الرئيسية » غانية ملحيس »   13 أيار 2020

| | |
"عن ثورة التعليم" .. محاولة للتفكير والتأمل
غانية ملحيس


تواصل الدكتورة تفيدة جرباوي الإسهام بدور نشط في التنوير المعرفي للنهوض بالوعي الجمعي حول قضايا جوهرية.ومقالاتها الاخيرة حول التعليم عمومًا، والمقال الأخير خصوصًا " عن ثورة التعليم " المنشور في جريدة الأيام بتاريخ 11/5/2020، تتسم باهمية فائقة، من حيث توقيتها، فهي تأتي في مرحلة زمنية فارقة يبدو فيها العالم وكأنه متوقفًا، فيما في الواقع تتبلور فيه تغييرات جوهرية ستحدد شكل عالمنا لعقود طويلة قادمة.

هذه التغييرات كانت قادمة، سواء بالكورونا ام من دونها، لكن الكورونا سرعت وتائرها، ومن يعجز عن فهم هذه التغيرات ويعتقد ان العالم بعد الكورونا سيعود الى وضعه السابق مخطىء وخاسر.وفي مقدمة الخاسرين، أولئك الذين سيواصلون انتظار الفرج الذي يأتي من الغير كما تعودنا نحن الفلسطينيين والعرب مع استثناءات محدودة أخذنا فيها زمام المبادرة لفترات قصيرة واستعجلنا الحصاد قبل أوانه بدهر، فأعادنا ذلك إلى نقطة البداية، وما نزال صامدون في مواقعنا الانتظارية نهدد ونتوعد، وجميعنا يعلم اننا، بذلك، إنما نطمئن الغزاة والطامعين ببلادنا باننا ما نزال عاجزين.

لست متخصصة في التعليم كالدكتورة تفيدة، لكن التأثيرات الجوهرية لأنماط التعليم عبر المنصات االاليكترونية خلال أزمة الكورونا، والتي يتوقع ان تفرض نفسها بقوة على كثير من الدول بعد انتهاء الجائحة، دون ان تستعد لها، امر عام يتجاوز حدود الاختصاص الأكاديمي، واعتقد.انه ينبغي ان يتصدر سلم أولويات الاهتمام الوطني والقومي في بلادنا العربية، للأهمية القصوى للتعليم والعلوم في تشكيل ملامح مستقبل الشعوب والأمم.

وفهم جوهر التغيرات الجوهرية الجارية واتجاه حركتها في عصر العولمة - الذي تسرعه جائحة الكورونا - لا يشكل ضرورة حيوية فحسب، وانما حاجة وجودية في عالم سيبتلع كل من يكتفي بالمراقبة والانتظار.

والدعوة المحقة التي اطلقتها الدكتورة تفيدة جرباوي لفهم ثورة التعليم المتسارعة في زمن الكورونا بالغة الأهمية، وهي ليست دعوة للالتحاق بتغييرات وتطورات يصنعها الغير كما هو دأبنا، وانما للتكيف الواعي مع التغيرات الجارية عبر مواجهة ما تنطوي علية من اخطار جسيمة ينبغي تحديدها بدقة.والاستفادة مما تتيحه من فرص عظيمة يتوجب التقاطها بسرعة كبيرة، والتخطيط الواعي للاستفادة منها وتعظيمها.

مصطلح ثورة التعليم.الذي اختارته عنوانًا لمقالتها يستدعي التأمل والتفكر.فالثورة في الوعي الجمعي لها مفهوم التغيير نحو الأفضل، خصوصا عندما يتم تناولها في سياق استعراض الثورة الصناعية وثورة الاتصالات والثورة التكنولوجية، وجميعها اثرت الحياة البشرية على امتداد الكرة الأرضية.

غير أن تأثيرات هذه الثورات علينًا كعرب، كانت في محصلتها سلبية، لإخفاقنا في ادراك جوهر التحولات الكونية التي أنتجتها هذه الثورات، ولعجزنا عن التكيف الإيجابي معها، واقتصار فهمنا لمتطلبات مواكبتها على محاكاة ما نتج عنها من أنماط استهلاك يتم تلبيته باستيراد ما تتيحه منجزاتها مما ينتجه الغير وفقا لمصالحه، في مختلف المجالات الفكرية والعلمية والقيمية والمنتجات السلعية والخدمية، معتمدين في تمويل وارداتنا على استخدام العائدات الريعية التي توفرها الموارد الطبيعية الوفيرة التي تنعم بها بلادنا، ما عمق الفجوة الحداثية والحضارية، وأسهم بتحويلنا إلى متطوعين طيعين لخدمة أهداف الغير، وقوض مقومات حضورنا الفاعل محليًا واقليميا ودوليًا.

وبإمعان النظر في ما آلت اليه اوضاعنا الفلسطينية العربية، ينبغي الاعتراف بمسؤوليتنا الذاتية الرئيسة عن خياراتنا، وعدم مواصلة لعب دور الضحية وتحميل الآخرين مسؤولية إخفاقاتنا، دون انكار دورهم الكبير في توظيف ضعفنا وتخلفنا الحضاري المعرفي والفكري والإنتاجي، وسعيهم لتعويق نهوضنا لمواصلة استغلالنا وحماية مكتسباتهم الوفيرة، التي حققوها أساسًا بالبناء والمراكمة على منجزات الحضارة الإنسانية عبر العصور، والتي كان لحضارتنا العربية - الإسلامية إسهامًا كبيرًا بها.

شواهد التاريخ البشري المدون حافل بصعود حضارات وأفول أخرى، وحافل ايضا بأسباب النهوض والأفول، وتنطوي مراجعتها الدقيقة على أهمية قصوى للباحثين عن مخارج من الأزمات، والساعين للتأسيس للنهوض.

ثورة التعليم الرقمي على أهميتها الفائقة التي أشار المقال الى بعض جوانبها، وخصوصا المتصلة منها بتوسيع قاعدة المستفيدين في سكان الأرياف والمناطق النائية، وتحسين نوعية التعليم المتاح لهم، وتخفيف وطأة التركز الديموغرافي في المدن، وتقليص الضغط على البنية التحتية كالمدارس والمواصلات الخ....وجلها مهم.

إلا أنها يجب ان لا تحجب الأخطار الكبيرة الكامنة في مواكبتها بذات النسق الذي واكبنا به الثورات التي سبقتها.وما لم يترافق هذا التطور التكنولوجي، الذي أقحمته الكورونا قسرا على حياتنا، باستعداد ذاتي ضروري لبنى تحتية ومناهج تعليمية وتربوية وطنية تحفظ ثقافتنا وحضارتنا، وتعي الدور الرئيس للتعليم في تشكيل وعي الأجيال الفتية المناط بها صناعة المستقبل.

يحضرني في هذا المجال تجارب الدول العربية بخصخصة التعليم بدعوى رفع كفاءته وتحسين نوعية مخرجاته، وتبرير ذلك بعجز التعليم الحكومي عن توفير الخدمة بالمستوى المطلوب، دون تقييم علمي وموضوعي لدور التعليم العام في بلادنا، عندما كانت الحكومات تدرك مسؤولياتها الرئيسة اتجاه مواطنيها، وعندما كان التعليم الخاص يقوم بدور مساند ويقتصر على تأهيل الطلبة العاجزين عن اجتياز الامتحانات الرسمية.و دون الالتفات حتى إلى ان عديد الدول الرأسمالية الغربية المتقدمة، ما تزال حتى اليوم، تعتمد بشكل رئيس على التعليم الحكومي المجاني المتاح لجميع المواطنين، باعتباره اداة لتكوين الوعي المعرفي الوطني، وما تزال تفرض رقابة صارمة على التعليم الخاص، وما تزال تقيد غالبية التعليم الأجنبي بالطلبة الأجانب، وتشترط عند السماح لمواطنيها الالتحاق بمؤسساته التزامه بالمناهج والمعايير الوطنية المعتمدة.

فيما وجدت معظم الدول العربية في خصخصة التعليم فرصة مؤاتية لانسحابها المتدرج من اهم وظائفها التعليمية اتجاه مواطنيها، وإخضاع هذه الخدمة لمعايير الربح والخسارة.وتقليص حصته من الإنفاق العام، ما ادى إلى انخفاض مستوى التعليم الرسمي بشكل كبير، واختزاله بالحدود الدنيا لتلبية احتياجات الفقراء الذين لا يقوون على تحمل التكاليف الباهظة للتعليم الخاص.

والى جانب خصخصة التعليم، فقد تم السماح أيضا بالتعليم الأجنبي المدعوم من المصدر، والذي يعتمد مناهج الدول الأجنبية، ليس فقط في اللغات والعلوم البحتة، وإنما أيضا في العلوم الإنسانية المصممة أساسا لخدمة أهداف ومصالح منتجيها الاجانب، وسمح للمواطنين بحرية الالتحاق بمؤسساته ومعادلة شهادات خريجيه.

وأنتج الخلط بين دور اللغات والعلوم البحتة كأدوات للتواصل والتمكين، وبين دور العلوم الانسانية كسبيل لصياغة الوعي الجمعي بالهوية الوطنية والقومية والحضارية.وأفرز حالة اغتراب متنام بين قطاعات شبابية تتزايد أعدادهم باطراد.

فالتعليم الخاص والأجنبي المتاح للمقتدرين وهم أقلية نسبية، ربما وفر خريجين يمتلكون مهارات لغوية وتقنية أكسبتهم القدرة على المنافسة في سوق العمل المحلي والخارجي، لكنه عمل بالتوازي على فصلهم تدريجيا عن أقرانهم وهم الغالبية الساحقة، وحول معظمهم إلى نخب حائرة في انتمائها الحضاري ومنفصلة عن واقع مجتمعاتها ومحايدة اتجاه القضايا الوطنية والمنظومة القيمية، لكنها تعتقد بتميزها وأحقيتها في الوصول إلى راس الهرم الوظيفي في القطاعين العام والخاص.ونجحت بذلك، دون ان ترتقي بالأداء، والذي يؤكده التراجع المطرد لترتيب دولنا العربية في جداول المقارنات الدولية على الصعد كافة.

استدعاء تجربة خصخصة التعليم وفتح المجال أمام موسسات التعليم الأجنبي دون قيود تتعلق بالمناهج التعليمية - وهو نهج تنفرد به دولنا العربية عن ساىر بلدان العالم - تنطوي على أهمية خاصة في هذه المرحلة المفصلية التي تشهد ثورة التعليم تسارعًا غير مسبوق.

فما لم ندرك ان التكنولوجيا ليست أكثر من أداة تمكين وان استخدامها حاجة لا غنى عنها وضرورة للبقاء، شريطة ترافق ذلك مع امتلاك روية حضارية ومشروع نهضوي محدد الأهداف، وخطة وبرامج عمل تنفيذية لبلوغها بالسرعة والكلفة المناسبة.

فان اخطار الاعتماد عليها كمنتج معرفي مكتمل تفوق إيجابياتها، ذلك ان من ليس له خصوصية حضارية في عصر الثورة التكنولوجية سينتمي تلقائيًا - بغض النظر عن رغبته - للحضارة الغربية بطبعتها الأمريكية المعولمة.

وينبغي الانتباه إلى ان التسرع في الاعتماد على تجربة التعليم الاليكتروني في زمن الكورونا دون تقييم علمي وموضوعي للمزايا والمثالب. والدفع باتجاه تطبيقات التعليم الالكتروني قبل استكمال الاستعدادات الواجبة في البنى التحتية والمناهج الوطنية، سيودي - ربما دون وعي - إلى تسهيل صناعة الإنسان الفلسطيني والعربي المعولم وفقا للنسق الذي تصوغه القوى المسيطرة على إنتاج العلوم.

مشاركة: