الرئيسية » غانية ملحيس »  

| | |
عودة إلى الحوار بشأن الدعوات المتنامية لحكم التكنوقراط والمستقلين
غانية ملحيس

وردتني ملاحظات من بعض الأصدقاء حول المقال المعنون "بدعة حكومات التكنوقراط والمستقلين"، وسأحضر المناقشة فيما أعتقد بضرورته لحفز الحوار وإثرائه .

علق الصديق سمير حليلة على المقال بالقول "من غير المناسب تحليل ظاهرة المستقلين والتكنوقراط كخيار ينادي به الناس عندما تتكرر حالات الفشل لكل الأحزاب في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وهي القطاعات المتعلقه بحياة الناس على المدى المباشر. المفاضلة هي ليست ان المستقل هو غير وطني او غير مدرك للأهداف الوطنية بينما الحزبي كذلك ..! في وطن كفلسطين، وتحت احتلال طويل وسلطة أقيمت تحت الاحتلال لمدة طويلة .. تغيب هذه الفوارق بشكل كبير لدرجة ان إطلاق صفة الوطني على الحزبي مسألة تحتاج لإثبات بل وإلى دلائل. ومن الواضح ان هشاشة العمق الفكري لاحزابنا الفلسطينية (وليس السياسي) هو الذي أدى لغياب كوادر حزبية مختصة تملك رؤية في الموضوع الاقتصادي والاجتماعي او ضعفها في أحسن الأحوال".

وعلق الصديق أكرم عجلة بالقول "وانت الأستاذة والتي تتابع نبض الشارع الفلسطيني. آخر الاستطلاعات تشير أن فقط ما يقارب 15% من شعبنا يؤمنون بمنظمة التحرير و يثقون في حماس والجهاد. هناك أجيال على مدى 30 عام الأخيرة تعيش حالة الضياع بسبب فشل أحزاب المتظمة و الأحزاب الإسلامية في قيادة المشروع الوطني. وكما أسلف د. سمير: وهل المستقلين والتكنوقراط ليس بوطنيين وحريصون على الوطن؟

لفتني استخلاص الصديقين،الذين اكن لهما كل التقدير، من مقالتي، ما فهم أنه مقارنة بين وطنية التكنوقراط والمستقلين بنزع الصفة عنهم، وبين الحزبيين باضفاىها عليهم . رغم يقيني بان لا احدا كاىنا من كان يملك الحق في إصدار الأحكام على احد . غير انه ربما لم يسعفني التعبير في المقال، رغم حرصي واجتهادي في توضيح مقصدي. فارتأيت التوضيح.

لنتفق أولا أن فشل الأحزاب والتنظيمات والفصائل الفلسطينية خصوصا، والعربية عموما، له علاقة بسياساتها / الخاطئة او الغائبة / وممارساتها، ولا يعود إلى انعدام صلاحية الآليات المؤسسية وأطر العمل الجماعي التي اثبتت نجاعتها في غالبية البلدان، ولا اعتقدك تختلف معي في تفوق الأحزاب والتنظيمات والمؤسسات على الأفراد أيا كانت كفاءاتهم، سواء من حيث القدرة او التأثير او المناعة في مواجهة الضغوط، او القابلية للاستيعاب .

ولنتفق ثانيا بان المؤسسات الرسمية والأهلية التي قادها التكنوقراط في بلادنا لم تسجل فارقا نوعيا في الاداء رغم كفاءة العاملين بها قياسا بمؤهلات السياسيين، سواء على صعيد الديموقراطية او تداول المسؤولية او الشفافية والمساءلة والمحاسبة اتجاه شعبها، رغم التزامها بالمعايير التي يفرضها المانحون الأجانب بما يتوافق مع سياساتهم وأولوياتهم .

ولنتفق ثالثا بأن فشل الأحزاب والتنظيمات والفصائل في بلادنا العربية عموما، وفلسطين ولبنان خصوصا، يعود اساسا إلى أسباب بنيوية يمليها التمسك بنظام المحاصصة الموروث عن حقبة الاستعمار، بأطيافه القبلية والعشائرية والجهوية والإثنية والطائفية والمذهبية والحزبية والفصايلية، وغياب الديمقراطية داخل الاطر، واستىىثار قادتها بالقرار، وغياب الوعي المعرفي عند اتخاذه، والانفصال وغياب التفاعل الضروري بين السياسيين والفنيين عند بلورة السياسات واتخاذ القرارات .

واستجابة لطلب الاستدلال على مبررات التشكيك بجدوى الدعوات لحكم التكنوقراط والمستقلين للخروج من المازق المتتابعة، رأيت وجوب الاسترشاد بدلالات التجربة الفلسطينية التي واكبها الكثيرون، وعايشها الصديق سمير عن قرب.

فانفصال مسار التفاوض السياسي في أوسلو عن مسار التفاوض الاقتصادي في باريس والتوازي بينهما، اذ قاد المسار الاول فريق سياسي يسعى إلى تحقيق الانفصال السياسي عن إسرائيل عبر مرحلتين: انتقالية يفترض ان تؤسس لإنهاء الاحتلال؛ ونهائية يفترض ان تقود إلى الاستقلال، دون ان يمتلك الوعي المعرفي بتفاصيل العلاقات والتشابكات التي أنشأها الاحتلال خلال عقود الاحتلال الثلاثة، ودون ان يدرك مستلزمات تحقيق الانفكاك عن إسرائيل، واسفر عن توقيع اتفاق اعلان المبادئ حول الحكم الذاتي الانتقالي.

أما المسار الثاني الاقتصادي، فقد قاده فريق خبراء احتكم إلى مبدأ تعظيم العوايد الاقتصادية عبر تنظيم التعاون مع إسرائيل في التجارة والجمارك والعمل والعملة والنظام الضريبي والجباية والمياه والبيئة والمناطق الصناعية الحدودية الخ.... واسفر عن توقيع بروتوكول التعاون الاقتصادي الذي تم تضمينه بعد توقيعه للاتفاق السياسي وبات جزءا مكملا للاتفاق الشامل حول المرحلة الانتقالية .

وأعتقد أن الجميع. بات يدرك تداعيات الفصل بين السياسة والاقتصاد الذي نظر له عدد كبير من الأكاديمين والخبراء الفلسطينيين، وانعكاساته التدميرية على المشهدين السياسي والاقتصادي الفلسطيني، فباتا اكثر هشاشة وأعمق ارتهانا للكيان الصهيوني، وكل مؤشرات الأداء السياسي والاقتصادي تدلل على تراجع القدرة الذاتية الفلسطينية وانهيار المناعة المجتمعية وارتفاع درجة الانكشاف السياسي والاقتصادي الفلسطيني للكيان الصهيوني ولداعميه وتنامي ابتعاد الشعب الفلسطيني عن بلوغ أهدافه وحقوقه.

أخلص من ذلك إلى إعادة التأكيد على ان السياسية هي البوصلة الموجهة، وبغيابها يتوه التكنوقراط. وأن السياسيين لا يفترض بهم ان يكونوا خبراء فنيين، وإنما عليهم ان يمتلكوا روية واضحة للمستقبل الذي يسعى الشعب لبلوغه، ويترجموها إلى أهداف محددة قابلة للقياس، ووعيا بمستلزمات تحقيقها بالسرعة القصوى والكلفة الدنيا، وخارطة طريق بالأولويات، وبرامج زمنية معلومة للتنفيذ التدريجي الذي تتراكم مفاعيله عبر المراحل، وتوفر الموجبات الضرورية للإنجاز.

فيما يتعين على التكنوقراط، توظيف معارفهم العلمية والفنية المتخصصة، لاستشراف بدائل السياسات والمناهج والتأشير باختيار البديل الأكثر فاعلية سرعة وكلفة، وعليهم ايضا القيام بمتابعة اداء السياسيين وتوعية الشعب عبر نشر المعلومات وتعميم المعرفة بنتائج تقييم السياسات والاداء، وتبصيره بالخيارات الواجبة للتقويم.

وأن النجاح رهن بتكامل الأدوار بين السياسيين والفنيين، لا بتبادل المواقع بينهما .وعليه فان فشل حكم الأحزاب والتنظيمات والفصائل الفلسطينية لا يفترض ان يقودنا إلى استدعاء الخبراء والفنيين للحلول مكانهم، بل بتفعيل دورهم الخدمي والتنويري ببدائل السياسات لترشيد القدرة على اتخاذ القرار، وفي تقييم وتقويم الأداء.

مشاركة: