الرئيسية » غانية ملحيس »   26 أيار 2020

| | |
أي نظام عالمي جديد يراد لجائحة الكورونا أن توطد أركانه؟ (1)
غانية ملحيس

ربما يتساءل كثيرون عن أسباب الاهتمام الذي يبديه بعضنا بجائحة الكورونا، رغم أن فلسطين خصوصا، والعالم العربي عموما، تجتاحهم جائحات اشد فتكا ودمارا بما لا يقاس .

فالمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني يقترب من بلوغ اخر مراحله في فلسطين، بضم ما تبقى من اجزاء الوطن الفلسطيني المحتل لكيانه - الذي يحتفل هذه الايام بالذكرى الثانية والسبعين على انشائه، ويكاد ينجز مهمته باستكمال استبدال فلسطين بإسرائيل، للتفرغ لدوره الاقليمي الأهم . مدفوعا بتوفر فرص غير مسبوقة على مختلف الأصعدة الفلسطينية والعربية والاقليمية والدولية .

فالمشهد الفلسطيني الراهن يؤشر الى تسارع تفكك النظام السياسي الفلسطيني بكل اطيافه التنظيمية والفصائلية، واستغراق قواه الرئيسة في صراعاتهم التنافسية الداخلية والبينية، وانفضاض غالبية ابناء الشعب الفلسطيني داخل الوطن وفي الشتات عن ممثله الشرعي الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، ما يحد من قدرته على مواجهة أخطار التهويد والأسرلة لكامل فلسطين .

والمشهد العربي يبدو جاهزا لتطبيع علاقاته بالكيان الصهيوني دون اشتراط امتثاله للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية الخاصة بتسوية الصراع العربي - الصهيوني، كما سبق واكدت عليه مبادرة السلام العربية الصادرة عن قمة بيروت في آذار/ مارس 2002. فالنظام العربي الرسمي منشغل بادارة الحروب الأهلية والصراعات العرقية والاثنية والدينية والطائفية والمذهبية على امتداد الوطن العربي، واطرافه الرئيسة تتسابق لاسترضاء التحالف الامبريالي - الصهيوني بإثبات كفاءتهم في قمع وإخضاع شعوبهم، والجهر بتخليهم عن القضية الفلسطينية .

والمشهد الإقليمي بات مواتيا، لانغماس قطبيه الفاعلين التركي والايراني - الحالمين باستعادة أمجاد الماضي - في التنافس البيني للتوسع على حساب شريكهم العربي الأصيل الآخذ بالتهاوي، دون التفاتهما الى الأعداء المتربصين بعموم المنطقة، ودون الانتباه حتى لافتقارهما لموجبات الحفاظ على سلامة واستقرار بنيانهما الداخلي.

والمشهد الدولي يكاد يماثل ذاك الذي تلى الحرب العالمية الأولى، وسمح للقوى الاستعمارية الغربية المنتصرة بقيادة بريطانيا العظمى بالزام النظام الدولي المستحدث، آنذاك، بالشروع في ارساء دعائم المشروع الاستعماري الاستيطاني الغربي الصهيوني في فلسطين.

فالرئيس دونالد ترامب، يعي اهمية توظيف التفرد الأمريكي بالقيادة العالمية، للاستفادة المثلى من الظروف المتاحة لاستكمال المشروع الصهيوني، بتمكينه من احكام سيطرته على كامل الوطن الفلسطيني والتأهل للقيام بدور الوكيل الحصري في حماية المصالح الحيوية الأمريكية في عموم المنطقة الممتدة . لإدراكه ان هذا الدور لا تقوى عليه اي من القوى الأصيلة في المنطقة مهما اشتد ولاء قادتها. فالكيان الصهيوني ينفرد بخاصيته الاستعمارية الاستيطانية الأجنبية المتمايزة ثقافيا وحضاريا عن شعوب المنطقة، وبجاهزيته لأداء الدور الوظيفي المسند إليه بكفاءة عالية (سرعة وكلفة). كما أنه، حكما، الأكثر ولاء لرعاته الدوليين بسبب احتياجه الوجودي الدائم للدعم والحماية الخارجية. وتفضي عليه هذه السمات مزايا فريدة، تكسبه توافق كافة القوى الدولية المتنفذة الطامحة للهيمنة الدولية، على استثنائه من الخضوع للقانون الدولي، وعلى إعفائه من نفاذ القوانين والقرارات الدولية.

وقد لا يعلم المتسائلون، ان هذه هي الدوافع الرئيسة لانشغال بعض الفلسطينيين والعرب بجائحة الكورونا، أقله بالنسبة لي، لقناعتي بأن أهم أسباب هزائمنا واخفاقاتنا المتواصلة على مدى اكثر من قرن، يعود أساسًا إلى عجزنا المزمن عن فهم التغييرات الجوهرية في البيئة الدولية خلال مراحل التحول الكوني، وانعدام قدرتنا على استشراف تداعياتها المحتملة على حاضر ومستقبل منطقتنا العربية - الاسلامية الممتدة، التي تقع في مركز العالم، وتشرف على خطوط التجارة والملاحة والمواصلات والاتصالات الدولية، وتمتلك ثروات وفيرة تشكل عصب الاقتصاد الدولي، فضلا عن تميزها الحضاري كمهد للديانات السماوية التي يدين بها ثلثي البشرية . ما يجعل السيطرة عليها عاملا رئيسا في ترجيح موازين القوى على المستوى العالمي . فضلا عن انها مأهولة بشعوب تنتمي الى امة واحدة - رغم تنوعها العرقي والاثني والعقائدي -، وتجمعها اللغة والثقافة والحضارة والعادات والتقاليد، وتتشارك تاريخا ثريا طويلا اعتلت فيه بتعاضدها عرش القيادة العالمية لنحو خمسة قرون متصل. وما تزال - رغم كل محاولات تقسيمها وتفرقتها وتحريضها على بعضها البعض - تؤمن بوحدة المصير .

وتتموضع فلسطين - الصغيرة مساحة وسكانا - في قلب المنطقة الجيوإستراتيجية الممتدة، وتشكل مركز الوصل الجغرافي والديموغرافي بين مشرقها ومغربها، ما جعل احتلالها والتمركز فيها هدفا استراتيجيا للغزاة الطامحين للسيطرة على عموم المنطقة على مر العصور . وربط تطور تاريخها وعموم المنطقة بنتائج الصراعات الدولية فيها وعليها .

وعليه، فإن الحاجة لفهم التطورات الكونية المتسارعة في زمن الكورونا ليس ترفا فكريا كما قد يعتقد البعض، وانما ضرورة حيوية لا غنى عنها، خصوصا واننا نعيش حاليا لحظات توشك فيها مرحلة التحول الكوني - التي بدأت بعد انتهاء الثنائية القطبية من النظام الدولي في اواخر ثمانينيات القرن الماضي - على بلوغ نهاياتها، وتؤذن بانبثاق نظام دولي جديد مغاير يتسارع احلاله محل النظام الدولي القديم الذي ألفناه واستوفى موجبات الرحيل .

وحيث ان ميزة مراحل التحول الكوني - كما تدلل شواهد التاريخ - لا تحكمها ضوابط جامدة . وانها توفر فرصا ممكنة للتاثير في التطورات واتجاهاتها، بذات القدر الذي تفرضه من تحديات جسيمة . وانها مفتوحة الاحتمالات، بمعنى جاهزيتها لاستيعاب التطورات التي تفرضها القوى الحية، عبر اسهامها بخلق وقائع جديدة مستهدفة، لإحلالها محل حقائق قائمة .

 فقد رأيت ضرورة تسليط الضوء على ما اعتقده مفيدا لفهم طبيعة التغيرات الكونية التي تتولى جائحة الكورونا تسريع وتائرها، لاهميتها البالغة في التاثير على النظام الدولي قيد التشكل، والمتوقع ان يسود لعقود طويلة قادمة.

وسأحاول ما امكنني استقراء مدلولات هذه التغيرات وتتبع اتجاه حركتها، لاستشراف انعكاساتها المحتملة على حاضرنا ومستقبل اجيالنا القادمة، وذلك بالاستعانة بالاحصاءات والبيانات والتصريحات والتحليلات المتباينة التي تحفل بها وسائل الاعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة وشبكات التواصل الاجتماعي محليا وعربيا واقليميا ودوليا، وعبر تتبع القرارات والاجراءات الاستثنائية التي تتخذها الحكومات وتكتسب شرعية قانونية خلال حالة الطواريء التي توجبها مواجهة جائحة الكورونا، والمتوقع أن يستمر نفاذها بعد انتهاء الجائحة لمدد قد تطول.

وسأحرص على التزام الموضوعية - ما أسعفني العقل - لتسليط الضوء على ما أعتقده مؤشرات لمخاطر قد يحملها النظام العالمي الجديد الآخذ في التشكل، بغية التحسب مبكرا لتداعياتها المحتملة على شعوبنا، عبر استراتيجيات واضحة محددة الاهداف وبرامج عمل تسعى لمحاصرة مخاطرها . والعمل بالتوازي على استشراف الفرص الكامنة التي تخلقها التحديات المستجدة، والمساهمة في بلورة رؤى للاستفادة منها وتعظيمها للتأسيس للنهوض . فرغم الوعي الكامل بأن توفير موجباته تنطلق أساسا من الذات، الا انني لا اعتقد ان النهوض ممكن، دون الالمام الدقيق بالتطورات الجوهرية الجارية في البيئة الخارجية والتعرف على تداعياتها المحتملة علينا والتحسب مبكرا لما تنطوي علية من مخاطر يتوجب محاصرتها وتبديدها، وما تضمنه من فرص يتوجب الافادة منها وتعظيمها .

فأغلب الظن ان العالم بعد انتهاء جائحة الكورونا لن يعود كما كان عليه قبلها، وأن بزوغ نظام عالمي جديد بات حتميًا، وأن ملامح هذا النظام ستختلف جوهريا عما سبق وخبره البشر من نظم سابقة كانت تتشكل وتتحدد أهدافها وتتأسس مرتكزاتها وفقًا لمصالح الدول المنتصرة في حروب التنافس البيني على القيادة العالمية .

يرجح هذه الظنون أن الحرب الكونية الجارية تختلف عن سابقاتها المألوفة بين البشر، سواء من حيث طبيعتها البنيوية أم من حيث شموليتها الجغرافية وتداعياتها المختلفة المتوقع ان تطال مختلف جوانب الحياة . إذ يشنها عدو خفي يحمل اسم " كوفيد 19 “ - وهي الأحرف الأولى من كورونا " corona " و فيروس "virus" ومرض "disease" والسنة التي ظهر فيها (2019) - ويستهدف الجنس البشري على امتداد الكرة الأرضية .

صحيح أن هذا الفيروس ليس الوباء الفتاك الأول، فقد عرف الإنسان على مر العصور أوبئة عدة حصدت أرواح ملايين البشر، كالطاعون والجدري، والسل، والكوليرا والإنفلونزا الأسبانية والحمى الصفراء والايدز، وإنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير، والسارس وميرس والايبولا إلخ.

إلا أن العالم لم يكن يعرها ذات الاهتمام الذي يحظى به الفيروس، رغم أنه - كما تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية - أقل فتكًا من غالبيتها حتى الآن، سواء على صعيد عدد الإصابات ام الوفيات .

إذ بلغ عدد الإصابات بالفيروس منذ ظهوره قبل أكثر من خمسة أشهر وحتى السادس والعشرين من من أيار الجاري أكثر من 5 مليون و600 ألف، توفي منهم 348 ألفًا يشكلون 6.2% من مجموع المصابين، غالبيتهم العظمى من المسنين فوق سن 65 سنة.

صحيح ان الناس ليسوا مجرد ارقام، وان كل حياة مهمة مهما بلغ عمر الانسان . وانني شخصيا ضمن الفئة العمرية الاكثر عرضة للوفاة اذا قدر لي لا سمح الله الإصابة به .

لكن الصحيح، ايضا، ان الموت حق على جميع بني البشر دون استثناء لأحد، وان اسبابه متعددة، وان على الناس التحوط قدر الاستطاعة لإبعاد مخاطر ممكنة، دون التعامي عن اخطار اشد فتكا تتنامى حولنا، لكننا لا نعيرها الاهتمام الذي تستحقه، لشدة تركيزنا على ما يراد لنا ان نراه .

لا ادعي المعرفة، ولكن الحيرة تتملكني ككثير من الناس، وتدفعني الى التساؤل واعمال العقل الذي انعم الله به على عباده من البشر، ليعقلوا ويتفكروا فيفهوا ويفعلوا .

ولمحاولة الفهم الذي يؤسس للفعل، من المهم التمعن قليلا في دلالات الأرقام الرسمية المعلنة الخاصة بضحايا فيروس كوفيد 19، الذي يستاثر باهتمام العالم اجمع، بشكل لم تعهده البشرية من قبل .

فتعداد سكان العالم يتجاوز حاليا 7.5 مليار، و متوسط عدد الوفيات فيه وفقا لمنظمة الصحة العالمية يصل الى 56 مليون شخص سنويا، 30% منهم يقضي نتيجة لأمراض معدية، فمرضى الأيدز مثلا يصل عددهم إلى نحو 38 مليون وما يزال يموت بسببه مليون شخص سنويا -وهو نصف العدد الذي كان سائدا قبل عقد -، كما أنه اقل خطورة على حياة الإنسان من فيروس الإيبولا مثلا، حيث نسبة شفاء المصابين بكوفيد 19 - كما تشير الأرقام الرسمية المعلنة منذ ظهوره قبل نحو خمسة اشهر ونصف - تصل الى 93.6 %، مقارنة ب 10% فقط للمصابين بالايبولا . فضلا عن ان احصاءات منظمة الصحة العالمية ذاتها تفيد بان عشرة الاف طفل يموتون يوميا بسبب سوء التغذية، ناهيك عن مئات آلاف ضحايا الحصار والحروب التي لم تتوقف منذ غزو الفيروس التاجي.

فإذا كان الاأر كذلك، فما سر هذا الاهتمام العالمي غير المسبوق به؟ ولماذا يتوقف دوران عجلة الحياة بسببه في غالبية دول العالم؟ هذا ما ستحاول المقالات القادمة التبصر فيه .

مشاركة: