الرئيسية » غانية ملحيس »   14 حزيران 2020

| | |
أي نظام عالمي جديد يراد لجائحة الكورونا أن توطد أركانه؟ (4)
غانية ملحيس

على الرغم من أن فيروس العنصرية المستجد - الذي عاود الظهور بقوة في الولايات المتحدة الأميركية، واستدعى تحركًا شعبيًا واسعًا في معظم الولايات الأميركية وبعض العواصم الأوروبية - قد استأثر باهتمام العالم، وطغى مؤقتًا على القلق الدولي غير المسبوق حول فيروس كوفيد 19.

ورغم انخفاض وتيرة الاهتمام الإعلامي إلا أن عداد ضحايا الفيروس التاجي المستجد ما يزال يعمل دون توقف على مدار الساعة. إذ تظهر الأرقام المتاحة في العاشر من حزيران الجاري إلى تسارع ارتفاع أعداد ضحاياه حول العالم بوتيرة كبيرة خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، ليصل أكثر من 7 مليون و340 ألف مصاب وأكثر من 414 ألف وفاة (94.4%من إجمالي المصابين )، بزيادة بنحو 58% و34% على التوالي مقارنة بالمجموع التراكمي لأعدادهم حتى الخامس عشر من أيار الماضي.

وما تزال الولايات المتحدة الأميركية تتصدر القائمة في أعداد المصابين مسجلة أكثر من 2 مليون إصابة و114 ألف حالة وفاة، وإن تراجعت أهميتهم النسبية إلى إجمالي الإصابات والوفيات في العالم من 31.8% للإصابات و28.7% للوفيات إلى 27.8% و27.5% على التوالي، رغم تخفيف القيود على الحركة واندلاع المظاهرات الشعبية الحاشدة في أكثر المدن الأميركية منذ مقتل جورج فلويد في 27 أيار الماضي، ما يعني انخفاض نسبة تفشيه فيها قياسا ببعض الدول الأخرى!، تليها بريطانيا من حيث عدد الوفيات 40 ألف، إلا أن البرازيل تتفوق عليها في عدد الإصابات مسجلة أكثر من 742 ألف إصابة، ومن ثم إيطاليا وفرنسا وإسبانيا.

وعلى الرغم من انقضاء نحو سبعة أشهر على ظهور الفيروس التاجي المستجد / كوفيد 19/، ما يزال العالم بأسره يقف عاجزا أمام جبروته، ولم يتمكن، بعد، من استعادة توازنه . وما يزال الارتباك يخيم على سلوك الدول الكبرى كما الصغرى، وتواصل الحكومات إرسال إشارات متناقضة، سواء عبر تخفيف الإجراءات التقييدية على الاقتصاد والحركة بشكل عشوائي يصعب إدراك مقاصده، أم عبر تكرار تهديداتها بإمكانية العودة لفرض الإجراءات المشددة عند تجاوز أرقام الضحايا سقوفا معينة . يضاف الى ذلك ما يصدر عن المؤسسات الصحية الوطنية والدولية من تصريحات متباينة حول احتمال ظهور موجات وبائية أشد خطورة، والتشكيك بفعالية بعض العلاجات التي يقر البعض بجدواها . ما يعمق حالة الهلع والتيه العالمي، ويفقد الناس القدرة على تبين الخيارات والبدائل الممكنة للنجاة من حرب ضروس يفرضها عليهم عدو خفي يبدو عصيا على القهر، يجول العالم ويتنقل بين دوله بحرية تامة . يفتك بالجميع ولا يفرق بين حاكم ومحكوم وغني وفقير وأبيض وملون ومؤمن وملحد ورجل وامرأة.

يواصل حصد أرواح الآلاف دون خشية من عقاب، ويغلق الحدود بين كافة الدول ثم يترفق بالحلفاء الأكثر نفوذا فيعيد جدولة فتحها بينهم . يغلق المصانع والمتاجر والمدارس والجامعات ودور العبادة والمؤسسات الحكومية والخاصة، ويقنن إعادة فتحها جزئيا وفقا لمعطيات غير مفهومة.

لكن الثابت الوحيد انه ما يزال يقتلع آلاف الموظفين والعمال من أعمالهم بدعم من الحكومات، ودون خوف من نقابات تطالب بتعويضات الفصل التعسفي . ويخفض رواتب واجور من يتبقى منهم إلى أقل من النصف، مطمئن إلى توفر الحماية الرسمية، وواثق بأن الساحات والميادين التي سبق وان شهدت احتجاجات شعبية كثيفة قبل بضعة أشهر في غالبية دول العالم للمطالبة برفع الأجور ستبقى خالية . ويجبر الناس، أيضًا، على القبول بتقييد حرياتهم وربط تحركاتهم بمواقيت يتعذر فهم وجاهتها، وينتهك خصوصياتهم دون قدرة على الاعتراض، و يختار لهم انماط علاقاتهم بذويهم، ويلزمهم بالبقاء في مساكنهم وفقا لمواقيت ومدد يحددها الساسة.

وربما لأول مرة في التاريخ، أقله المدون، يلتزم معظم البشر بطاعة تقارب حد الاستسلام، يدفعهم الى ذلك خوف وجودي من عدو غير مرئي، يجهلون طبيعته ودوافعه، وتفزعهم سرعة انتشاره المتزامن على امتداد الكرة الارضية، ويربكهم غموض سبل ومواعيد الخلاص، وكثرة واختلاف التكهنات بشأنه.

فهل هو - كما يصرح الوعاظ على اختلاف دياناتهم وعقائدهم- عقاب إلهي مستحق استوجبه عصيان البشر وطغيانهم وفسادهم واستكبارهم؟ وإحدى علامات اقتراب يوم القيامة؟

أم هو كما يقول العلماء، ثورة الطبيعة على الإنسان الذي ظن أنه قادر على التحكم بها، وردًا رادعًا منها على سلوكياته التدميرية التي تتسارع وتائرها، رغم عديد التحذيرات الدالة على جبروتها، الفيضانات، الزلازل، البراكين، التصحر، الاحتباس الحراري، تسونامي ... إلخ. فقررت ابتعاث الفايروس التاجي لتذكير الإنسان بأنه ليس محور الكون، وبأن استمرار وجوده رهن بتوقفه عن مواصلة العبث بقوانينها والإخلال بالتوازن الضروري لحفظ حياة الكائنات الحية الأخرى التي تتشارك معه العيش على كوكب الأرض؟

أم أنه كما يقول المرتابون بنوايا الساسة، موفد من الكائنات التخليقية العديدة التي تنتجها مختبرات الأبحاث البيولوجية والجرثومية التابعة للقوى الدولية المهيمنة، بغية استخدامها في صراعاتها التنافسية - بعد استعصاء الحروب العسكرية التي باتت غير مجدية لما تنطوي عليه من كلفة باهظة ومخاطر تدميرية لا تستثنيهم في ظل انتشار أسلحة الدمار الشامل -، واستهدف منتجوه عبر تسريبه اختبار مدى فاعليته في النيل من الخصوم لإخضاعهم ووقف تقدمهم لإدامة السيطرة على القيادة العالمية؟

 إذ من الملفت أن الفيروس التاجي انتشر بداية في الصين وايران، البلدان اللذان تعتبرهما الولايات المتحدة الأميركية - القوة الأعظم التي تنفرد بقيادة العالم منذ انهيار الثنائية القطبية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي - ألد أعدائها.

فهل يمكن أن تكون قد أرادت تسريب الفيروس لإخضاعهما، دون أن تتحسب لتداعيات مغامرتها في عصر العولمة؟

ودون استبعاد فرضية أخرى، خصوصا لنسب نشأته إلى مدينة ووهان الصينية، كأن يكون فيروس كوفيد 19، رسولا متمردا أفلت من سيطرة منتجيه من القوة الدولية الصاعدة (الصين)، الساعية لتأكيد حضورها الدولي الوازن في النظام العالمي الجديد بعد توفر موجبات انبعاثه، لإحلاله محل النظام العالمي القديم الذي استوفى شروط الرحيل.

أم هو مطية مطواعة لتحالف كبريات الشركات الانتاجية والتكنولوجية المعولمة العابرة للأعراق والأديان والقوميات والدول، وتوافقها على توظيف الفيروس التاجي المستجد لتسريع وتائر عولمة الكون وتنميط البشر وفقا لمقتضياته.

بغض النظر عن تعدد التكهنات بشأن فيروس كوفيد 19، فمن الجلي أنه قد باغت البشرية في لحظة زمنية فارقة، بدى فيها النظام الدولي الذي تشكل في اعقاب الحرب العالمية الثانية عاجزا عن استيعاب التطورات الجوهرية المتسارعة التي طرأت على المشهد الدولي خلال العقود الماضية . وتوفرت الظروف الموضوعية التي تحتاجها القوى الصاعدة المتنفذة وأصحاب المصالح المنتشرين على امتداد العالم لتضخيم خطره الوجودي من اجل تسريع تفكيك المنظومة الدولية القائمة التي باتت تعرقل خططهم، والمباشرة بإعادة تركيب الهياكل الجديدة التي تحتاجها وتنظيم العلاقات الداخلية والخارجية وفقا لمصالحها، والإفلات من تحمل تداعيات وكلفة الصراع بين النظام القديم المتشبث بالبقاء والنظام الجديد الساعي للحلول السريع مكانه، باستثمار الهلع الوجودي لفرض أنظمة طوارىء لا تخضع للرقابة والمساءلة، لإحباط مقاومة الأطراف المتضررة على الصعد المحلية والاقليمية والدولية.

غني عن القول أن النظام العالمي القائم كان آيلا للسقوط قبل هجوم الفايروس. فمرتكزاته الرئيسة المؤسسة على توازن هش كانت قد بدأت بالتصدع التدريجي منذ بدايات تشكله . والصراع الضاري الذي تواصل بين المعسكرين الرأسمالي العتيد والاشتراكي الوليد، والذي استوجبت ظروف الحرب العالمية الثانية توافقهما على تقاسم النفوذ، لم يتح للمعسكر الاشتراكي الفتي فرصة للتطور والصمود في حلبة الصراع التنافسي غير المتكافئ . فانهارت قواه وتفككت أوصاله، وانسحب سلما بعد اربعة عقود متصلة من المقاومة والممانعة، ما أتاح للنظام الرأسمالي فرصة الفوز بالتزكية، وليس بالجدارة، والتفرد مجددا بالقيادة العالمية، لكن هذه المرة بانفراد القوة الأعظم الولايات المتحدة.

وعلى عكس ما كان متوقعا، لم يؤد انتهاء الثنائية القطبية من النظام الدولي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي الى انتهاء الصراعات، بل على العكس تمامًا، فقد توسعت دائرتها في عصر تفرد الولايات المتحدة الأميركية بالقيادة وغياب الاقطاب الدوليين الفاعلين، وانفجرت الحروب البينية والأهلية على امتداد العالم لإخضاع الجميع للإمبراطورية الأميركية عبر تطبيق القاعدة الذهبية " فرق تسد "، التي اثبتت جدواها في جعل بريطانيا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس . فتولت الولايات المتحدة الأميركية اذكاء الاختلافات العرقية والقومية والاثنية والدينية والطائفية والعقائدية والطبقية، لتفكيك الدول والتجمعات الاقليمية القائمة لمنع التطور المستقبلي لاي من القوى الرئيسة التي يمكن أن تتحدى تفردها بالقيادة العالمية / بلغ عدد الدول الجديدة بعد انتهاء عصر الثنائية القطبية 34 دولة / . وسرع ذلك صعود القوى النيوليبرالية إلى مواقع صنع القرار الأميركي وأكسبها قدرة هائلة على التقدم بثبات لعولمة نموذجها.

بكلمات أخرى، فان الفايروس التاجي لا يتحمل مسؤولية عما ينسب إليه من تداعيات خطيرة تطال مختلف جوانب الحياة الإنسانية على كوكب الأرض . فتلك أساسا نتاج تراكمي للأزمات الهيكلية الكامنة في النظام الرأسمالي المعولم ومرتكزاته القيمية القائمة على استغلال القوي للضعيف، وإعطاء الأسبقية لسيطرة منظومة قيمية مادية تقضي على القيم الإنسانية التي سبق وأن حققتها البشرية بتضحيات هائلة، والتي فاقمتها سيطرة النخب النيوليبرالية المتوحشة وجشعها الاستئثاري، وافلاتها المتكرر من عواقب سياساتها وسلوكياتها التدميرية، ما أوصل العالم إلى حافة الهاوية.

أما مسؤولية فيروس كوفيد 19، فتنحصر في إسهامه بتسريع وتائر الانهيار الذي كان حتميا، وفي اضطلاعه بكي الوعي الجمعي العالمي وتبصيره بالوقائع الصادمة لعالم القرن الواحد والعشرين، وفي حفزه لطرح التساؤلات الجوهرية المتصلة بالهدف من الوجود الإنساني، وبمدى سلامة منظومة القيم الحاكمة، وبصلاحية ترتيب سلم الأولويات، وبجدارة معايير التقدم وأدوات قياسه، وبالهدف المرجو من التطور العلمي والتكنولوجي ... إلخ.

فهل اسهم فيروس كوفيد 19 - بما أثاره من هلع وجودي - في كشف الحقائق التي تحفز البشرية على ايجاد اجوبة على التساؤلات أعلاه، والتي يتوقع ان يرتهن بمضمونها عموم المستقبل الانساني لعقود عدة وربما لقرون؟

هذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه في المقالات القادمة

مشاركة: