الرئيسية » غانية ملحيس »   29 أيار 2020

| | |
أي نظام عالمي جديد يراد لجائحة الكورونا أن توطد أركانه؟ (2)
غانية ملحيس

أثار الاهتمام العالمي غير المسبوق بفيروس كوفيد 19 مقارنة بالأوبئة الأخرى التي شهدتها البشرية، وجلها أشد فتكًا، تساؤلات عدة لم تجد، بعد، إجابات مقنعة. فهل تعود محدودية الاهتمام العالمي بالأوبئة الفتاكة الأخرى التي حصدت ارواح ملايين البشر، الى اقتصار تاثيراتها التدميرية على مناطق جغرافية محددة، ما جعلها خارج نطاق اهتمام الدول غير المتأثرة بها؟!

أم لأن تفشيها كان يطال الفقراء أساسًا دولًا وشعوبًا أكثر من غيرهم، حيث هم الأكثر عرضة للأوبئة التي تنتقل إليهم من الحيوانات. ولأن الفقراء - الذين تتزايد أعدادهم باطراد - لا يدخلون عادة في حسابات الدول العظمى والقوى والطبقات المتنفذة، التي غالبا ما تعتبرهم عبئا زائدًا على البشرية يحسن التخلص منه، سواء بالأوبئة ام بالحروب، وفقا لما يدعوا اليه بعض المنظرين والساسة؟!

اللافت أن وباء الفيروس التاجي حظي باهتمام دولي واسع منذ بداية ظهوره، حتى عندما كان انتشاره ما يزال محدود جغرافيا، وقبل ان يتجاوز عدد ضحاياه بضع عشرات. بل ما يزال عدد ضحايا فيروس كوفيد 19 متواضعا نسبيا بعد مرور اكثر من خمسة اشهر على ظهوره، سواء على صعيد عدد الإصابات أم الوفيات كما تم الإشارة في المقال السابق، وعلى الرغم من عدم اكتشاف لقاح حتى الان، فان نسبة الشفاء تتجاوز 93%، ما يعني انه ليس بالخطورة التي تفسر هذا الاهتمام العالمي الذي لا مثيل له في التاريخ.

فهل يعود ذلك لأن الدول الغربية المتقدمة كانت هذه المرة أول وأكبر ضحاياه، حيث لنظام العولمة الذي فرضوه قسرًا تداعيات أخرى لا تقتصر على الرفاهية التي تؤمنها لهم سلطة الأقوى عبر السطو على مقدرات الأضعف. وإنما تنطوي، أيضًا، على مخاطر انتقال الوباء لأكثر الدول والفئات سطوة وثراء. فالفيروس سريع الانتقال بالمخالطة. و مواطنوا الدول القوية والثرية هم عادة الأكثر قدرة على السفر والتنقل بحرية بين مختلف بلدان العالم، سواء للاستثمار أم التجارة أم السياحة ,,, إلخ، ما يجعلهم عرضة أكثر من غيرهم للعدوى، عبر الاحتكاك بمصابين لم تظهر عليهم أعراض المرض (حيث يتأخر ظهور الأعراض لأسبوعين وربما أكثر، بل قد لا تظهر أحيانًا) ما يتسبب بانتقال العدوى عبرهم لأعداد كبيرة من الناس عند عودتهم إلى دولهم، خصوصا وان غالبية الدول المتقدمة دول مسنة، ومتوسط الأعمار فيها الأعلى عالميّاً، وتصل نسبة السكان الذين تتجاوز اعمارهم الخامسة والستين الى الخمس. وهولاء عادة أقل مناعة وأكثر حساسية للعدوى.

إذ تشير الاحصاءات المعلنة لضحايا كوفيد 19، إلى تركز الإصابات والوفيات حتى منتصف ايار الجاري في الدول الغربية المتقدمة، (54.5% %من إجمالي الإصابات و 69.9 من إجمالي الوفيات في العالم )، رغم ان عدد سكان هذه الدول لا يتجاوز 8.9% من إجمالي سكان العالم. وتحتل القوة الأعظم والأغنى (الولايات المتحدة الأميركية) المرتبة الأولى عالميا من حيث عدد الإصابات والوفيات 31.8% و28.7 %، على التوالي. تليها اسبانيا / 5.8% من حيث الاصابات العالمية و8.7% من اجمالي الوفيات /، وبريطانيا / 4.9% اصابات و11% وفيات /، وايطاليا / 4.7% اصابات و10.1% وفيات / وفرنسا / 3.7% اصابات و8.9% وفيات / والمانيا 3.6% اصابات و2.5% وفيات / ). فيما لم تزد النسب في الصين - التي يشكل عدد سكانها 18.59% من اجمالي سكان العالم، فضلا عن كونها الدولة الاولى التي باغتها الوباء - عن 1.7% للاصابات و 1.5% للوفيات.

كما لم يزد عدد الإصابات في الدول النامية عن بضع مئات وأعداد الوفيات عن بضع عشرات.

يشكك البعض بموثوقية الارقام الرسمية المعلنة حول ضحايا فيروس كوفيد 19 في العالم، فيشيرون الى ان ارتفاع النسب في الدول المتقدمة يعود لأسباب احصائية لانها الأكثر إجراء للاختبارات والأكثر شفافية وإفصاحا عن البيانات. فيما تخفي الصين والدول النامية الأعداد الحقيقية.

ويقول البعض الآخر ان العدد الحقيقي للضحايا في الدول المتقدمة يفوق الأعداد المصرح بها بكثير، لأنها تقتصر على بيانات المستشفات والمراكز الصحية فقط.

 فيما يشكك آخرون بصدقية البيانات المعلنة، فيشيرون إلى ان الأعداد الحقيقية أقل من ذلك بكثير، لأنها تنسب لكوفيد 19 كثير من الإصابات والوفيات المتعلقة بأمراض الشيخوخة والأمراض المزمنة.

وبغض النظر عن مدى موثوقية ومصداقية البيانات، وعن التباين في التفسيرات والتقديرات، فان هناك انطباعا عالميا بارتفاع كبير في معدل الإصابات والوفيات منذ ظهور فيروس كوفيد 19، وبوجود مخاطر جدية تتهدد الحياة البشرية على كوكب الارض، رغم غياب اية مؤشرات احصائية تؤكد حدوث ارتفاع ملموس في معدلات الإصابات والوفيات الناجمة عن الأمراض المعدية، المسؤولة- وفقا لمنظمة الصحة العالمية - عن 30% من إجمالي الوفيات السنوية في العالم.

ينكر المسكونون بنظرية المؤامرة وجود فيروس كوفيد 19 من حيث المبدأ. رغم توفر الأدلة على وجود طفرة فيروسية جديدة. الا ان حقيقة وجود الفيروس لا ينفي فكرة المؤامرة، بمعنى استغلال وجود الوباء وتوظيفه لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية.

اذ يرجح البعض أسباب تركز ارتفاع أعداد الضحايا في الدول الغربية المتقدمة - التي تسود فيها منظومة قيمية تعطي الأفضلية للمال على الإنسان - إلى أن القوى النيوليبرالية التي باتت تسيطر على مراكز صنع القرار فيها تعتبر المسنين والفقراء عبئا اقتصاديا واجتماعيا يؤثر سلبا على قدرات مجتمعاتها على الأصعدة الإنتاجية والادخارية والاستثمارية. وتعتقد ان الحفاظ على قوتها واستمرار تفوقها الدولي يقتضي التخلص من هذا العبء الذي يستنزف جزءا مهما ومتناميا من الموارد العامة المتاحة.

ويدللون على شكوكهم:

  • بتأخر الإجراءات الوقائية في غالبية الدول الغربية المتقدمة لأكثر من شهرين بعد ظهور الوباء.
  • واعتماد غالبيتها - باستثناء ألمانيا - على نظرية "مناعة القطيع" التي تستوجب التضحية بحياة البعض، وهم عادة كبار السن والفقراء الذين يعانون من سوء التغذية، لضعف مناعتهم، من أجل حماية الآخرين.
  • وإصدار التعليمات للمستشفيات والطواقم الطبية بإعطاء الأولوية في العلاج للفئات الشابة وتجاوز من هم فوق سن الستين، ونزع أجهزة التنفس عنهم عند الضرورة.

فيما يرجح آخرون وجود أهداف استراتيجية كبرى لتحالف القوى الليبرالية المعولمة وشركاتها العملاقة، بالتهويل من اخطار فيروس كوفيد 19، لاستنفار الخوف الغريزي للبشر من عدو غامض يستهدفهم وجوديا، وتوظيف الذعر لتسهيل تفكيك النظام العالمي القائم الذي بات يعرقل استمرار تقدمهم، وتسريع بلورة النظام الجديد الذي يحتاجونه لإحكام قبضتهم على العالم. فتعمدوا التهويل من خطر فيروس كوفيد 19 لإثارة مخاوف وجودية تحدث صدمة في الوعي تدفع البشر إلى القبول طوعًا بما يتعذر عليهم قبوله في الظروف الطبيعية.

- مستفيدين من دلالات تجارب الحروب العالمية وما يرافقها من كوارث وويلات تسببت بتغيير مسار التاريخ عبر تطويع البشر وارغامهم على القبول بما يتعذر عليهم قبوله في غياب هذه المخاطر.

ومن أجل تسريع فرض النظام العالمي الجديد وانعدام امكانية اللجوء إلى الحروب العالمية دون تهديد الوجود البشري في ظل انتشار أسلحة الدمار الشامل، عمد تحالف القوى النيوليبرالية المعولمة إلى استنفار قواه السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والمالية والإعلامية والتكنولوجية الهائلة، لكي الوعي الجمعي العالمي وتهيئته للتكيف مع التحول الجارف المستهدف إحداثه في عصر الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، الذي يقتضي إحداث تغييرات بنيوية عميقة تطال تداعياتها مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية وتمس انماط الحياة التي اعتادها الناس عبر العالم، يتعذر القبول بها سلميا في غياب تهديد ملموس بخطر وجودي عابر للقارات والأعراق والقوميات والأجناس والأعمار والاثنيات والأديان والطوائف والطبقات، يفوق في تأثيراته التدميرية ما خبروه في الحروب العالمية بين البشر.

فهل نجح هذا التحالف في تحقيق أهدافه بالتوظيف السياسي والاقتصادي لجائحة الكورونا؟

ما يزال الجزم بذلك يحتاج إلى مزيد من المؤشرات، وهذا ما ستحاول المقالات القادمة الإسهام في تتبعه.

مشاركة: