الرئيسية » غانية ملحيس »   31 تشرين الأول 2019

| | |
بدعة حكومات التكنوقراط والمستقلين
غانية ملحيس

كثر الترويج في العقد الأخير بأن إسناد الحكم للمستقلين والتكنوقراط يشكل طريق الخلاص من المأزق الإستراتيجي الذي تعيشه غالبية بلادنا العربية، سواء منها تلك التي تحكمها أنظمة إثيقراطية ملكية أو جمهورية، أو تلك التي تحكمها ديمقراطية حزبية/انتخابية أو توافقية.

فهل حقًا أن أزماتنا البنيوية المتفجرة ناجمة عن غياب الأحزاب السياسية أو عن انفراد حزب وحيد بالحكم كما يرى البعض، أم أنها ناجمة عن كثرة الأحزاب وتعددها كما يرى البعض الآخر؟

وهل يمكن أن يكون طريق الخلاص في الحالتين النقيضين هو ذاته بإسناد السلطة إلى المستقلين والتكنوقراط؟

أليس من الملفت أننا لا نرى مثيلًا لهذه الدعوات في الدول المتقدمة على اختلاف نظمها، وخصوصًا في الدول الغربية التي تفتتن بها غالبية نخبنا ومثقفينا ويسعون لمحاكاة تجاربها.

ثم أليس من اللافت أن الديمقراطيات الغربية المرغوب محاكاتها تنعم بالتعددية الحزبية وتداول السلطة عبر آلية الانتخابات، فلماذا إذن تتحول الانتخابات في بلادنا - حتى منها الحرة التي تحوز على شهادة العالم بنزاهتها - إلى وسيلة لاستدعاء الأزمات؟

لماذا تقاطع غالبية شعوبنا التي تملأ الميادين والساحات الانتخابات، رغم أنها الفرصة الأقل كلفة لإحداث التغيير المبتغى؟

فإذا كانت الانتخابات آلية عاجزة عن التأسيس للتغيير في بلادنا، فلماذا تواظب النخب على الدعوة إليها للخلاص؟ فلسطين نموذجا.

ولماذا ينقض جمهور الناخبين بسرعة على قادة اختاروهم طوعًا، وما كان لهم أن يصلوا للحكم إلا بأصوات ناخبيهم؟ ولماذا يطالب البعض بتقديم موعد إجراء انتخابات لم يمض عليها سوى فترة وجيزة؟ لبنان نموذجًا.

وهل يمكن المراهنة على قدرة النخب المستقلة والتكنوقراط في إحداث تغيير جدي يستجيب لحاجات الشعوب، مقارنة بالأحزاب التي تستند إلى قواعد تنظيمية وحزبية قوية، مهما امتلكوا كأفراد من كفاءة، خصوصًا في ضوء افتقارهم إلى مرجعيات مؤسسية إشرافية ورقابية راسخة توجه عملهم، وتسائلهم داخليًا عن الأداء.

يزداد التعقيد في الحالتين الفلسطينية واللبنانية ذات الخصوصيات البنيوية المركبة، التي يتداخل فيها الإرث الاستعماري والتقاليد والقيم الراسخة القبلية والعشائرية والجهوية والدينيّة والطائفية والمذهبية، مع القيم الثورية المستحدثة بفعل الصراع مع المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني التوسعي المتواصل منذ منتصف القرن الماضي، التي حققت بعض الاختراقات المهمة خلال مراحل الصراع، وأسهمت في تقويض البنى التقليدية وإضعاف مرتكزاتها، إلا أنها عجزت، رغم تنامي قوتها بفعل تعاظم مقاومتها، عن التجذر وإبراز حيوية حاسمة في الحلول محلها. فتعايش القديم مع الجديد، واتسمت علاقاتهما بتوترات تنفجر حينًا وتهدأ حينًا آخر وفقًا لتطورات الصراع مع العدو الصهيوني وتداعياته المحلية وتشابكاته الإقليمية والدولية.

وتلافيًا لإصدار الأحكام على طروحات باتت رائجة في الساحتين الفلسطينية واللبنانية حول ماهية وحدود الدور الذي يمكن أن يلعبه المستقلون والتكنوقراط في الخلاص من المأزق المتفجر فيهما، من المهم تعريف مصطلحي "المستقلون والتكنوقراط".

 فمصطلح "المستقلون"، وعلى الرغم مما قد تثيره محاولتي سبر غور مدلولات هذا المصطلح من حفيظة لدى البعض، وما قد تسببه من خصومات مع عديد الأصدقاء الذين أعتز بفكرهم وبإسهامهم النشط في الحوار، فإنني أثق بتفهمهم، عملًا بقاعدة نؤمن بها جميعًا بأن الاختلاف في الرأي لا يفسد الود، بل ينميه ويثري الفكر ويصقل الوعي ويطوره.

فالمفهوم اللغوي للمستقل، يقربه من الحياد إزاء صراع الأهداف والمناهج المتباينة للقوى السياسية الرئيسة، ما يعزله عن الفعل المؤثر، وإن أكسب أصحابه مصداقية وقبول ومحبة واحترام مختلف الأطراف، لابتعاده عن دائرة الصراع التنافسي.

غير أن دور المستقلين لا يتنامى إلا في الأزمات، وخصوصًا في فترات احتدام الصراع على المناهج والمواقع بين القوى والتيارات المركزية المتوازنة القوة، فيقبلون بدور للمستقلين عندما يشتد التنافس بينها، ويسعون لاجتذابهم، ويعتقد كل منهم بوجود فرصة للعب دور خفي ويستظلون بالمستقلين، الذين لا يمثلون خطورة باعتبارهم أفرادًا أو حاصل جمع لأفراد يوحدهم هدف محدد أو موقف بِعينه، غير أنهم يفتقرون إلى وحدة الفكر والمصالح والبرنامج والقرار، ما يتعذر معه تحولهم إلى تيار شعبي منافس يمتلك قوة التّأثير.

وعادة ما يتم استدراجهم إلى شغل مواقع سياسية يتوافق عليها الفرقاء في الداخل والخارج، عند العجز عن حسم الصراع بينهم، ويتسابقون لتوفير الدعم لهم لتسهيل استيعابهم ولتوظيفه للضغط عليهم ما يضعهم أمام خيار الاستقطاب أو الإخفاق.

أما مصطلح "التكنوقراط" وترجمته الحرفية "المهنيون"، الذي يتم تداوله بكثافة كلما احتد الخلاف بين الفرقاء السياسيين للتباين في الرؤى والمناهج، فغالبًا ما تتعالى الدعوات في المآزق الوطنية لتشكيل حكومة تكنوقراط، وعادة ما يطلقها الخارج عندما يتعذر عليه إيصال القوى التي تتوافق مع سياساته وأهدافه إلى مراكز صنع القرار. وهدفه الرئيس إضعاف الحكم، بتجريد أصحابه من الفعل السياسي الهادف. مفترضين التناقض والتصادم حكمًا بين السياسة والمهنية، ومروجين للتطابق بين الموضوعية والحِياد، وهو أمر شديد الخطورةـ خصوصًا في البلدان التي ما تزال تعاني من ثقل الإرث الاستعماري، حيث يتطلب تكريس الاستقلال خيارات سياسية لا تكتفي بخروج المستعمر الأجنبي، وإنما بتصفية إرثه الاستعماري لمنع عودته بأشكال أخرى.

والأمر أشد خطورة في البلدان التي ما تزال تناضل لإنهاء الاحتلال كفلسطين، أو التي ما تزال تواجه خطر عدو أجنبي ذي أطماع استعمارية توسعية كلبنان. فحاجتهما لقيادات سياسية تلتزم بمشروع تحرري ونهضوي، لا يقلل من احتياجهما للاستعانة بخبرات فنية متطورة تمكنهما من توظيف المعرفة العلمية والتقنية لبلوغ الاستقلال وتكريسه بالسرعة القصوى والكلفة الدنيا.

لكن الفنيين، على أهميتهم، لا يستطيعون الحلول محل السياسيين في إنجاز وتكريس الاستقلال الوطني، فالحرية حق أساسي للشعوب وبلوغها هدف مشروع وواجب نضالي بمعزل عن المهنية، والسياسة بوصلة موجهة لتحقيق الاستقلال وتكريسه، دون التقليل من أهمية الكفاءة المهنية في تقليص كلفة وسرعة بلوغه.

ولتسهيل فهم حساسية مصطلح "التكنوقراط"، وحدود الدور الذي يمكن أن يضطلعوا به في الحالتين الفلسطينية واللبنانية، ينبغي التنبيه إلى أن الاستنتاجات التي قد يتوصل إليها الفنيون غير المسيسين، بناء على معايير علمية وأدوات قياس موضوعية، قد تحقق عكس المراد منها عند عدم الاسترشاد ببوصلة سياسية ترتبط بالتحرر والاستقلال والسيادة.

فالإدارة الاقتصادية التي تستهدف تحقيق النمو مثلًا، قد تلعب دورًا سلبيًا عندما لا ترتبط برؤية سياسية تستهدف توسيع قاعدة الاقتصاد الوطني وزيادة ترابطاته الأمامية والخلفية، وتعزيز الاعتماد على الذات ما أمكن في تكوين الدخل، وفي خلق فرص العمل لمواكبة النمو في اليد العاملة والحد من الهجرة للخارج. وحل مشكلة البطالة عبر استخدام آلية التوظيف الحكومي بمعزل عن الحاجة الوظيفية يؤدي إلى التضخم، ويحد من الكفاءة، ويكبد الاقتصاد الوطني الصغير بأعباء تفوق طاقته على تحملها. وتنشيط التجارة الذي يغفل أهمية الترابط بين معدلات نمو الواردات ومعدلات نمو الصادرات يؤدي إلى تفاقم العجز التجاري، والإفراط في الاعتماد على القروض لتمويل الإنفاق يفاقم عجز الموازنة، ويستنفذ الموارد لسداد الدين وتامين خدمته، علاوة عن تسببه في زيادة الانكشاف للخارج وإضعاف المناعة الوطنية.

والشواهد كثيرة على تسبب الفنيين غير المسيسين بفك الارتباط بين مصالح المواطنين ومصلحة الوطن، عندما تبنوا برامج أسفرت نتائجها عن تلازم ظاهرة الإثراء الفردي والإفقار الوطني والإدارة المالية التي ترتكز على الجباية الضريبية المنفصلة عن الخدمات، والإدارة الاجتماعية التي تغفل مستلزمات تحقيق الاستقرار المجتمعي وتنحاز للقلة المتنفذة. 

هذه أمثلة لسلوكيات تبدو في ظاهرها فنية وتقنية، لكنها أسست لنتائج كارثية بسبب عزلها عن سياقِها السياسي المرتبط بالتحرير وتكريس الاستقلال والتنمية المستدامة.

وقد عرفت فلسطين ولبنان ومختلف الدول العربية نماذج عديدة لأكاديميين ومهنيين بارزين ومتفوقين مهنيًا، شغلوا مواقع قيادية وأخفقوا حتى في الحفاظ على المكتسبات الموروثة.

وبالمقابل، تولى سياسيون الحكم في بلاد متخلفة مزقتها الحروب وتفتقر إلى الموارد لكنهم امتلكوا رؤى وطنية نهضوية، وأهدافًا واضحة، وبرامج عمل مجدولة زمنية. واستعانوا بالكفاءات المهنية وحققوا المعجزات.

مشاركة: