الرئيسية » هاني المصري »   30 آذار 2021

| | |
ما قبل وبعد تقديم القوائم الانتخابية‎
هاني المصري

حتى كتابة هذه السطور، قُدمت عشر قوائم إلى لجنة الانتخابات المركزية، ومن المتوقع خلال اليوم وغدًا أن تقدم بقية الفصائل، وعلى رأسها حركة فتح، والجبهة الشعبية وحزب الشعب وفصائل أخرى صغيرة مجتمعة إذا لم تشارك في قائمة فتح، وقوائم أخرى تمثل الملتقى الوطني الديمقراطي، ورئيس الوزراء الأسبق سلام فياض، وقوائم مختلفة وشبابية ومستقلة إذا نجحت في توفير متطلبات الترشح.
التطور الأبرز الذي تأكد أن القائد الأسير مروان البرغوثي لن يشارك ولن يدعم قائمة الملتقى الوطني الديمقراطي، كما لن يشكل قائمة خاصة به، بل سيدعم قائمة فتح إذا سارت كما ينبغي، ويستعد لخوض الانتخابات الرئاسية إذا جرت في موعدها، وتمكّن من المشاركة فيها، كونه يعتبرها المعركة الرئيسية والأهم، وهو يراهن على إمكانية تفعيل الجهود للإفراج عنه تجنبًا للوصول إلى سيناريو "رئيس أسير لشعب أسير"، ويراهن على إمكانية أن تدعمه "فتح" كمرشح رئاسي إذا جرت الانتخابات، رغم أن الرئيس محمود عباس لن يسمح بإجراء انتخابات رئاسية يتنافس فيها مع مرشح قوي مثل مروان البرغوثي، تشير الاستطلاعات إلى أنه سيفوز على أي مرشح آخر، إلا إذا تحالفت "فتح" و"حماس" ضده. وهذا احتمال غير مرجح حدوثه، خصوصًا بعد سقوط فكرة تشكيل قائمة مشتركة (عفوًا قائمة وطنية واحدة) .
من دون ثقل مروان الشعبي الكاسح من الصعب جدًا – وفقًا للاستطلاعات والعديد من المؤشرات - أن تؤدي الانتخابات التشريعية إلى إحداث تغيير جوهري حاسم  على خارطة القوى القائمة، أو عبر بروز طرف ثالث قوي، وذلك لفشل محاولات اليسار في تشكيل قائمة واحدة، وفشل المستقلين وغيرهم في اختصار القوائم المتنافسة بعدد أقل، أو تشكيل قوائم قوية تجعل الناخب الباحث عن التغيير يشارك بقوة في الانتخابات، ويمكّن قائمة أو قوائم التغيير المفترضة من الحصول على نسبة جيدة من المقاعد، وكسر الاستقطاب الثنائي المرشح للاستمرار رغم إمكانية حصول قائمة تيار دحلان على عدد من المقاعد لا يتجاوز العشرة كما أشار الاستطلاع الأخير للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية.
لقد كتبت سابقًا وأيقنت الآن أكثر أن الانتخابات لن تكون حرة ونزيهة ولن تحترم نتائجها كونها تتم تحت الاحتلال وفي ظل الانقسام، فضلًا عن أجواء يفوق فيها الترهيب على الترغيب، وأنها في أحسن الأحوال ستعيد إنتاج الأمر الواقع السيئ وشرعنة الانقسام وتعميقه والاقتسام، لذا لا بد أن تجري الانتخابات في سياق معركة التحرر الوطني والاستقلال وضمن وفي سياق الاتفاق على رزمة شاملة تتضمن أولًا وأساسًا وكمدخل لا مفر منه الاتفاق على البرنامج الوطني وأسس الشراكة، سواء إذا جرت الانتخابات أو لم تجر، وعلى ضرورة وكيفية تغيير السلطة وكسر قيود والتزامات أوسلو الغليظة التي تقيدها، وإعادة بناء مؤسسات المنظمة بحيث تعيد صياغة واعتماد الميثاق الوطني وتضم مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية داخل الوطن المحتل وخارجه على أساس برنامج وطني موحد.
إن الناظر إلى البيئة التي تسبق الانتخابات يجد كم أنها بعيدة عن المستلزمات الضرورية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وتحترم نتائجها.
فمن جهة، هناك إسرائيل والإدارة الأميركية اللتان أوضحتا أنّ الانتخابات المقبولة منهما التي سيتم التعامل مع نتائجها والحكومة التي ستشكل بعدها هي الانتخابات التي تقوي قوى "الاعتدال"، وتمكينها من الحصول على الأغلبية، وتضعف عناصر قوى "التشدد"، وعدم تمكينها من الحصول على الأغلبية أو لعب دور قيادي فاعل في السلطة الفلسطينية.
وهناك شروط اللجنة الرباعية التي تفرض على أي حكومة قادمة وأي وزير فيها الموافقة عليها، حتى تقبل أميركيًا، وربما دوليًا وأوروبيًا.
ومن جهة أخرى، ما سبق صدور مرسوم الانتخابات وما جرى بعده حتى الآن من إجراءات وأجواء تمس بنزاهة وحرية الانتخابات ستؤثر بشدة على نتائجها .
فمن استكمال وإحكام السيطرة على السلطة القضائية إلى تهديد أعضاء وقيادات "فتح" بعدم الترشح تحت طائلة المنع بالقوة، أو مواجهة الفصل والتشهير كما حصل مع ناصر القدوة، الذي لم يتم الاكتفاء بفصله من "فتح" قبل أن يشكل قائمة انتخابية وبشكل لا يتناسب مع نظامها الداخلي الذي يتضمن اللجوء إلى المحكمة الحركية والحصول على تصويت بتأييد الفصل من ثلثي اللجنة المركزية ومن ثم من ثلثي المجلس الثوري، وهذا كله لم يحصل. أو ما يتعلق بشن حملة ملاحقة ضده عبر الذباب الإلكتروني وغيره، وتهديده بعدم تمكينه من تقديم قائمة، وتضييق الخناق عليه لدفعه لمغادرة البلاد.
أو فيما يتعلق بعدم تعديل قانون الانتخابات بالنسبة إلى تخفيض الرسوم والتأمين وسن الترشح ورفع نسبة تمثيل المرأة، والأهم استمرار شرط الاستقالة وقبولها الذي بينت تجربة تشكيل القوائم بأنه قيد غليظ جدًا يمس وينتهك الحق الدستوري بالترشح من دون ضغوط وقيود.
إن كل ما سبق يجعل إمكانيات التغيير عبر الانتخابات القادمة إن جرت محدودة، ولكن لا مفر من المحاولة واستنفادها إلى الحد الأقصى، مع مواصلة العمل لتوفير متطلبات بلورة تيار وطني قادر على شق مسار إستراتيجي جديد في كفاح الشعب الفلسطيني. كانت هذه هي المهمة ذات الأولوية لكل الوطنيين والديمقراطيين، وستبقى كذلك قبل الانتخابات، وما بعدها.

مشاركة: