من أي نوع كان تتيح الاختلاف من ناحية وتضبطه من ناحيه أخرى، أي أنه لم تتولد آلية لتصريف الخلافات ،وبدون هذا الحد الأدنى من المرجعية ومن قوانين اللعبة فلا الاتفاق اتفاق ولا الاختلاف اختلاف وبدونها فإن ما يبدو اتفاقا فهو كثيرا ما لا يكون  سوى نفاقا والاختلاف ما هو إلا شجارا.  فلنعترف : لم تنجح المشتركة خلال أربع سنوات من الارتقاء في بنية عملها وتطويرها. كثرت الأسباب وتعددت وبعضها شخصي وبعضها بنيوي وبعضها يخص القائمة وشخوصها وبعضها غير متعلق بهم إنما  شخوص خارجها لم يرغبوا ولَم يتمنوا نجاحها. المشتركة تعاني مثل أختها الكبرى "لجنه المتابعة" من نفس نوعية الأمراض والأعراض الجينية، جسم هش وهلامي ، لا بنية له ولا ميثاق، يكثر فيها الارتجال ويغيب المبنى، لأسباب مبررة في كثير من الحالات وغير مبرره في بعضها.
من الأمور التي كانت بمثابة قنبلة موقوتة هي قضية مفتاح ترتيب القائمة هذه المرة : هل يجب العودة على المفتاح السابق ونفس التركيبة؟ لماذا؟ ألا يجب أن تكون هناك حوافز للأحزاب التي تعمل وتخدم جمهورها؟ ألا يجب أن تكون هناك  طريقة تجيز التنافس بين مركبات القائمة المشتركة ؟ أليس من الممكن أن يكون هذا التنافس - إذا جرى ضبطه بقواعد- أن يكون حيويا وضروريا لعافية الأحزاب نفسها ولتجديد صفوفها وتوسيعها وتطوير أفكارها ؟وعليه إذا شئنا أن يبقى المبنى الحزبي قائما وإذا أردنا تطوير التنافس والنقاش بين الأحزاب من الضروري تطوير آلية تجيز التنافس.
شكل من أشكال الانتحار السياسي
عليه، هناك بعض المنطق في حديث الطيبي عن ضرورة إيجاد مفتاح أو طريقة إجرائية تعكس موازين القوى داخل المشتركة وتتيح التنافس والتجدد. لكن هناك عدة إشكالات في طرح الطيبي :  بعض هذه الإشكالات يتمحور في أن  موضوع مفتاح تركيبة القائمة ما هو إلا موضوع واحد ووحيد من بين رزمة واسعة من المواضيع والترتيبات تنظيميا وسياسيا داخل القائمة وهو ليس الموضوع الوحيد وقد لا يكون الأهم. بيد أن المخرج المقترح من قبل الطيبي لموضوع المفتاح لتدريج القائمة قد يكون احد أشكال الانتحار السياسي والوطني للفلسطينيين في الداخل. في الواقع يريد الطيبي تحويل المشتركة وبنيتها ومنطقها وهندستها على شاكلة الحركة العربية للتغيير التي لا شيء يتغير فيها على الإطلاق سوى تحالفاتها ( الجبهة ، التجمع، ، الإسلامية) التي تضمن لرئيسها عضويه دائمة إلى ما شاء الله في الكنيست، والتي تسير بدون أي بنية تنظيمية، إن حضرت فهي تحضر لتخدم رئيس الحركة  لا ليخدمها وكي يضبطها لا كي تضبطه وترشده( وهو ليس القائد العربي الأول عندنا في هذا السياق)، والسياسة ضمن هذا المنطق تنحصر بالأساس في الكنيست أولا وفِي الإعلام ثانيا ولا شيء يتجاوز ذلك إطلاقا.
برلمان بدون ميدان
 ويتحول عضو الكنيست لنجم إعلامي ( لا باس في ذلك بحد ذاته) دون أي قدرة أو رغبة في قيادة أي رأي عام فاعل أو صناعة موازين القوى أو أي تحشيد حقيقي كان. هنا تصبح السياسة أشبه ببرنامج  "ذي فويس" ويصبح القائد أشبه بنجم التمثيل أو الغناء، ويتحول التمثيل من معناه السياسي - الهادف أساسا لاستحضار الجمهور وغياب الممثل- إلى التمثيل بمعناه الهوليوودي حيث تملأ صورة الممثل الشاشة ولا شيء خارج الشاشة.إن الحديث عن إرادة الشعب و" خلي الشعب يقرر " هو أمر يحتاج أولا لمؤسسات وهيئات وطرق اتخاذ قرار، والقبول بقواعد لعبة معينة لا تتساوق مع النجومية في الكثير من الأحيان. هناك فرق بين الجمهور السياسي والمشاركة السياسية الفاعلة، من ناحية، وبين جمهور المعجبين الذي يعبر في اللايكات عن افتتانه بحذاقة هذا المرشح أو ذاك( والطيبي حاذق من غير شك).
هكذا تموت السياسة
كما أن الاستفتاء الوهمي واستطلاعات الرأي تقوم على تفاهم يلغي التعاقد بين المواطن وبين المرشح. يعبر  المواطن لمرة واحدة  عن إعجابه بالممثل ويفك التعاقد معه، فلا يطلب الممثل من المواطن أي مشاركة في عالم السياسة، وبالمقابل لا يحاسب المواطن الممثل السياسي على أعماله ولا يراجعه ويمضي في حياته كما كانت، وتختزل السياسة في لحظه التعبير عن الإعجاب أو الغصب أو الانتقام من شخص الممثل. والاستفتاءات- وإن كانت أداة ديموقراطية-  لكنها الأداة المفضلة  بالأمس واليوم للأنظمة الشمولية والفاشية والشعبوية  من إيطاليا الفاشية الى  ليبيا الجماهيرية. الاستفتاء بدون الهيئات والمؤسسات والأحزاب والصحافة لا تنتج شعوبا إنما جمهور من المصفقين في أحسن الأحوال. الطيبي ينجح في عالم السياسة بعد أن جرى إجهاض السياسة من أي مضمون نبيل ومقاوم ومحرك ومنتج ثقافيا وفكريا. إن الاستفتاء ليس دمقرطة إذا لم تسبقه عملية ماسسة واضحة وهيكلية تنظيمية وبنية تتيح المشاركة والمسائلة. إن أي استفتاء صوري كالاستفتاء المقترح يجهز على ما تبقى من بنية مؤسساتية حزبية ولا يبقى  في الساحة سوى "النجم" وكلما زادت نجوميته زاد اعتقاده انه " يوسف" . هذه ليست دمقرطة انما موت للسياسة. حتى وإن كانت هذه الظاهرة النجومية عالمية إلا أنه ما يصح في فرنسا المستقلة والحرة ليس بالضرورة يلائم شعبا قضيته لا تزال مفتوحة. إلا أن مشكلة الأحزاب  في الفترة الاخيرة أنها لم تطرح أي بديل للعمل السياسي يتجاوز ما يقترحه الطيبي في عمله وهو قادر على إحراجها لأنها لم تكن قادرة هي على إحراجه هو. الجبهة تبكي على عصر المبنى الحزبي الذي ذهب لغير رجعة، والتجمع يحن لقائد ينافس نجومية الطيبي. ورغم كل ذلك تبقى هذه أحزاب مع هيئات ومؤسسات ومسيرة مستمرة حتى لو غاب قائدها، ( ذهب توفيق طوبي وتوفيق زياد ومحمد بركة وبقيت الجبهة، وذهب عزمي بشارة وجمال زحالقة وحنين زعبي وبقي التجمع وذهب الشيخ عبد الله نمر درويش وإبراهيم صرصور ومسعود غنايم ووووو وبقيت الحركة الإسلامية ...)ولها دور في صياغه وعينا وفهمنا للسياسة ودورنا وتاريخنا وروايتنا، أنشات وتنشأ الأجيال،وكذلك الأمر مع الحركه الاسلامية الجنوبية التي تشهد اجتهادات فكرية ليست بسيطة وذات أهميه كبيرة. لا توجد حركة عربية للتغيير حتى لو كان هناك لجنة مركزية ومكتب سياسي ، وسيكون لدي سبب لأصدق وجود حركة كهذه عندما يعلن الطيبي أنه لن يترشح للكنيست.
إمرأة حرة وصديق وفيّ
لم تستطع المشتركة - رغم بعض إنجازاتها الهامة- صياغة أي مبنى يطور عملها ويطرح أفقا جماعيا حقيقيا.  "خلي الشعب يقرر" ولتنهي المشتركة دورها هذه المرة ولتذهب قائمتان للكنيست ولنفترق صديقان:" لنذهب كما نحن، إمراة حرة وصديقا وفيا". لا بأس. لن ينهار الكون فوق رؤوسنا،وإذا كانت هناك أسباب كافية فكريا وسياسيا لوجود قائمة مشتركة لل انتخابات القادمة، لديكم أربع سنوات لترتيب الأوراق. سندعم  جهدكم ونؤازركم لترتيب قائمة مشتركة قادرة أن تعبر عن إرادة شعب، وإذا لم يكن من الممكن ترتيب الأوراق في هذه المدة فهذا يعني، أنها وإن كانت حاجة ضرورية موضوعيا، فإننا لا نستحقها حقيقة .. واعتقد أننا نستحقها إن تفوقنا على أنفسنا.

مشاركة: