الرئيسية » غانية ملحيس »   03 شباط 2020

| | |
وفاء واستحضار لرواد السينما الفلسطينية
غانية ملحيس

كتاب "فرسان السينما، سيرة وحدة أفلام فلسطين"، للسيدة خديجة حباشنة، الصادر في الذكرى الخمسين لأول فيلم ثوري فلسطيني جديرة بالقراءة والاحتفاء.

فهو الأول الذي يوثق لتجربة مجموعة طليعية سينمائية ثورية رافقت بدايات حركة التحرر الوطني الفلسطيني المعاصرة. وهو جهد توثيقي بالغ الأهمية لحفظ الذاكرة الفلسطينية حول مرحلة تاريخية مفصلية، شكلت بداية للنهوض الوطني الفلسطيني، بعد نجاح المشروع الاستعماري الاستيطاني الغربي في إقامة الكيان الصهيوني فوق معظم أرض الوطن الفلسطيني واقتلاع غالبية ابناء الشعب الفلسطيني من ديارهم وتشتيتهم في المنافي، وأسست بذلك البداية لاستعادة فلسطين لموقعها على الخريطة الدولية في أعقاب تواطؤ الكون على تغييبها جغرافيا وسياسيا، بداية بالسماح بإنشاء كيان استعماري غربي استيطاني في وطن الشعب العربي الفلسطيني، والامتناع عن تنفيذ الشق الثاني من القرار الدولي رقم 181 بتقسيم فلسطين رغم إجحافه بالحقوق الوطنية والتاريخية، والسماح بتوسع الكيان الصهيوني خارج الجزء المخصص له في القرار، ثم منع إقامة دولة فلسطينية في الأجزاء الفلسطينية التي بقيت خارج الاحتلال الصهيوني بعد توقيع اتفاقات الهدنة وإلحاقها بالأقطار العربية المجاورة، والصمت المتواصل عن استكمال احتلالها مع أراض عربية أخرى في عدوان حزيران 1967.

يوثّق الكتاب لعمل مجموعة طليعية من الشباب الفلسطيني والعربي المنتمي، الذين اكتووا بنار الهزائم المتلاحقة للامة العربية، والواعين لمركزية فلسطين في تكريس انكسار الأمة وفي التأسيس لنهوضها على السواء، والمؤمنين بأن الهزيمة ليست قدرا محتوما، وإنما هي نتاج لتفاعل مجموعة عوامل ذاتية وموضوعية، وتضافر مؤامرات قوى كونية مهيمنة طامعة في بلاده الممتدة من جهة. وتواطؤ قيادات ونخب عربية متغربة انخرطت في تنفيذ المخططات الاستعمارية الغربية الساعية إلى تجزئة الوطن العربي واقتسامه، وقبولها بمقايضة استقلال الدول القطرية التي استحدثها اتفاق سايكس - بيكو باستبدال فلسطين بإسرائيل من جهة ثانية.

وعجز الشعوب العربية المنهكة بمواجهة تداعيات التجزئة والمستنزفة في حروب الاستقلال الوطني ما مكن من الاستفراد بفلسطين وشعبها من جهة ثالثة.

وكأقرانهم من الشباب الفلسطيني والعربي الثائر المؤمن بتفوق قوة الحق على حق القوة مهما طال الزمن، والواثق بالنصر عند توفير موجباته. انضم أفراد المجموعة السينمائية للثورة الفلسطينية الوليدة في أواخر العام 1967، عازمين على توظيف معارفهم وخبراتهم المهنية في خدمة الثورة، ومدركين لاهمية السينما في التعريف بعدالة القضية الفلسطينية. فسعوا في العام 1968 إلى إنشاء وحدة لأفلام فلسطين.

وقد نجحت خديجة حباشنة في كتابها بتوثيق تجربة أفراد هذه الوحدة السينمائية الطليعية من فلسطينيين وأردنيين وعراقيين ولبنانيين ومصريين وأجانب أرجنتينيين وفرنسيين وإيطاليين، تجمعهم قضية الحرية والعدالة والإيمان بأهمية الصورة والسينما في تنوير الرأي العام، وتعريفه بقضية الشعب الفلسطيني ونضاله وعذاباته. ولم يكن لأي منهم مآرب شخصية او سعي للشهرة او بناء امجاد شخصية، بل كانوا يستخدمون اسماء مستعارة اقتضتها متطلبات السرية، وكل ما كان يستأثر باهتمامهم وضع معارفهم المهنية في خدمة الهدف الأسمى، فاجتهدوا في توثيق معارك الثورة ضد العدو المحتل و ضد قوى الثورة العربية المضادة المتحالفة معه. وسلطوا الضوء أيضًا على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات، حيث يحاصر ابناء الشعب الفلسطيني المقتلعين بالقوة من ديارهم في معازل تفتقر إلى أدنى شروط العيش الإنساني، ويواجهون هولوكوست ما يزال يتواصل للعقد الثامن على التوالي.

وعبر مواكبتها الحثيثة لحياتهم ومسيرتهم الثورية والمهنية، تمكنت خديجة حباشنة من رصد وتوثيق المعاناة والتحديات التي واجهوها:

  • سواء على صعيد صعوبة إقناع قيادة الثورة بأهمية السينما في النضال التحرري الفلسطيني والتعريف برسالته محليًا وعربيًا ودوليًا، اذ كانت القيادة تعتبر السينما ترفا قياسا باحتياجات النضال العسكري ومحدودية الموارد، ما جعلها في نهاية سلم الأولويات عند تخصيص الكوادر والموارد والمستلزمات والأدوات.
  • أم على صعيد قيام الرواد بأنفسهم بإنجاز كافة المهام من الإنتاج والإعداد وكتابة السيناريو والتصوير والإخراج، اضافة إلى التصوير الفوتوغرافي للصحافة المكتوبة.
  • أم على صعيد اضطرار الرواد السينمائيين للمخاطرة بحياتهم في الميدان ومرافقة الثوار في عملياتهم لتصويرها، ما ادى إلى استشهاد وجرح غالبيتهم وزاد من صعوبات تعويض نقص الكادر المهني، فأضافوا مهمة التدريب المهني وسعوا لاستقطاب بعض جرحى الثورة الذين يفقدون القدرة على مواصلة القتال وتدريبهم على التصوير.
  • أم على صعيد غياب الوعي المؤسسي ومواجهة تداعيات التنافس والتزاحم بين الفصائل الفلسطينية وتسابقها على تكرار ذات الجهد (م ت ف، فتح، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية) وتواصل غياب المؤسسة الفلسطينية الجامعة التي تحتضن الجهد السينمائي وتكرس الموارد المحدودة لتعزيز كفاءته وتعظيم مردوده.
  • أم على صعيد الحرمان من مزايا التراكم بسبب التشتت الذي كان يعقب الهزائم المتلاحقة في الساحات الرئيسة للثورة /الأردن ولبنان/، والاضطرار للبدء من نقطة الصفر في كل مرة.

وخلال تناولها لسيرة ومسيرة فرسان السينما الفلسطينية، وثقت خديجة حباشنة لمرحلة تاريخية هي الأهم في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وتطرقت بعفوية للمبادىء والقيم الثورية الأصيلة التي سادت آنذاك، عندما كان للثورة الفتية روية نهضوية ومشروع إنساني تحرري واعد وارادة لتصويب مسار حركة التاريخ، وعندما كان المناضلون يفتدون الثورة بأرواحهم ولا ينتظرون عائدًا على تضحياتهم وذلك قبل أن تنحرف البوصلة بإقرار البرنامج المرحلي العام 1974 للالتحاق بالنظام الرسمي العربي. فعرضت بإيجاز شديد لانعكاسات الخلافات السياسية والصراعات الداخلية التي أعقبت ذلك، وبينت تداعيات هيمنة المنظمات على القرار السياسي والثقافي والسينمائي. وأشارت إلى إلغاء أول فيلم روائي "الحب في زمن الحرب" العام 1974، وفيلم "المتشائل" العام 1982.

وتناولت في كتابها، أيضًا، ضياع الأرشيف السينمائي الفلسطيني بعد الحرب الإسرائيلية على منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها. من لبنان العام 1982، وعدم الاهتمام الرسمي في البحث عنه واستعادته. ورغم إيجازها الشديد، فقد أظهرت شهادات الشهود التي ضمنتها الكتاب فداحة التقصير الرسمي الفلسطيني، وغياب اَي جهد مؤسسي فلسطيني جاد لإعادة تجميع الأرشيف وترميمه، حتى بعد أن أتيح للسلطة الفلسطينية إنشاء مؤسسات إعلامية وقنوات تليفزيونية وتوفر لها علاقات وموارد وفيرة. بل لم تكلف السلطة نفسها حتى بالبناء على الإرث التراكمي، والاستفادة من الكوادر الإعلامية والسينمائية المؤسسة التي ظلت على قيد الحياة وعادت مع العائدين إلى الوطن بعد اتفاق أوسلو. وأبلغ مثل على ذلك، أن كادرًا سينمائيًا مؤسسًا كمصطفى أبو علي مثلًا، عاش في رام الله طوال عقد، لكنه هُمّش كعديد الثوار المنتمين المؤمنين بالثورة، الزاهدين بالمناصب والمواقع في زمن أفولها وتواري قيمها الأصيلة، ليرحل كما عاش بترفع وصمت في العام 2009.

وأخذت خديجة حباشنة على عاتقها منفردة مهمة تجميع الأفلام والموادالمصورة، فجمعت طوال عقد ما أمكنها، ووثقته في قائمة ضمنتها احد ملاحق كتابها، واجتهدت أيضًا في توثيق سيرة ومسيرة مؤسسي وشهداء السينما الفلسطينية الفلسطينيين والعرب والأجانب، واستحضرت بذلك نماذج ملهمة لرواد ضحوا بارواحهم وحياتهم الشخصية والأسرية من أجل نصرة القضية الفلسطينية العادلة.

كل الشكر والعرفان لخديجة حباشنة، التي أظهرت وفاءً لافتًا بات نادرًا في حاضرنا المزدحم بالمدعين والمتسلقين، وبذلت جهدًا فرديًا دؤوبًا تواصل على مدى عقد كامل، واكتفت في كتابها بدور الراوي الشاهد على مسيرة ثلة من الرواد غاب جلهم، بإنكار ملفت للذات. وغايتها حماية الذاكرة الفلسطينية وتعريف الأجيال الفتية بنماذج ثورية جديرة بان تحتذى.

يزيد من أهمية توقيت إصدار الكتاب، أنه يأتي في مرحلة زمنية فارقة، يتعرض فيها التاريخ النضالي الفلسطيني وسيرة صناعه للتشويه، لتبرير ظلمة الحاضر وإخلاء مسؤولية المتسببين بفواجعه.

نتطلع إلى أن يشكل الكتاب فرصة للاهتمام المؤسسي بالأرشيف الفلسطيني المصور والسينمائي الذي تم استعادة بعضه والعمل على ترميمه وإحيائه بالإفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي، وتعريف الأجيال الفلسطينية والعربية الفتية التي تعيش زمن الانكسارات الكبرى بمعالم مرحلة تاريخية مشرقة أسست للنهوض واستعادة وحدة الشعب الفلسطيني، فحافظت على تماسكه المجتمعي وحفظت هويته الوطنية وحمتها من خطر الاندثار.

ولنأمل أن يتواصل البحث لاستكماله لحفظ الذاكرة الفلسطينية المصورة التي واكبت انطلاقة حركة التحرر الوطني الفلسطيني المعاصرة، والإسهام في اعادة انبعاثها.

 

 

مشاركة: