الرئيسية » غانية ملحيس »   05 حزيران 2020

| | |
أي نظام عالمي جديد يراد لجائحة الكورونا أن توطد أركانه؟ (3)
غانية ملحيس

اللافت أن الاهتمام الدولي المتزامن المفاجىء بحياة الناس التي يتهددها الفيروس التاجي المستجد (كوفيد 19)، لا يستقيم أبدًا مع التجاهل المعتاد والمتواصل منذ عقود طويلة لحياة ملايين الضحايا !

حيث الفقر وحده ما يزال يتسبب - كما تشير الإحصاءات- بوفاة الآلاف يوميا نتيجة الجوع وسوء التغذية، ناهيك عن ضحايا الحصار والحروب والصراعات التي ما تزال تحصد أرواح ملايين البشر على امتداد العالم، والتي لم تهدأ وتيرتها أثناء غزو فيروس كوفيد 19، رغم انشغال وتجند كافة الحكومات والدول -بما في ذلك المتصارعة - في مواجهته، وعلى الرغم من الارتفاع الهائل والمتنامي في تكاليف معالجة تداعيات المواجهة.

والملفت، أيضًا، ان الحرص الكبير على حماية حياة سكان كوكب الارض من فيروس كوفيد 19، يتناقض كليا مع المرتكزات الفكرية للنظام الرأسمالي الذي بات يهيمن على النظام الدولي في عصر الأحادية القطبية. والذي ما يزال يسترشد بنظرية مالتوس للسكان التي ضمنها كتابه " مبادىء السكان" الصادر عام 1798، والتي ترتكز على ان حل معضلة اختلال التوازن بين نمو السكان /الذين يتزايدون بمتوالية هندسية / وبين نمو الموارد الغذائية /التي تتزايد بمتوالية عددية /، يكمن بالحد من الزيادة السكانية. وتشير الى وسيلتين أسمتهما "موانع "، يمكنهما ان تؤديا إلى ضبط الزيادة السكانية في العالم :

الأولى: موانع قهرية كالمجاعات والأمراض والحروب.

الثانية: موانع إرادية او وقائية / كالعزوف عن الزواج او تأخيره، تحديد النسل، الإجهاض ... إلخ. 

وترى القوى الدولية المتنفذة ان الموانع الارادية / الوقائية /، قد نجحت نجاحا كبيرا بالحد من الزيادة السكانية في الدول الرأسمالية الغربية المتقدمة، فيما فشلت فشلا ذريعا في الدول النامية، وذلك لأسباب عديدة لا حاجة للتوسع فيها في هذا المقال. الأمر الذي تعتقد انه يشكل تهديدا جديا لتفوقها وقيادتها الدولية، ما جعل تفعيل الموانع القهرية جزءا رئيسا من سياسات القوى الدولية المتنفذة واستراتيجياتها العالمية. بل ان الولايات المتحدة الأميركية التي تتربع على عرش القيادة العالمية تعتبر الزيادة السكانية خارج حدود امريكا واوروبا قضية أمن قومي. وقد ورد ذلك صراحة في وثيقة أمريكية مهمة صدرت في ديسمبر عام 1974 وتحمل الرقم 200 بعنوان: "مذكرة دراسات الامن القومي: آثار النمو السكاني في جميع انحاء العالم على أمن الولايات المتحدة  ومصالحها ما وراء البحار ". وأشرف على إعدادها الدكتور هنري كيسنجر، الذي كان يعمل مستشارا للأمن القومي عام 1969، قبل ان يصبح وزيرا للخارجية الأمريكية عام 1973.

أشارت الوثيقة - التي تم رفع السرية عنها عام 1989 - إلى ان النظر إلى التنمية الاقتصادية كسبيل لحل مشكلة التزايد السكاني ينطوي على تهديد للأمن القومي الأمريكي خصوصا والاوروبي عموما، بسبب التراجع المتسارع في الأهمية النسبية للغرب الأمريكي والأوروبي إلى إجمالي سكان العالم. ونص البند 37 من الوثيقة على ان " الوضع السكاني بالفعل أكثر خطورة وأقل قابلية للحل من خلال تدابير طوعية مما هو مقبول عموماً. ونرى أنه للحيلولة دون حدوث نقص أكبر في الغذاء وغيره من الكوارث الديموغرافية مما هو متوقع بشكل عام، يلزم اتخاذ تدابير أقوى، ويتعين معالجة بعض القضايا الأخلاقية الصعبة للغاية.” وأكدت الوثيقة مرارا على " وجود ضرورة لتطوير البحث العلمي في هذا المجال ".

يضاعف من الشكوك حول ما تشهده الساحة الدولية حاليا، ان الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتزامنة دوليا وغير المسبوقة في التاريخ، سواء لدرجة حدتها أو سرعة اتخاذها أو لشموليتها غالبية دول العالم، لا تتناسب على الاطلاق - من حيث حجم تاثيراتها وتداعياتها الكارثية التي ستتواصل لسنوات عديدة قادمة - مع محدودية أعداد ضحايا فيروس كوفيد 19 والتي تم الاشارة إليها في المقال السابق، حتى لو صحت أعلى التقديرات بشأنها.

واللافت ان الإجراءات القاسية تبدو أشد وطأة وأكثر شمولية وأطول زمنا في الدول النامية التي لم تتجاوز فيها أعداد الإصابات بضع مئات، ولم تتجاوز اعداد الوفيات بضع عشرات، بل ان بعض هذه الدول لم يسجل حتى الخامس عشر من ايار اية وفيات. مقارنة بالاجراءات المخففة في الدول الغربية المتقدمة التي تتجاوز فيها اعداد الاصابات مئات الألوف واعداد الوفيات عشرات الألوف.

وعند الأخذ بعين الاعتبار التفاوت الهائل في حالة حقوق الإنسان بين الدول الغربية المتقدمة والدول النامية، يصعب الاقتناع بان حكومات الدول النامية - التي يموت فيها الملايين من الحروب والجوع والظلم، ويخاطر خيرة شبابها بحياتهم للهجرة إلى بلاد الغرب - أشد حرصا على حياة مواطنيها من الدول المتقدمة !

ولعل ما يثير الريبة، أيضا، ان الصحوة الجماعية المتزامنة لحكومات العالم أجمع، والغربية منها خصوصا، توحي وكأنها تفاجأت بطفرة فيروسية قاتلة، رغم ان كل الدلائل تشير إلى أنها كانت متوقعة. إذ يجمع العلماء على ان كوفيد 19 ينتمي إلى سلالات سبق وان انتشرت في اواخر الألفية الثانية ومطلع الألفية الثالثة، كالسارس وميرس إلخ...

كما ان ظهور وباء فتاك مشابه لكوفيد 19 حظي باهتمام منتجي أفلام الخيال العلمي. ففي عام 2003 تم عرض فيلم "المنطقة الميتة / الطاعون " الذي يهدد الحياة البشرية. كما ان فيلم "العدوى " الذي عرض في أيلول عام 2011 - تحدث عن وباء قاتل تتسبب به الخفافيش في الصين وينتشر في العالم - فيما يكاد يكون نبوءة مماثلة لما يشهده العالم الان.

وانشغل كبار الساسة في العالم، ايضا، خلال العقدين الأخيرين بظهور وباء فتاك، وكان في مقدمتهم رؤساء أمريكيون حذروا من مخاطر تفشي أوبئة فتاكة. فتضمن خطاب للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عام 2005 - متاح على الانترنت - تحذيرا صريحا من ظهور وباء فتاك، ودعا إلى ضرورة الاستعداد الأمريكي المبكر لمواجهة خطر تفشي الانفلونزا الوبائية. كما حذر خلفه الرئيس أوباما من مخاطر انتشار الوباء في خطاب له عام 2015، وهو، أيضا،متاح على الانترنت.

واشارت وسائل الإعلام الأمريكية إلى تقارير عديدة كان قد اصدرها مجلس الأمن القومي الأمريكي والمخابرات والمؤسسات الصحية الأمريكية خلال الأعوام 2017 و 2018 و 2019، وتم رفعها للرئيس دونالد ترامب حول توقع تفشي وباء فتاك. الا انه لم يقابلها بالتجاهل فقط، وإنما بقطع المخصصات المالية للبرامج البحثية ذات العلاقة، وبالضغط على الكونغرس الأمريكي لإلغاء قانون الرعاية الصحية الذي سبق وأن أصدره الرئيس أوباما. بل وقلص الدعم المالي الحكومي للقطاع الصحي.

ولم يقتصر الاهتمام بظهور وباء فتاك على السياسيين فقط، بل شغل، أيضا، اثرياء العالم. فبيل غيتس - اغنى رجل في العالم ومالك شركة مايكروسوفت / المسند اليها انشاء البنية التحتية لتخزين بيانات الادارة العسكرية الأمريكية /، واحد أهم المهتمين بالصناعات الدوائية واللقاحات ضد الأوبئة في العالم، قد خص في احدى محاضراته عام 2015 - متاحة على الإنترنت - فيروس الكورونا بالاسم، وحذر من طفرة فيروسية قادمة تهدد الحياة البشر ية.

وليس هناك ضرورة للتذكير بان لوبي الشركات الدوائية يعادل او قد يفوق في قوة نفوذه جماعات الضغط الامريكية الأخرى ذات الامتدادات العالمية، كالصناعات العسكرية والمالية والتكنولوجية واللوبي الصهيوني.

وعلى الرغم من الواجهة الخيرية لنشاط بيل غيتس وزوجته وتبرعاتهم السخية في محاربة الأوبئة في افريقيا. الا ان الملفت انه من أكثر النشطاء حاليا في السعي لفرض تطعيم دولي الزامي ضد فيروس كوفيد 19 - الذي تؤكد المؤشرات الاحصائية انه لم يرق في خطورته الى مستوى خطورة الأوبئة الاخرى -. ففي خطابه في اواخر نيسان الماضي /24/4/2020 (متاح على الانترنت )، اشار بيل غيتس إلى ان الحياة لن تعود الى طبيعتها الا بعد تطعيم معظم سكان العالم ضد الكورونا. وبالرغم من اعترافه بما قد يحمله التطعيم من مخاطر على كبار السن والحوامل والفقراء الذين يعانون من سوء التغذية لضعف مناعتهم، والذي قد يتسبب بوفيات بنسبة قدرها في خطابه ب (1/ 10.000)، واذا اخذنا بعين الاعتبار بأن تعداد البشرية يبلغ حاليا 7.5 مليار. يمكن تصور حجم المخاطر المتوقعة للتطعيم، والتي تفوق بعشرات الأضعاف اعداد ضحايا الفيروس. دون ان يثنه ذلك عن الدعوة لجعل التطعيم الزاميا لسكان العالم، والمطالبة باعتماد اللقاح من قبل الهيئات الدولية / منظمة الصحة العالمية /وإشراك الحكومات التنفيذ. بل ويدعو، ايضا، لتوفير حماية قانونية للشركات المنتجة للأمصال ضد المضاعفات المحتملة، قبل إقرار الشروع بالتطعيم الإجباري. وهناك شائعات - لم يتسنى لي التحقق منها - من كونه احد كبار المستثمرين في الشركات الدوائية المنتجة للأمصال، ومن أهم المتبرعين لمنظمة الصحة العالمية. وإذا صح ذلك، فاغلب الظن ان الخير الظاهر في التبرعات السخية يخفي مكاسب هائلة. فالمنظمة هي الإطار الدولي الوحيد الذي يمتلك شرعية الإلزام الدولي باللقاحات.

ومثل هذا السلوك بالجمع بين الخير والشر معروف على مستوى الدول والشركات والأفراد، وشواهده لا تحصى، وربما اقربها للوعي مساعدات الإغاثة التي تقدمها الدول الاستعمارية لضحايا حروبها. والفلسطينيون خصوصا والعرب عموما هم أكثر من يعي ذلك، فالدول التي شاركت في اقتلاع الشعب الفلسطيني من ارض وطنه وتشتيته في المنافي، كانت أول وأكبر المساهمين في تمويل موازنة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين على مدى عقود. وهم الآن أكبر ممولي منظمات اغاثة لاجئي الدول العربية التي تخوض ذات الدول الممولة حروبها على اراضيها.

فالأثرياء عندما يتبرعون للفقراء، يعرفون ان ذلك سيدر عليهم ارباحا طائلة اذ يضمنون ولاء واستكانة الفئات المستضعفة، ويحصلون، ايضا، على إعفاءات ضريبية تفوق بأضعاف حجم تبرعاتهم.

من ناحية ثانية، فإن توزيع وتقاسم الأدوار منذ تحالف قادة السياسة والاقتصاد والأمن ليس بالأمر الجديد.

وعليه، فما قد يبدو للبعض تناقضا بين تزامن تقديم بيل غيتس وغيره من الاثرياء الدعم المالي لمنظمة الصحة العالمية - التي يتنامى حضورها الدولي بسبب جائحة الكورونا - وبين قطع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التمويل عنها، لرفضها التجند المباشر في حربه التنافسية ضد الصين، ليس سوى تكاملا بينهما لتحقيق ذات الهدف، بتطويع وإخضاع منظمة الصحة العالمية لقرارات ومصالح القوى الدولية المتنفذة، كما جرى مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

وتتضح سطوة التحالف الثلاثي السياسي والاقتصادي والأمني أكثر عند إضافة مساهمة الشركات التكنولوجية في توفير آليات الرقابة الالكترونية الكفيلة بتتبع الأشخاص الذين يرفضون أخذ التطعيم، بدعوى مكافحة الوباء ومنع انتشار العدوى، خصوصًا وأنه قد تم اختبار نجاعتها عبر المتابعة الاليكترونية للمصابين بكوفيد 19 ومخالطيهم في اسرائيل، بل واثبتت فاعلية فائقة في الصين التي يشكل سكانها 18.59% من إجمالي سكان العالم. وتم الشروع، ايضا، بتطبيقها رسميا في عدة دول - ومن بينها دول عربية - عبر فرض تطبيقات برامج المتابعة الاليكترونية على المواطنين، تحت طائلة العقوبة بالسجن لعدة سنوات والغرامة الباهظة، ومنع السفر والتنقل، بدعوى التحسب لمواجهة جائحة الكورونا والحرص على حياة الناس.

هذه المؤشرات وغيرها، تعزز الشكوك بأن التحالف النيوليبرالي المعولم - الذي تقوده مجموعات الضغط المتنفذة السياسية والاقتصادية والأمنية عبر كبريات الشركات المعولمة : التكنولوجية والذكاء الاصطناعي والأدوية والصناعات العسكرية والمالية والمصرفية، كان يتحين الفرصة لترويع العالم من خطر وجودي داهم، كي يحشد الجميع دولا وحكومات ومؤسسات عالمية ومراكز قوى محلية واقليمية ودولية لتسريع حركة التغيير البنيوي المطلوب احداثه. ويبدو انه يوشك على بلوغ مسعاه، اذ جاءت الاستجابة سريعة على شكل اهتمام دولي متزامن غير مسبوق في التاريخ بكوفيد 19، فتطوع الجميع لرصد وتتبع ارتفاع أعداد ضحايا الفيروس من المصابين والقتلى على مدار الساعة، وتجندت شبكات الاتصال والإعلام المحلية والعالمية لمتابعة حية لبورصة الضحايا، (في الولايات المتحدة الأمريكية جرت مقارنة لافتة في رمزيتها بين ضحايا الفيروس التاجي المستجد وبين ضحايا حرب فيتنام، فأشير إلى ان عدد قتلى الفيروس - خلال شهرين فقط - تجاوز عدد القتلى في حرب فيتنام التي تواصلت ثمانية أعوام ). واستقر مؤشر قياس عداد ضحايا الفيروس التاجي المستجد/ كوفيد 19/ على كافة شاشات التلفزة في خلفيات جميع نشرات الأخبار والبرامج الثقافية والترفيهية، وفي تنبيهات وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف النقالة، ربما للتاكد من وصول الرسالة المراد تبليغها بالتزامن الى كل فرد في جميع بقاع الأرض.

وإدراكا لأهمية دور المعلومات في صياغة وتشكيل الوعي، أبدت وسائل الإعلام المحلية والدولية، الرسمية والأهلية على السواء حرصا لافتا على توفير وتحديث الإحصاءات التفصيلية لاعداد المصابين والقتلى في كل بقاع الارض ونشرها على اوسع نطاق يوميا. وتولت، أيضا، التغطية المباشرة للمؤتمرات الصحفية اليومية التي يعقدها الرؤساء والقادة وكبار المسؤولين في غالبية دول العالم، مصحوبين بفريق كبير من أشهر الاطباء والعلماء وخبراء الأوبئة لشرح الخطر الداهم للوباء الفتاك الذي يهدد حياة الملايين على امتداد الكرة الأرضية - في ظل تعذر محاصرته ومنع انتشاره لغياب العلاج واللقاح الضروري، الذي يحتاج توفيره إلى زمن قد لا يقل عن عام، وربما يمتد لعام ونصف -، والذي بات وكأنه خشبة الخلاص المنتظرة لعموم البشر. ثم يتبعون، ذلك، بإعلان الإجراءات الاستثنائية التي تكاد تفوق في حدتها ما عرفته الشعوب أثناء الحروب العسكرية، كإغلاق الحدود الدولية البرية والبحرية والجوية، وحظر السفر الخارجي، وتقييد التنقل الداخلي، وإغلاق الجامعات والمدارس والمؤسسات العامة والخاصة ودور العبادة، وإلزام المواطنين بالحجر المنزلي لمدد يتم تجديدها تباعا بدعوى محاصرة الوباء الفتاك ومنع تفشيه. يلي ذلك، استعراض مفصل لتقارير مرعبة وتقديرات متشائمة حول الأهوال المتوقعة للوباء والتداعيات المرتبطة بتوقف الاقتصاد العالمي، وما سيؤدي إليه ذلك من انهيارات واسعة النطاق تشمل غالبية القطاعات الاقتصادية وإفلاس العديد من الشركات والمؤسسات الإنتاجية والخدمية، وزيادة كبيرة في أعداد العاطلين عن العمل

- تقدر منظمة العمل الدولية امكانية فقدان 195 مليون وظيفة بسبب كوفيد 19، وتشير البيانات الأمريكية إلى ان عدد العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها قد ازداد خلال ثمانية أسابيع فقط بسبب الوباء بأكثر من 40 مليون متعطل تقدموا للحصول على مخصصات البطالة. واعلنت عديد الدول ضخ مليارات الدولارات لمنع الانهيار. ولجأت غالبية الحكومات إلى الاقتراض الداخلي والخارجي لتقديم الدعم العاجل وتعويض انقطاع سلاسل الإمداد وانقطاع الدخل. واتخذت إجراءات بوقف التعيينات وإلغاء العلاوات. وأجازت جميعها للقطاع الخاص إمكانية التسريح المشروط للعمالة، وإمكانية تخفيض الرواتب والأجور إلى النصف، وإلغاء الحوافز والبدلات، بدعوى التوزيع العادل لأعباء تداعيات الوباء الذي هبط على البشرية وكانه قدر لا علاقة لأحد به.

والمدهش ان غالبية الحكومات الرأسمالية التي لم تأل جهدا الا وبذلته في محاربة الفكر الاشتراكي وإثبات عقمه، تسارع في تبني مبادئه واتباع نهجه عندما تحل الكوارث. فتجند سلطتها لإنفاذ قوانينه وتحقيق العدالة في توزيع الاعباء بين الفقراء والاغنياء.

وتخص بالرعاية في توفير مخصصات الدعم الممول من دافعي الضرائب - التي ينجح كبار المكلفين بالتهرب منها - كبريات الشركات الرأسمالية، بدعوى ان انقاذها يشكل ضرورة لحماية الاقتصادات الوطنية وتجنب الانهيار. ثم سرعان ما تتراجع عن اشتراكيتها في فترات الانتعاش، وتتصدى للدفاع عن مبادئ الاقتصاد الحر، وتمنح الإعفاءات والحوافز الضريبية لجذب وتشجيع كبار المستثمرين المحليين والأجانب.

فهل نجح التحالف النيوليبرالي في استثمار فيروس كوفيد 19 لتطويع البشر وتهيئتهم للقبول بالنظام العالمي الجديد الذي يراد فرضه على البشرية تحت ضغط التهديد الوجودي ؟

هذا ما سنحاول استشرافه في المقالات القادمة.

مشاركة: