الرئيسية » مقالات » غانية ملحيس »   03 كانون الأول 2020

| | |
وداعًا عميد الديبلوماسيين الفلسطينيين حكم بلعاوي
غانية ملحيس

بهدوء لافت ودعت فلسطين في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 عميد الديبلوماسية الفلسطينية حكم بلعاوي، الذي سكنته فلسطين فأسكنها في قلوب وعقول التونسيين .

بالكاد أعرف الرجل، لكني وجدت من واجبي استحضار سيرته بعد رحيله الهادىء، فالرجل يستحق كلمة وفاء وعرفان، لم يبخل بها بعض من عاشوا في تونس فنعوه على وسائل التواصل الاجتماعي . ونعاه الرئيس الفلسطيني رسميا، وودعته القيادة الفلسطينية بتواضع فرضته جائحة الكورونا، عند إخراج جثمانه من مستشفى رام الله ليوارى الثرى في مسقط راسه في بلدته بلعا .

يستحق حكم بلعاوي منا جميعا، من اتفق ومن اختلف معه على السواء، وقفة وفاء وعرفان . لدوره المتميز عندما شغل موقع سفير لفلسطين في الجمهورية التونسية، في مرحلة مفصلية من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بعد اقتلاع الثورة الفلسطينية من لبنان عام 1982، وانتقال مقر القيادة إلى تونس .

التقيته في تونس عام 1979، عندما ذهبت لتمثيل فلسطين في أول اجتماع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية بعيد انتقالها لتونس، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية، آنذاك، منشغلة بتكريس استقلاليتها، فسعت لاستثمار المعارضة العربية الواسعة لاتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل لحشد الدعم والتأييد العربي لطلب فلسطين لعضوية مراقب في صندوق النقد الدولي، في أول اجتماع للمجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية عام 1979، بعيد نقلها من مقرها الرئيس في القاهرة إلى تونس .

كنت قد سمعت عن سطوة السفير حكم بلعاوي وجبروته من بعض الموفدين الفلسطينيين الذين سبق لهم زيارة تونس. ففاجأني سلوك معاكس بحرصه على المرور رغم تأخر وصولي إلى الفندق في منتصف الليل. زودني بوثائق الاجتماع، وأبلغني على عجالة بترتيبات سفري في الصباح الباكر إلى مدينة سوسة حيث يعقد الاجتماع .

علمني ذلك التشكك بالأحكام التي يبنيها الأشخاص على سلوكيات الآخرين، والتي قد تحتكم لمعايير شخصية مبنية على فهم خاطئ للدور المهني للسفير الفلسطيني .

وتكررت اللقاءات الخاطفة به، التي لم تتجاوز دقائق معدودة على هامش الاجتماعات أثناء عملي في جامعة الدول العربية بتونس. والتقيته مرة وحيدة كوزير داخلية في السلطة بصفتي مديرة لمعهد ابحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) لتثبيت مرجعية التسجيل القانوني للمعهد في وزارة التعليم العالي أسوة بالجامعات الفلسطينية. فوافق خلافًا لسعي وزارة الداخلية لتثبيت دورها كمرجعية قانونية للتسجيل .

لمن لا يعرف حكم بلعاوي الذي غيبه المرض فتوارى عن مسرح الأحداث، وأغفل غالبيتنا في زحمة الحياة حضوره، إلى أن فاضت روحه الطاهرة في الأسبوع الماضي، ليعيد برحيله الهادئ حضور قامة وطنية فلسطينية، ظلت طاغية الحضور على مدى أكثر من عقد في حضور القادة الكبار، عندما كان سفيرًا لفلسطين في تونس .

ولد حكم بلعاوي في بلدة بلعا في محافظة طولكرم عام 1938، وشهد النكبة الكبرى التي مني بها وطنه عام 1948، وصقلت تداعياتها الكارثية على شعبه وعي الطفل في العاشرة، فحددت خياراته مثل العديد من أبناء جيل النكبة .

حصل على إجازة في الإدارة والتربية، والتحق مبكرا بحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وأصبح في العام 1968 نائبا لرئيس لجنة المعلومات المركزية في الحركة، وعين نائبا لسفير فلسطين في ليبيا خلال الفترة 1973-1975، ثم نقل إلى تونس وعين سفيرا لفلسطين فيها. وشغل- بالإضافة إلى مهامه كسفير - مهمة المندوب الدائم لفلسطين في جامعة الدول العربية طوال فترة وجودها في تونس 1979 - 1990 (انتقل مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس في أعقاب توقيع اتفاق كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني عام 1979، ثم أعيدت إلى القاهرة عام 1990)

عين عام 1983 عضوا مراقبا في المجلس الثوري لحركة فتح، وبعد ثلاث سنوات أصبح عضوا عاملا في المجلس. وانتخب في المؤتمر الخامس لحركة فتح عام 1989 لعضوية اللجنة المركزية، وتولى مسوؤلية جهاز الأمن الفلسطيني بعد اغتيال صلاح خلف وهايل عبد الحميد بتونس في 14/1/1991

وبقي في موقعه كسفير لفلسطين في تونس حتى عودته مع الرئيس ياسر عرفات إلى فلسطين عام 1994، في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو .

انضم إلى عضوية مجلس الأمن القومي برئاسة عرفات، إضافة إلى عضوية لجنة الطوارئ التي تولت الإشراف على أول انتخابات محلية لحركة فتح في الأراضي الفلسطينية. وتولى المسؤولية عن جهاز التعبئة والتنظيم في اللجنة المركزية للحركة .

وانتخب لعضوية المجلس التشريعي الفلسطيني الأول عن حركة فتح في محافظة طولكرم عام 1996

شغل حكم بلعاوي موقع أمين عام مجلس الوزراء في الحكومة الفلسطينية السادسة برئاسة محمود عباس (30/3/2003 - 7/10/2003) . ثم عين في 13/10/2003 قائما بأعمال وزير الداخلية بالحكومة السابعة التي ترأسها أحمد قريع واستمرت حتى 12/11/2003، ثم وزيرا للداخلية في حكومة أحمد قريع الثانية حتى 24/2/2005 .

وانتخب مرة ثانية كمرشح عن حركة فتح لعضوية المجلس التشريعي الثاني عام 2006

على الرغم من أهمية المواقع التي شغلها حكم بلعاوي في حركة فتح والسلطة الفلسطينية، إلا أن شهرته وتأثيره الأهم فلسطينيا يعود لموقعه كسفير لفلسطين في تونس، خصوصا خلال الفترة 1982- 1994، والتي شكلت مرحلة فاصلة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة .

فقد تميز الرجل بحضور طاغ في حضرة قادة الثورة الفلسطينية الكبار. وتمكن بحنكته وصرامته ويقظته من الحفاظ على توازن واستقرار العلاقات الفلسطينية - التونسية، وهو ما عجزت عن تحقيقه الثورة الفلسطينية خلال وجودها في الساحتين الاْردنية واللبنانية .

صحيح أن ظروف تجربتي الأردن ولبنان تختلف جوهريا بسبب اختلاف طبيعة إدارة الصراع مع العدو الصهيوني في مناطق التركز السكاني الفلسطيني والتماس المباشر مع الوطن المحتل .

الا ان انتقال قيادة المنظمة إلى تونس، حولها إلى ساحة صراع رئيسية مع العدو الصهيوني الذي واصل تعقبها لتصفيتها . ففي الاول من تشرين الأول/ أكتوبر 1985 شن سرب من الطائرات الحربية الاسرائيلية غارة جوية على مواقع منظمة التحرير الفلسطينية في ضاحية حمام الشط التونسية، التي تضم مكتب الرئيس ياسر عرفات، وبيته الخاص، ومقر القوة 17، والحرس الرئاسي، والإدارة العسكرية، والإدارة المالية، وبعض بيوت مرافقي الرئيس وموظفي مؤسسات منظمة التحرير فدمرها وسواها بالأرض، واسفرت الغارات عن استشهاد خمسين كادرا فلسطينيا وثمانية عشر تونسيا، وجرح مائة غالبيتهم العظمى من الفلسطينيين. واستهدف العدو الصهيوني تصفية منظمة التحرير الفلسطينية وإنجاز ما عجز عن تحقيقه خلال أطول الحروب العربية - الاسرائيلية عند اجتياحه للبنان عام 1982 ومحاصرته لبيروت طيلة 88 يوما، صمد خلالها مقاتلوا الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية ببسالة. وانتهت باتفاق بإجلاء قوات وكوادر الثورة الفلسطينية بأسلحتهم الخفيفة من لبنان، وانتقال مقر القيادة إلى تونس .

يتعذر إغفال دور حكم بلعاوي المتميز في بناء علاقات استراتيجية متينة ما تزال جذورها راسخة مع الحكومة والشعب التونسي، مكنت من إدارة الوجود الفلسطيني بسلاسة واقتدار في عهدي الرئيس الحبيب بورقيبة والرئيس زين العابدين بن علي . وكان للرجل حضور وازن ومؤثر يفوق حضور أقرانه الديبلوماسيين العرب والأجانب. وهو ما ألزم القادة الفلسطينيين الكبار الذين يعلونه في المرتبة التنظيمية بالإقرار والقبول بضوابط العلاقة التي صاغها بعناية واقتدار، للمواءمة بين استقلالية القرار الفلسطيني، وبين التزام الفلسطينيين قادة وعناصر بقواعد الضيافة التونسية .

وباستثنناء الاختراقات الأمنية التي فاقت حدود قدراته بتواطؤ دول عظمى وأسفرت عن اغتيال خليل الوزير أبو جهاد في نيسان 1988 بضاحية المرسى في تونس. واختراق الموساد لمكتبه بتجنيد أحد مساعديه المقربين عدنان ياسين في أواخر ثمانينيات القرن الماضي .

فإن تجربة حكم بلعاوي الثرية في السياسة والإدارة والديبلوماسية والإعلام في تونس تستحق التوثيق . اذ أسهم في استحضار فلسطين في عقول وقلوب التونسيين جميعا على المستويين الرسمي والشعبي . وبات اسم "سي حكم بلعاوي" في الوعي التونسي لصيقا بفلسطين .

عرفه جميع الفلسطينيين الذين قادتهم أقدارهم لتونس، وعرفوا عنه صراحته البالغة وتجنبه المجاملة وحصر علاقاته في الحدود الوظيفة، ما أثار حفيظة الكثير من الفلسطينيين . فقد كان عمليا ومباشرا وصارما، لم يسع لكسب الود، ولم يستغل - كغيره - نفوذ الموقع لكسب الولاءات .

تميز بسرعة بديهته ويقظته الدائمة، وسعة اطلاعه، وتفانيه في خدمة قضية شعبه، وجرأته في اتخاذ القرار، وانفتاحه واحتفاظه بمسافة واحدة من الجميع . وعندما كان سفيرا لم يغلق بابه في وجه مراجع، ولم يقصر في تقديم ما استطاع من عون دون تمييز بين رئيس ومرؤوس . وكان شجاعا في إبداء رأيه، عصيا على التطويع، مهابا، صارما في منع تجاوز صلاحياته، وفي احترام اختصاصات وصلاحيات الآخرين .

على النقيض من ظاهره الحاد، تميز بحس أدبي عال، فكتب عددا من القصص أهمها : موال للأرض والثورة، دفاعًا عن الشمس (قصص)، المستحيل (مسرحية)، شهادة ميلاد (قصص)، الحاجة رشيدة (قصص) .

منحه الرئيس الفلسطيني محمود عباس النجمة الكبرى لوسام القدس تقديرًا لنضاله الوطني ومسيرته الحافلة بالعطاء .

لروح الراحل الكبير حكم بلعاوي الراحة والسكينة، ولأسرته ورفاقه وعموم الشعب الفلسطيني التعازي وطيب ذكرى مناضل عنيد امضى حياته في خدمة شعبه ونصرة قضيته العادلة .

مشاركة: